اشتهر الروائي الأميركي كورماك مكارثي بميله الشديد إلى العزلة ورفضه مد جسور الحوار مع أجهزة الإعلام على اختلافها، إلى حد أنه لم يقبل طوال الربع قرن الماضي بإجراء أي حوار معه إلا مرة واحدة، هي التي أجرت فيها مجلة «فرايتي» الشهيرة حواراً مطولاً معه حول أعماله الروائية وعالمه الإبداعي. ويشير الكثيرون إلى أن رفضه إجراء حوارات معه أو الحديث عن أعماله بأي شكل وصل إلى حد أنه قبل سنوات عدة، وعندما لم يكن لديه مال يذكر، رفض الاتفاق على عرض قدم له للحديث عن أعماله بصورة موجزة لقاء الحصول على ألفي دولار.

وفي استثناء نادر من القاعدة، أجرت المذيعة التلفزيونية الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري حواراً مع مكارثي قام فيه بما يكرهه تقليدياً ويرفضه تماماً، وهو الحديث عن أعماله الروائية، بعد أن اختارت روايته العاشرة «الطريق» لإطلاقها في إطار ناديها للكتاب. وقد كانت هذه المقابلة التي بثت في إطار برنامج «استعراض أوبرا وينفري» وبثت مقاطع مطولة منها على موقعها على الانترنت مفاجأة للكثيرين.

فالروائي الأميركي الكبير الذي يوصف بأنه أعظم روائي أميركي لا يزال على قيد الحياة، في ضوء مجمل انجازه، وبصفة خاصة ثلاثيته الشهيرة «الحدود» التي حولت الرواية الأولى منها، وهي «كل الجياد الجميلة» إلى فيلم ذائع الصيت و«الناطور» فضلاً عن مسرحيته الشهيرة «سيد البنائين»، تمسك على الدوام بموقف محدد، وهو أن الروائي بدلاً من أن يتحدث عن عمله الروائي عليه أن يعكف على إنجازه.

وكان هذا الطرح، على وجه الدقة، هو ما شدد عليه الروائي البالغ من العمر 73 عاماً والفائز بجائزة بوليتزر وجائزة الكتاب الوطنية، في مستهل المقابلة التي أجرتها معه أوبرا ونيفري حيث بادر إلى القول: «ربما لا ينبغي على المرء الحديث عن عمله، وإنما ربما ينبغي عليه العكوف على إنجازه».

وحرص مكارثي على ايضاح أنه ليس لديه اعتراض على أجهزة الإعلام ولا الصحافة، ولكن امتناعه على مدار ربع قرن عن مد جسور الحوار مع هذه الأجهزة يرجع إلى اعتقاده بأنه لا ينبغي عليه الحديث عما يقوم به، وأورد في هذا الصدد رفضه الارتباط أو التعاقد على فعالية تتضمن حديثه عن أعماله مقابل الحصول على مبلغ ألفي دولار في وقت لم يكن لديه مال يذكر.

وقال كورماك مكارثي في الحوار الذي أجرته أوبرا وينفري معه في معهد سانتافي في نيو مكسيكو، حيث يعمل أستاذاً زائراً موجهاً حديثه إلى المذيعة الشهيرة: «إنك تعملين على جانبك من الطريق، وأنا أعمل على جانبي». ويجيء هذا الحوار عقب اختيار رواية مكارثي العاشرة «الطريق» الصادرة عن دار الفريد نوف النيويوركية لإطلاقها في إطار نادي كتاب أوبرا وينفري الذي يقفز بتوزيع الكتب التي يطلقها إلى ملايين النسخ.

وتطرق مكارثي خلال الحوار إلى الأجواء التي ألهمته روايته «الطريق»، التي تدور حول رحلة يقوم بها أب وابنه الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره، وهما يتجهان جنوباً بحثاً عن الدفء، في عالم كابوسي يوحي بأجواء ما بعد كارثة عالمية شاملة، حيث لم يعد هناك وجود للمدن ولا للطبيعة، والقلائل الباقون من البشر يهيمون على وجوههم بحثاً عما يقيمون به أودهم بينما تنطلق عصابات من أكلة لحوم البشر تبحث عن مزقة من لحم تدسها بين أسنانها.

وقال الروائي الأميركي، الذي يجري تقليدياً تشبيهه بإرنست هيمنغواي، إنه بينما لا يعرف تقليديا ما الذي يولد الأفكار الخاصة بكتبه، إلا أن بمقدوره أن يرد رواية «الطريق» إلى رحلة قام بها مع ابنه الصغير إلى الباسو في ولاية تكساس منذ حوالي أربع سنوات. وأضاف انه هناك، وفيما وقف قبالة نافذة فندق في منتصف الليل، وابنه راقد غير بعيد، شرع في تخيل ما الذي يمكن أن تبدو عليه مدينة الباسو بعد خمسين أو مئة عام في المستقبل.

ويتابع مكارثي: «تراءت لي هذه الصورة لتلك الحرائق التي تشتعل عالياً فوق التل في نهاية الأفق.. وفكرت كثيرا في ابني الصغير». هكدا بادر إلى تدوين خواطره على الورق، ولم يفكر في الأمر برمته بصورة حقيقية إلى أن سافر إلى ايرلندا بعد ذلك بسنوات قلائل، وعندئذ تكاملت في ذهنه ملامح الرواية على نحو ما أراد أن يكتبها. وهو يقول في هذا الصدد: «هكذا تكامل كتاب في ذهني. وكان يدور حول ذلك الرجل وذلك الصبي الصغير».

وبالفعل فإن رواية «الطريق» التي فازت بجائزة بوليتزر لهذا العام تدور حول أب وابنه الصغير، اللذين يهيمان وسط طبيعة وحشية في مرحلة ما بعد كارثة نووية، حيث يطبق الظلام والبرد على كل شيء، وتمطر السماء رماداً وحشياً، ولا يبدو في الأفق الذي يشبه نهاية نفق مسدود بريق خافت من أمل. والرواية مهداة إلى جون فرانسيس، نجل كورماك مكارثي، الذي يقر بأنه ما كان يكتبها لو لم يكن له ابن.

وقد كان إنجاب مكارثي لهذا الابن وهو في عمر متقدم تأثيره الكبير على الروائي الأميركي. وهو يصف هذا التأثير خلال المقابلة بصورة لا يمكن إلا أن يتوقف المرء أمامها طويلاً، حيث يقول: «إنه ينتزعك من قيلولتك، ويجعلك تنظر إلى الأشياء بمنظور جديد، ويفرض العالم عليك فرضاً، وأنا اعتقد أنه شيء جيد في نهاية المطاف».

وتطرق اللقاء إلى جوانب عدة من حياة مكارثي، وبصفة خاصة الصعوبات الجمة التي صادفها في مستهل حياته، ففي وقت من الأوقات كان فقيراً للغاية بحيث أنه تعرض للطرد من النزل الذي كان يقيم فيه لأنه لم يستطع دفع الأجرة الشهرية التي تبلغ أربعين دولاراً.

ويعود كورماك مكارثي بذاكرته إلى الوراء سنوات عدة، إلي المرحلة التي كان يقيم فيها في كوخ متواضع في ريف ولاية تنسى، ولم يكن لديه من المال ما يكفي لمجرد شراء أنبوبة معجون أسنان، وكم كانت فرحته عندما فتح صندوق بريده ذات يوم ليجد فيها أنبوبة معجون أسنان أرسلت له كعينة مجانية في إطار حملة شاملة للترويج لمعجون أسنان جديد. وهو يقول في معرض التعقيب على هذه الواقعة، وكأنما في إطار اختصار بليغ لفلسفته في الحياة: «عندما تصل الأشياء إلى ذروة اليأس، يحدث شيء جديد».

ويشير مكارثي في إطار التفاتة إلى جزء آخر من فلسفته في الحياة إلى أنه لا يكترث كثيراً للنجاح، طالما أنه يبذل قصارى جهده في العمل الذي يحبه ويحرص على انجازه على أفضل وجه ممكن، ولا يعنيه كثيراً أن الملايين من الناس يقرأون رواياته الآن مقارنة بألوف محدودة من القراء في الماضي. وتعقب أوبرا وينفري على ما يقوله كورماك مكارثي في هذا الصدد في نهاية الحوار قائلة: «دعني أقل لك إن روائي من نوع مختلف». ومن المحقق أن الملايين من عشاق الرواية في أرفع تقاليدها على امتداد العالم يشاركونها اعتقادها هذا.

محطات في مسيرة مكارثي

*ولد الروائي الأميركي كورماك مكارثي في رود أيلاند، ودرس في جامعة تنيسي في أوائل الخمسينيات، والتحق بصفوف سلاح الجو الأميركي حيث خدم على امتداد أربع سنوات، وأمضى سنتين منها في قواعد جوية في ألاسكا، ثم عاد للدراسة بالجامعة، حيث نشر أعمالاً قصيرة في المجلات الطلابية الجامعية وفاز بجائزة انجرام ميريل للكتابة الابداعية عام 1959 وعام 1960.

ثم مضى إلى شيكاغو حيث عمل ميكانيكي سيارات وعكف في الوقت نفسه علي انجاز رواية «الناطور» التي نشرت في عام 1965. وفاز في تلك المرحلة بزمالة للارتحال من الاكاديمية الأميركية للفنون والآداب ومنحة ومؤسسة روكفلر، لتتوالى رواياته، ومنها «الظلمة الخارجية» في 1968 و«ابن الرب» في 1973 و«سوتري» في 1979.

* تألق اسم مكارثي في سماء الشهرة مع توالي روايات ثلاثيته «الحدود» في التسعينيات، حيث نال عنها جائزة الكتاب الوطنية وجائزة نقاد الكتاب الوطنية. وأعاد صياغة مسرحيته «سيد البنائين» التي كان قد أصدرها في السبعينيات لتصدرها دار إيكو في صيغتها الجديدة عام 1994. وفي عام 2005 أصدر روايته «لا وطن للكهول». وفي 2006 أصدر رواية «الغروب» في قالب درامي حيث قدمت على مسرح شتيبنوولف في شيكاغو. وصدرت له مؤخراً روايته «الطريق» التي حظيت بحماس كبير من النقاد والقراء على السواء.

منى مدكور