مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية المعروفة تيريز ديلبيش. وهي عضوة في مركز الدراسات والبحوث الدولية بفرنسا. كما أنها عضوة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن. وكانت قد نشرت سابقاً عدة كتب نذكر من بينها: التوحش، عودة البربرية في القرن الواحد والعشرين، ثم إيران، القنبلة واستقالة الأمم.
وفي هذا الكتاب الجديد تواصل المؤلفة تأملاتها حول المسألة الإيرانية وتقول بأن طهران أصبحت المزعج الكبير في المنطقة. ثم تردف المؤلفة قائلة: على عكس معظم الدول التي تحاول عرقلة مشاريعها فإن إيران تعرف ماذا تريد بالضبط. إنها تريد أن تصبح القوة العظمى في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين. ثم تضيف الباحثة قائلة:إن نظام طهران الناتج عن النواة الأكثر محافظة وتطرفا في الطبقة السياسية الإيرانية يتمنى حصول انقلاب ضخم في المنطقة: أي انقلاب يؤدي إلى تجاوز الخصومة التاريخية بين العرب والفرس أو بين السنة والشيعة. ولكي توسع طهران من مجال نفوذها فإنها تولي أهمية كبرى لسلاحها الذري أو للحصول عليه لكي يقدم لها ضمانة القوة العسكرية للردع. ولكن إيران تستخدم أيضا الأساليب الكلاسيكية لكي تمدّ نفوذها حتى يشمل كل نقاط النزاع والأزمات الساخنة في المنطقة: من العراق، إلى لبنان، إلى فلسطين، إلى آسيا الوسطى، فالقوقاز.
وبالتالي فإيران تريد بالفعل أن تصبح الدولة العظمى في المنطقة. وفي مواجهتها نلاحظ أن رد الغرب ليس على المستوى المطلوب. فالأوروبيون جبناء أمام إيران ، والدليل على ذلك ما قاله نائب وزير خارجية إيران في ربيع 2006 بمؤتمر عقد في مدينة فرانكفورت الألمانية: مادام المسلمون ليس لهم كلمة في شؤون العالم، ما دام نفوذهم الدولي معدوما، فإنه لن يحصل إطلاقا أي سلام في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من وجود المسؤولين الأوروبيين في القاعة إلا أنهم لم يحركوا ساكنا. فقط اكتفوا بالاندهاش والذهول. فهذا المسؤول الإيراني يهدد الغرب صراحة بتخريب كل سياسته الهادفة إلى التقريب بين العرب واليهود أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل حل مشكلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ولكن إيران تعرقل كل ذلك.
ثم تقول الباحثة ما معناه: لقد عودنا الخميني ومن جاء بعده على أن يتحدثوا باسم الإسلام ككل لكي يرهبونا نحن الغربيين. ولكن ماذا يريدون بالضبط؟ هل يريدون مقعدا دائما للعالم الإسلامي في مجلس الأمن؟ من المعلوم أن هذا المقعد يعطي للدول وليس للطوائف الدينية. فلا يوجد مقعد دائم للعالم المسيحي أو البوذي أو الكونفوشيوسي، وإنما يوجد مقعد للصين، وأميركا، وفرنسا، وانجلترا، وروسيا.
ماذا يريد الإيرانيون إذن؟ إنهم ليسوا قوة عظمى حتى نعطيهم مقعدا في مجلس الأمن. ولا يمكن القول بأنهم يمثلون كل المسلمين على عكس ما يزعمون، إنهم لا يمثلون إلا أنفسهم. وهم حتما دولة كبيرة في المنطقة، ولكن هناك دول كبيرة أيضا كتركيا ومصر.
ثم تردف الباحثة قائلة: إن مطامح إيران أكبر منها ومن إمكانياتها. فهي قد تصبح دولة عظمى على مستوى المنطقة ولكن ليس على مستوى العالم بأسره. هذا شيء أكبر من إمكانيات بلد متوسط الأهمية كإيران. الهند يمكن أن تطمح إلى مرتبة الدولة العظمى وتستحق مقعدا في مجلس الأمم، ولكن ليس إيران.
ومع ذلك فالإيرانيون يستخدمون أسلوب التهديد والوعد والوعيد. وأحيانا ينجحون في ذلك ويذلون الغرب. فمثلا خلال عشرين سنة طالبت إيران أميركا بأن تعترف بأخطائها تجاهها، وهذا ما حصل بالفعل عام 2000 عندما ألقت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت خطابا هاما في أحد فنادق واشنطن الكبرى. وقد اعترفت فيه بمسؤولية أميركا اللا أخلاقية عن انقلاب 1953 ضد محمد مصدق وبالسياسة الخاطئة التي تلته والتي تمثلت في دعم نظام الشاه على طول الخط على الرغم من أنه كان قمعيا مستبدا إلى أبعد الحدود.
كما واعترفت بالخطأ الذي ارتكبته أميركا عندما دعمت نظام صدام حسين ضد إيران أثناء الحرب الرهيبة التي استمرت ثماني سنوات (1980 ـ 1988) والتي سقط فيها ملايين القتلى. باختصار فقد اعترفت السيدة أولبرايت بكل ما هو مطلوب منها وأعلنت الندم والتوبة، وقدمت الاعتذار غير المباشر لإيران.
فماذا كانت النتيجة؟ هل صفحت عنها طهران يا ترى؟ أبدا لا. لقد شمتت بها وطالبت بالمزيد من أجل إذلالها أكثر. فبعد ذلك بوقت قصير ألقى مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي خطابا في مدينة مشهد أمام جمهور ضخم قال فيه: لقد لزم على أميركا مدة أربعين سنة لكي تعترف بجرائمها. وهذا يعني أنها كذبت على مدار أربعين سنة دون أن يرف لها جفن. وبالتالي فلا معنى لاعتذارها.
عندئذ عرفت إدارة كلينتون أنه لا خير يرجى من إيران فقررت التراجع عن سياسة الانفتاح عليها وأوقفت كل محاولات المصالحة معها. ولكن الأوروبيين ساروا على خطى كلينتون فيما بعد. وبذلوا كل الجهود لنيل رضا طهران. وحاولوا بكل الطرق الدبلوماسية حل المشكلة النووية. ولكن عبثا، فطهران تعتقد أن الغرب ضعيف ولن يتجرأ على مهاجمتها عسكريا.
ولذلك فهي ماضية قدما في سياستها التصعيدية. ولكنها قد تكون مخطئة. صحيح أن تقوية الأسطول العسكري الأميركي ـ الانجليزي هدفها طمأنة حلفاء أميركا في المنطقة والقول لهم بأن إيران لن تتجرأ على إغلاق مضيق هرمز حيث يمر البترول. ولكن أميركا قادرة على مهاجمة إيران في أي لحظة تختارها.
ثم تخصص المؤلفة الفصل الأول من كتابها لدراسة الموضوع التالي: مشروع محمود أحمدي نجاد للشرق الأوسط الكبير. وفيه تقول ما يلي: الجميع يتحدثون عن مشروع بوش للشرق الأوسط الجديد. والجميع ينتقدونه ويسخرون منه ويرون فيه الشر الأعظم. ولكن لا أحد يتحدث عن المشروع الوحيد المضاد له في المنطقة: وأقصد به مشروع محمود أحمدي نجاد للسيطرة على الشرق الأوسط. فهذا المشروع الذي يجمع بين النزعة القومية الفارسية والنزعة التبشيرية الشيعية يحقق بعض النجاحات هنا أو هناك، وبخاصة في العراق ولبنان وفلسطين.
فحزب الله ما كان ليتجرأ على مواجهة إسرائيل في شهر يوليو الماضي لولا الدعم الإيراني اللا محدود. وطهران تحاول عن طريقه إذلال إسرائيل والغرب كله، بل ومنع أميركا من التفكير في غزو إيران. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن تصور محمود أحمدي نجاد للدين مرفوض ليس فقط من قبل العالم العربي وإنما أيضا من قبل العالم الشيعي الإيراني نفسه. وذلك لأنه تصور متعصب ومتخلف ومتطرف. والشبيبة الإيرانية تكرهه بل وعبرت أكثر من مرة عن رفضها لتطرف هذا الرئيس المهووس بالعظمة والأمجاد.
وينبغي العلم أيضا بأن الشبيبة الإيرانية ميّالة إلى الغرب في معظمها، بل وتعشق الحياة الغربية والحريات الأوروبية الأميركية ولا تريد إطلاقا استمرارية هذا النظام المتزمت والكاره للحداثة. ولهذا السبب فينبغي على الغرب أن يعرف كيف يفرق بين النظام وبين الشعب، بل وحتى داخل النظام هناك عدة أجنحة. فالجناح الإصلاحي المعتدل بقيادة خاتمي أو رفسنجاني غير الجناح المتطرف بقيادة نجاد.وفي الختام نقول ما يلي:
لا يمكن فهم الدوافع الأساسية للسياسة الإيرانية الحامية إذا لم نأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التالية: وهي أن قادة إيران بمتطرفيهم ومعتدليهم لا يثقون بالنظام الدولي القائم بل يعتبرونه متميزا جائرا. ودليلهم على ذلك أنه لم يدن صدام حسين عندما هاجمهم عام 1980. بل ولم يعترف بأنه هو المعتدي عليهم وليس العكس. يضاف إلى ذلك إن النظام الدولي بقيادة أميركا والغرب كله لم يحرك ساكنا عندما استخدم صدام الأسلحة الكيماوية لوقف تقدم الجيش الإيراني. وعندئذ قتل منه ما لا يقل عن خمسين ألف شخص. وبالتالي إذا عرف السبب بطل العجب... لهذا السبب تعاند إيران المجتمع الدولي حاليا حتى أصبحت المزعج الكبير له.
*الكتاب:المزعج الكبير - تأملات حول المسألة الإيرانية
*الناشر: غراسيه ـ باريس 2007
*الصفحات: 216 صفحة من القطع المتوسط
Le grand perturbateur
réflexions sur la question iranienne
Thérse Delpech
Grasset- Paris
P.216

