مؤلف هذا الكتاب، هو الكاتب والناقد السوري « نذير جعفر»، عمل في الكويت لأكثر من عشر سنوات (1993 ـ 2004) مدرسا للغة العربية، ومديراً لتحرير مجلة «البيان» الكويتية، ومحررا ثقافياً في جريدة السياسة، وله العديد من الأبحاث والكتب منها: رواية القارئ (1999)، وجماليات السرد وبلاغة المعنى (2004). ويضم كتاب «ملامح من المشهد القصصي والروائي في الكويت»، مقدمة عن تاريخ الأدب في الكويت، ومجموعة من الدراسات النقدية لأعمال تسعة من القصاصين والروائيين الكويتيين.

ولا يدعي المؤلف أنه يقدم تاريخاً أو توثيقاً أو تفصيلاً شاملاً للمشهد القصصي والروائي في الكويت، إنما يحاول أن يضيء بعض التجارب الجديدة التي اكتسبت حضورها وتميزها، راصداً من خلالها التجليات الفنية للخطاب السردي والهواجس والهموم التي تشغل الكاتب الكويتي في هذه المرحلة. ويؤرخ النقاد لولادة الفن القصصي في الكويت، بصدور قصة « منيرة» لخالد الفرج التي نشرت عام (1930). ثم تبلور هذا الفن على يد شيخ القصاصين الكويتيين فهد الدويري (1920 ـ 1999).

حيث تعتبر قصته «من الواقع» التي نشرتها مجلة كاظمة في العام (1948) أول قصة فنية كويتية. وينتمي الدويري إلى جيل الرواد المؤسس، الذي عايش نمط علاقات مجتمع الغوص والعلاقات البحرية التقليدية، ثم شهد تفككها، وما رافق ذلك من تحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت المجتمع النفطي الجديد.

ومع تشكل الدولة ومؤسساتها منذ الستينات. وانتشار التعليم والصحف وازدياد الاحتكاك مع الثقافة العربية والأجنبية، بدأت تتبلور تيارات متعددة على مستوى الشعر والقصة والمسرح والرواية وبرزت أسماء عدة منها: إسماعيل فهد إسماعيل الذي يعتبر المؤسس الفعلي لفن الرواية وليلى العثمان، وعبدالعزيز السريع، وسليمان الشكلي، وسليمان الخليفي، وفاطمة يوسف العلي.

وقد ترسخ مع الجيل الثاني أصول الفن القصصي والروائي ومهد الطريق أمام الجيل الثالث الذي بدأت تجاربه منذ التسعينات ومازال مستمراً حتى الآن ومن أبرز كتابه: طالب الرفاعي، ووليد رجيب. ومنذ مطلع الألفية الثالثة بدأ المشهد القصصي والروائي يشهد طفرة نوعية في الكتابة النسوية توجتها أسماء عدة منها: مي محمد الشدّاد. وإستبرق أحمد، ولطيفة بطي. وباسمة العنزي، وميس خالد العثمان.

ومنذ البداية يؤسس المؤلف رؤيته النقدية على رفضه مبدأ عزل النص عن مبدعه، ثم عزله عن السياق الاجتماعي التاريخي الذي أنتج فيه، كما تحاول الاتجاهات الحديثة من بنيوية وتفكيكية وألسنية على ترسيخه في الحقل النقدي الأدبي. ويرى أن الخطوة الأولى هي تصنيف الموضوعات ورصد الملامح والمناخات العامة لأجواء العمل القصصي والروائي.

والخطوة الثانية والأهم في أي دراسة نقدية هي إبراز السمات والخصائص الفنية التي تميز أسلوب الكاتب عن سواه، وتعطي لتلك المضامين مشروعية انتمائها إلى الفن الأدبي (القصصي أو الروائي). دون أن يغيب عن الذهن أن المحتوى والشكل يتفاعلان في بوتقة واحدة ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر إلا بالقدر الذي تقتضيه الدراسة أو التحليل.

وانطلاقا من هذه الرؤية النقدية الكلاسيكية يتناول المؤلف النصوص الأدبية. وتأتي «ليلى العثمان» في المقدمة. وهي الأكثر حضوراً والأغزر إنتاجاً بين جيلها، ويرى المؤلف أن قصصها ورواياتها وثيقة الصلة بشخصيتها، وبيئتها، وزمنها، حيث تتجلى العلاقة بين النص ومبدعه في أغنى صورها، وذلك من خلال تعبيرها عن واقع المرأة المأساوي وما تعيشه من استلاب روحي وجسدي بأشكاله كافة، كما هو في مجموعتها «فتحية تختار موتها» (7891). وأيضاً تحررها من عقدة الذكورة التي تلبست عددا من الكاتبات. حيث لا تنظر إلى الرجل النظرة العدائية كمستبد ومتسلط فقط، إنما إلى الرجل الحلم أيضاً الذي يعمل مع المرأة لبناء حياة سعيدة.

وكذلك في روايتها «صمت الفراشات» (7002) التي تطرح فيها موضوعاً في منتهى الأهمية وهو الزواج غير المتكافئ بين فتاة شابة ورجل عجوز، مثيرة أسئلة هامة حول إمكانية المرأة وقدرتها على التحرر، وامتلاكها حرية عقلها وجسدها ومواجهة الأسرة والمجتمع بتقاليده القديمة ومذهبياته وعشائره... الخ.

وتعتبر «فاطمة يوسف علي» أول كاتبة كويتية لها سبق الريادة في مضمار الرواية النسوية، بصدور روايتها الأولى «وجوه في الزحام» عام (1971) والتي تناولت فيها ثلاث قضايا هامة: وحدة المصير القومي، والنزوع التنويري المتمثل بالدعوة إلى تحرر المرأة في الجوهر، لا في المظهر، ولقاء الشرق والغرب. وهذه المواضيع الساخنة أكسبت الرواية على مستوى المضمون طابعها الريادي والتبشيري في سياق مرحلتها الزمنية وكذلك على مستوى البناء الفني.

ويختار المؤلف من مؤلفات «منى الشافعي» مجموعة قصصية «البدء.. مرتين» (4991). متلمساً المناخات، المحاور الأساسية التي تشغل الكاتبة وتكشف عن هاجسها الفني والمعرفي وموقفها من الذات، الأنثى والآخر، الرجل وهي: نزعة الحنين إلى الماضي (النوستولوجيا)، إلى الحب الأول، البيت العتيق. والصراع بين الوحدة والفقدان. وإشكالية الانتماء. والخيانة الزوجية.

أما باسمة العنزي التي تنتمي للجيل الثالث الذي بدأ يبرز في منتصف التسعينات متأثراً بما خلفه غزو العراق للكويت من دمار على المستوى النفسي والبيئي والاجتماعي. ومجموعتها «الأشياء» هي محاولة للتجريب، وهي نتاج قراءات متقطعة وتصورات منقوصة عن العالم.

ويعد طالب الرفاعي أحد أبرز كتاب الجيل الثالث في القصة القصيرة. وفي مجموعته «أبوعجاج طال عمرك»، تشكل موضوعات الاغتراب والعمالة الوافدة، وانهيار القيم والأحلام، الهواجس الرئيسية التي ينشغل بها الكاتب، وبؤرة العمل القصصي لديه وغايته.

وكذلك في مجموعتيه «مرآة الغبش» و«أغمض روحي عليك» يطرح مجموعة من الإشكاليات الهامة. وفي روايته «سمر كلمات» يبلغ الرفاعي ذروة تجربته ومغامرته الفنية عبر دخوله أفق الرواية متعددة الأصوات التي تذكرنا بعوالم لورنس داريل في «رباعية الإسكندرية».

وتأتي رواية «زمن البوح» للروائي (حمد الحمد) لتعبر عن الزمن الراهن، وعن أبرز التيارات والصراعات الفكرية الخفية والمعلنة التي تعتمل في عمق المجتمع الكويتي المعاصر. ومن هذا الجانب يمكن اعتبارها رواية أطروحة سياسية تقوم على سلوك نموذجين من الشباب الجديد ينتمي أحدهما إلى التيار السلفي (الأصولي، وينتمي الآخر للتيار العلماني) الديمقراطي، وهي محاولة جديدة لكنها مازالت تقتفي آثار الرواية الكلاسيكية.

أما د.خالد أحمد الصالح، فهو صوت جديد ينضم إلى عالم القصة القصيرة. ويكشف في مجموعته الأول «انتحار عبدالجبار البابلي» عن موهبة أصيلة وعفوية وصادقة إلا أن هذه الموهبة مازالت في أول تفتحها.

والثيمة الأساسية التي تطبع تجربة علي المسعودي وعوالم شخصيته بطابع خاص، على مستوى المضامين والرؤى التي تحدد مساراتها، عبر مجموعاته القصصية الثلاث «مملكة الشمس» و«ر... جوع» و«تقاطيع»، هي رحلة البحث عن الوطن المتسربلة دائماً بوشاح من اليأس والإحباط، حيث تتمحور الذات على نفسها لتصبح صورة عن الاغتراب الذي تعيشه في محيط يقصيها ويقف حاجزاً أمام تكيفها في ظل شروطه ودوائر علاقاته السائدة.

وتنتمي قصة «ترنيمة أخيرة لشتاء 92» إلى أدب الحرب. وقد استطاع ناصر الظفيري أن يجسد من خلالها ثنائيات: الحلم والواقع، الحرب والسلم، الحب والعزلة بمهارة عالية ولغة مؤثرة. ويرصد بنقده كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، ثم يستنتج أهمية العمل وقيمته الفنية والإبداعية. وهذا الأسلوب النقدي مفيد للمبدع والقارئ، وخاصة أنه يقوم على التحرر من أحكام القيمة المسبقة مهما كان مصدرها.

مروان عبدالرزاق

*الكتاب:ملامح من المشهد القصصي والروائي في الكويت

*الناشر:نون (4) للنشر ـ حلب 2007

*الصفحات:127 صفحة من القطع الكبير