تلعب الوصاية على الثقافة دوراً مؤثراً في حياة الأمم، وبأشكالها المختلفة يمكن أن تبعد الجماهير عن الثقافة كمفهوم عملي يساعد الإنسان على تقبل حياته والعيش بطمأنينة وسط المجتمع. ويمكن أن يؤثر نهج شخص أو أسلوب تفكير على مجموعة فتتحول إلى نمط مقلد يستوحي مثاله من ذلك الشخص ويمشي على منواله، وبالتالي يتحول كل المنتج الثقافي إلى صيغة واحدة متشابهة، وعادة ما يكون التأثير الفردي لشاعر أو مفكر أو أي عامل في الحقل الثقافي الذي يتعامل مع المجتمع وقضاياه بمنطق فهمه الذاتي لتلك القضايا.
فهو عندما يكون سلفياً يريد من كل المنتج الثقافي أن يصب في هذا الحقل ويعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وعليه أن يكون المسيطر حتى لا يصيبها الضلال، وعندما يكون علمانياً فهو يستخدم الأدوات ذاتها ولديه ذلك الشعور بأحقية أفكاره، وفي الحالتين السلفي والعلماني عندما تتغير الأحداث يلومان كل شيء ممكن إلا أفكارهما.. فهي الحقيقة المطلقة.
لكن الوصاية الأقوى هي ما تقوم بها الدولة تجاه أبنائها وذلك عبر ثقلها الإعلامي والسياسي وامتلاكها لسلاح قوي تؤثر به على الناس فتعرض نظريتها على المجتمع ويتحول كل منتج ثقافي إلى نموذج مقلد لها، وبما يتوافق مع مسلمات فكرية ترى الدولة أن على الناس اتباعها ويكاد الأمر أن يصل إلى حد تحت طائلة القانون أو المساءلة في المجتمعات الشمولية.
وهم الوصاية الثقافية لعب دوراً سلبياً في تقدم الثقافة وانتصارها لقضايا الإنسان، وعمل ذلك الوهم على تأخر كثير من المجتمعات، بل ساهم في تراجع مجتمعات بأكملها بحجة الأفضلية للناس، ودائماً تستمد تلك الوصاية شرعيتها من جوانب دينية أو أيديولوجية أو غيرها من الحمايات الأخلاقية!
لقد ساهمت النخب الفكرية في تطور حركة التاريخ، وعمقت الإحساس بأهمية أن تكون الحضارة في موقع القوة والتصدير وليس السياسة أو الاقتصاد، لذلك وصلتنا أخبار أمم صغيرة جداً ولكنها عميقة حضارياً ولم تصلنا أخبار أمم غيرها كبيرة جداً ولكنها مفلسة حضارياً.
هل لعبت الوصاية دوراً في ذلك، بالتأكيد فعندما تكون الوصاية من باب وزارة للثقافة تنشر فكر قادة الدول بين أبناء المجتمع، تقع كارثة، وعندما تُصدّر تلك الثقافة إلى دول أخرى سرعان ما تموت من البرد لأنها تفتقد شروط العيش خارج محيطها. ألا يبرر هذا ان هوميروس والمتنبي يعيشان بيننا حتى اليوم، ولكن أوصياء الثقافة الذين بيننا اليوم ماتوا منذ أمد بعيد.