مارك بيري مختص بالشؤون العسكرية وبالتاريخ العسكري للولايات المتحدة الأميركية. وهو أحد مديري «منتدى النزاعات» في أميركا. له العديد من الكتب من بينها: «أزمنة لوس انجلوس» و«التصميم في إطار الحرية». وقدّم العديد من الكتابات حول التاريخ وحروب الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية في العديد من الدوريات والصحف.
«شركاء في القيادة» هو بنفس الوقت كتاب عن سيرة حياة شخصيتين في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية هما دوايت ايزنهاور وجورج مارشال منذ أن كانا ضابطين صغيرين وصولا إلى مراكز القيادة العليا. وكتاب أيضا عن تاريخ أميركا نفسه ومحاولة لإلقاء نظرة على ماضيها القريب من أجل فهم توجهاتها الراهنة.
من خلال قراءة سيرة حياة هذين الرجلين تبرز نقاط اختلاف كبيرة في شخصيتيهما وفي مساريهما. ولكن يبرز بنفس الوقت أن أهدافا كبرى قد وحدتهما وكان لها تأثيرها في مصير الأمة الأميركية، إذ كانا قد تعاونا في مراحل عديدة انطلاقا من المعارك في شمال إفريقيا وإيطاليا وحتى التخطيط لصناعة القنبلة الذرية ووصولا إلى استخدامها ضد المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناغازاكي في مطلع شهر أغسطس 1945 ووضع حد نهائي للحرب العالمية الثانية.
جورج مارشال من مواليد عام 1880 في ولاية بنسلفانيا. كان أبوه تاجرا، وقد تلقّى الشاب جورج علومه العسكرية الأولى في معهد فرجينيا العسكري ما بين عام 1897 وعام 1901. قاد العمليات العسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى ما بين 1917 و1919.
لكن شهرته الكبرى تعود للدور الذي لعبه في الحرب العالمية الثانية حيث كان مسؤولاً عن التخطيط في وزارة الدفاع وعيّنه الرئيس الأميركي روزفلت رئيسا لأركان الجيش عام 1939. أعاد بناء القوات المسلحة الأميركية وكان عنصراً فاعلاً في اتخاذ القرارات الخاصة بإنزال الجنود الأميركيين في منطقة النورماندي الفرنسية يوم 6 يونيو 1944.
اشتهر مارشال عبر دوره في الحرب ومشاركته في لقاءات يالطة وبوتسدام لرسم خارطة جديدة لأوروبا التي ارتبط اسمه بالمشروع الكبير «خطة مارشال» لإعادة بنائها. أصبح وزيرا للخارجية الأميركية عام 1947، وكان من أنصار إعادة تسليح أوروبا الغربية في مواجهة «هجوم سوفييتي محتمل».
حصل عام 1953 على جائزة نوبل للسلام، لقاء «خطته» لإعادة البناء الأوروبي، وكان بذلك «أول جندي» يحصل على تلك الجائزة. توفي عام 1959 في واشنطن.وعن سيرة حياة دويات ايزنهاور نفهم أنه من أسرة متواضعة وقد التحق بالأكاديمية العسكرية في ويست بوينت ما بين 1911 و1915.
وفي عام 1941 أصبح جنرالا. وقد بدأ نجمه بالصعود عندما قررت الولايات المتحدة الدخول في الحرب العالمية الثانية، إذ كان الجنرال جورج مارشال، قائد الأركان آنذاك، قد أوكل له مهمة التحضير للإنزال الأميركي في أوروبا. استقر أولا في لندن حيث أشرف على عمليات الإنزال الأولى في شمال إفريقيا وصقلية وإيطاليا.
وكانت تلك فرصة اللقاء «الميداني» الحقيقي مع الجنرال مارشال. وقد خلفه بعد ذلك كرئيس لأركان الجيش الأميركي. أصبح ايزنهاور قائدا لقوات الحلف الأطلسي عام 1951 ورئيسا للولايات المتحدة عام 1952 ثم للمرة الثانية عام 1956.
وقد عرفت رئاسته أحداثا هامة تركت طابعها على الحقبة وعلى المسار التاريخي العالمي بعدها، ومن أبرزها المفاوضات حول كوريا وإدانة الحملة الثلاثية الانجليزية ـ الفرنسية ـ الإسرائيلية على مصر والتدخل الأميركي في غواتيمالا والبحث عن «تفاهم» مع الاتحاد السوفييتي السابق. وكان ايزنهاور، على الصعيد الداخلي الأميركي، وراء تطبيق مبدأ عدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية والتأكيد على احترام عدم التمييز العنصري. توفي ايزنهاور عام 1969.
هذان المساران تقاطعا ك«شركاء في القيادة» في أصعب وأدق لحظات الحرب العالمية الثانية التي تطلّبت اتخاذ قرارات كبرى «مصيرية». كما كان للقائهما، كما يشرح المؤلف على صفحات كتابه، تأثيرا على تنفيذ «خطة مارشال» لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب حيث عرف الرجلان دائما كيف يجمعان «نقاط القوة ونقاط الضعف في رسم الخطط الإستراتيجية» على أرض المعارك ولكن أيضا في شتى المسائل التي واجهتهما أثناء مسيرتهما المشتركة.
ما يؤكد عليه المؤلف هو أن جورج مارشال ودوايت ايزنهاور، ورغم اختلاف وسطيهما الاجتماعيين، كانا «خبيرين إستراتيجيين بالفطرة». وقد ساهم ذلك في توطيد الروابط بينهما على خلفية الاحترام المتبادل، وإذا كان جورج مارشال هو الذي اختار دوايت ازينهاور، الضابط الشاب الذي يصغره بعشرة سنوات، كي يخطط للعمليات الحربية الأميركية في الحرب العالمية الثانية، فإنه - أي مارشال ـ قد تصرّف فيما بعد ك«طالب» لدى «ايزنهاور» فيما يخص بعض الخطط الحربية.
ومارشال هو الرجل الذي كان الرئيس الأميركي روزفلت قد قال له ذات يوم: «إنني لا أستطيع النوم ليلا يا جورج إذا كنت موجودا خارج واشنطن». وكان جورج مارشال يثمّن كثيرا لدى دوايت ايزنهاور قدرته الكبيرة على «التواصل» مع الآخرين.
ويؤكد مؤلف الكتاب أن مثل هذه الميزة لم تكن بعيدة أبدا عن اختياره له كقائد للقوات الأميركية في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية. إذ كان من المطلوب أولا التفاهم مع القيادة البريطانية العليا. وقد أظهر ايزنهاور منذ البداية كفاءات قيادية عالية عندما حقق انتصاره الأول في شمال إفريقيا.
ولم يتردد جورج مارشال في أن يقترح اسم «ايزنهاور» كقائد أعلى للعمليات العسكرية الأميركية في الحرب، على أنه أفضل المرشحين لمثل ذلك المنصب ورفض بنفس الوقت أن يقترح اسمه هو شخصيا.
هكذا كان ايزنهاور هو الذي خطط لعملية الإنزال الأميركي الكبرى على الشواطئ الفرنسية لبحر المانش في منطقة النورماندي انطلاقا من الشواطئ الانجليزية. ومما شكّل منعطفا في سياق الحرب وهزيمة الجيش الألماني النازي، ولكن ما شكّل أيضا أحد أهم العمليات العسكرية في التاريخ الإنساني كله.
وتتم الإشارة إلى أن ايزنهاور قد استفاد في التخطيط لها من عملية «الروبيكون» التي قام بها الاسكندر الأكبر عندما حشد قواته و«أظهر ذلك للخصم» في إحدى المناطق ليقوم بالهجوم مع القلّة الباقية في منطقة أخرى.
الأميركيون أيضا حشدوا قواتهم «الظاهرة» مقابل منطقة دنكرك الفرنسية بينما جرى الإنزال في منطقة النورماندي البعيدة. لقد حقق ايزنهاور انتصارا كبيرا وكان جورج مارشال هو أول من قام بتهنئته. لكن لم يغب عن نظر ايزنهاور أيضا أن «مارشال» هو الذي كان قد أرسى «حجر الزاوية» في كل الإنجازات التي تمّ تحقيقها.
ويولي مؤلف هذا الكتاب العديد من صفحاته للحديث عن صناعة القنبلة الذرية الأميركية وقرار استخدامها ضد اليابان. ويتم التأكيد أن جورج مارشال كان على علم بمشروع تصنيع السلاح النووي منذ أن أصبح عام 1941 عضوا في مجموعة صغيرة مكلفة ب«السهر» على سير المشروع الذي أصبح اعتبارا من عام 1942 يحمل اسم «مشروع مانهاتن» لإنتاج قنبلة ذرية والخاضع مباشرة لسلطة قيادة الجيش.
لكن مسؤولية جورج مارشال، من موقعه كقائد لأركان الجيش، ظلت غير مباشرة، بدرجة كبيرة، حتى فيما يخص قرار قصف اليابان، إذ «فوّض» رئيس مشروع مانهاتن بالقسم الأكبر من العمل، وترك للمدنيين سلطة اتخاذ قرارات القيام بأعمال عسكرية. «لا تطلبوا مني اتخاذ القرار»، كان يردد. لكن إذا كان موقفه من قصف اليابان بالسلاح الذري «ليس واضحا» في أي اتجاه فما يتم تأكيده هو أنه لم يكن على قناعة أن القصف كان سيؤدي إلى نهاية الحرب.
في المحصلة يركز المؤلف «شركاء في القيادة» في تحليلاته على إظهار ما قام به كل من ايزنهاور ومارشال خلال عملهما المشترك من أجل تحقيق «أكبر انتصار في تاريخ الأمة» الأميركية. ويمكن تحديد دورهما في أن مارشال هو الذي أدار مفهوم الحرب الشامل بينما كان ايزنهاور هو «القائد في مسرح العمليات» خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا بينما كانت مساهمة «مارشال» مركزية على المسرح «الياباني».
ويتضمن هذا الكتاب شروحات عديدة عن علاقة ايزنهاور بالجنرال الانجليزي مونتغمري وحيث كانا يشرفان معا على إعداد «الخطة الكبرى» اعتبارا من شهر يناير 1944 ليتم تنفيذها في مطلع يونيو من نفس السنة. ويمثل هذا العمل في أحد جوانبه درسا عن «القيادة» في زمن الحرب.
و«شركاء في القيادة» يقدم في نهاية المطاف صورة عن «تحالف» استثنائي بين شخصيتين عسكريتين من قيادات الحرب العالمية الثانية، لكن تعاونهما قد تجاوز كثيرا مسارح العمليات الحربية كي يرسم ملامح سياسة خارجية أميركية لعقود تالية.
*الكتاب:شركاء في القيادة - جورج مارشال ودوايت ايزنهاور في الحرب والسلام
*الناشر:بنغوان برس - نيويورك 2007
*الصفحات:49 صفحة من القطع المتوسط
Partners in command, George Marshal and Dwight
Eisenhower in war and peace
Mark Perry
Penguin -New York 2007
p. 496
