مؤلفا هذا الكتاب هما المصريان حسن حمدي (صحافي وكاتب سياسي)، وفريد الفالوجي، وقد وضع هذا الأخير عدة كتب منها (ماذا حدث في بغداد ـ التاريخ السري للصحاف ـ موسوعة أشهر المنتحرين ـ جواسيس الموساد العرب ـ أمينة المغني ـ العملية «007» انشراح موسى ـ أحمد الحلاق أول جاسوس يعدم في لبنان ـ حراس الهيكل بأجزائه الثلاثة ـ قصتي مع الموساد ـ البكاء الصامت ـ رصاصة الرحمة ـ جاسوسات عاشقات) وغيرها.
استعرض المؤلفان في كتابهما حياة البطل الثوري أرنستو غيفارا دي لاسيرنا من خلال لقطات ومحطات في حياته، وعرض ما أثاره من إعجاب وانتقاد وجدل وتباين شديد بين أراء المؤيدين لنهجه والمعارضين له، و تطرقا إلى طفولة تشي غيفارا الذي ولد في 14 يونيو 1928 في روساريو (الأرجنتين) من عائلة تنحدر من سلالة كبراء الأرجنتين ونبلائها حيث ولد تشي قبل موعد ميلاده المفترض بشهر وجاء لهذه الدنيا ضعيفاً وهزيلاً - وكان هو الابن البكر المفضل لدى أبويه - وكان مصاباً بالربو طوال حياته.
إن اعتلال صحة تشي غيفارا الطفل الذي لم يلائمه جو العاصمة الأرجنتينية ذي الرطوبة العالية، دفع بوالده للانتقال إلى مدينة ألتا غراثيا الواقعة على جوانب أحد التلال في إقليم قرطبة. واستعرض الكتاب طفولة تشي الذي اهتم به والده كثيراً بسبب مرضه وذلك بتقوية بنيته عن طريق نظام رياضي وغذائي اشتمل على تعليمه السباحة والرماية والمشي والرجبي وكرة القدم.
وتطرق الكتاب إلى لقاء تشي غيفارا مع الواقع المر والمؤلم الذي يعيشه من هم في أدنى درجات السلم الاجتماعي أو من ينتمون إلى الطبقات الدنيا في المجتمع الأرجنتيني وذلك عندما عمل في بعض الأشياء الصغيرة التي لم يكن الهدف منها جني المال فهو من أسرة ميسورة الحال، بقدر ما كان للتعود على متاعب الحياة وكوسيلة لتصلب عوده وطريقة للتغلب على الضعف الذي يسببه له مرضه المزمن.
ويرى المؤلفان أن والد تشي قد لعب دوراً بالغ الخطورة في تكوين شخصية أرنستو تشي غيفارا أحد أعظم الثوار في القرن العشرين، ولم يقتصر دور الأب على بث هذه الروح المتمردة وغرس بذور العزيمة الصلبة، بل امتد دوره إلى تثقيف ابنه وتعليمه وذلك من خلال المكتبة الكبيرة التي كان يمتلكها في بيته وتحتوي على 3000 كتاب في شتى المجالات.
وكان آل غيفارا من المسيحيين الكاثوليك بالاسم فقط حيث كان والد تشي «يرى أن رجال الكنيسة ما هم إلا فئة من المستغلين وأن المسيح هو أعظم رجل عرفته البشرية، ولكن الكنيسة قد أفسدت تعاليمه، وهي أبرز مشروع تجاري تم اختراعه من قبل اليهود وقام الايطاليون بإدارته»، وهذه الأفكار المعادية لرجال الدين تسربت إلى شخصية الابن ارنستو.
وينقلنا الكتاب إلى المرحلة الدراسية لتشي الذي التحق بالمدرسة وهو يبلغ السابعة من عمره ـ بسبب هزاله واعتلال صحته ـ إلا أن التثقيف الأساسي الذي أعطته له والدته ثيليا في المنزل كان كافياً لدفعه إلى التفوق على جميع أقرانه في المدرسة، وقد علمته والدته اللغة الفرنسية التي كان يحبها وكان يحب قراءتها والكتابة بها وبعد إتمامه التعليم الثانوي بسرعة ومع مرتبة شرف التحق أرنستو بكلية الطب بجامعة بيونس أيرس في عام 1947.
وكان ما دفعه وحببه في دراسة الطب هو انبهاره الموضوعي بالربو وتصميمه على العثور على علاج ناجح له ولآثاره الجانبية وكذا بسبب موت جدته التي كان مرتبطاً بها ارتباطاً وثيقاً بسبب السرطان، وبهذه الخطوة قضى تشي على كل أمل لأبيه أن يلتحق بكلية الهندسة المعمارية ليساعده في مهنة الإنشاءات.
وسلط المؤلف الضوء على مرحلة مهمة من حياة الشاب تشي غيفارا وهو انفصال الأب عن الأم التي فضل العيش معها، ومن هنا تعرف عن طريقها على عدد من المفكرين الماركسيين والاشتراكيين الأرجنتينيين محافظاً على خطه الوطني الذي كان ناشطاً فيه من خلال عضويته في الحركة الوطنية، وقد قاده ذلك بدوره للاشتراك بعدد من مسيرات الشوارع المناهضة لخوان بيرون والدخول في مصادمات مع رجال الشرطة.
وتطرق الكاتب إلى هواية السفر التي كان يمارسها تشي وذلك عندما يتمكن من اقتناص شيء من الوقت وسط جدول أعمال المزدحم بالدراسة والعمل والنشاط السياسي حيث قام برحلة مع رفيقه زار فيها أميركا الجنوبية التي كانت بداية التحول في شخصيته وقناعاته بعد أن فتحت عينيه على الواقع المر والمؤلم الذي كانت القارة تعيش فيه، ورسخت في قناعاته أنه لا سبيل للخروج من هذا النفق المظلم الذي تعيشه القارة سوى الثورة المسلحة.
ومما قاله تشي غيفارا ضد الظلم والاستبداد والنظم المسؤولة عن مآسي الشعوب «لا يمكنني أن أحدد إلى متى سيستمر هذا النظام الطبقي الجائر المبني على نظام أشبه بنظام المنبوذين، لكن أظن أن الأوان قد حان لتتوقف الحكومات قليلاً عن الطنطنة حول فضائلها المزعومة، وتقوم بتخصيص قدر أكبر بكثير من الأموال لدعم المشروعات الاجتماعية المفيدة».
وانتقل المؤلف إلى فترة ما بعد تخرج تشي غيفارا وخطوته الأولى على طريق الثورة، فبعد أن تخرج من كلية الطب عام 1953 حاصلاً على درجة البكالوريوس بجدارة وامتياز، وفي ظل هذا التفوق المبهر أراد والدا أرنستو أن يستقر بالعمل كطبيب متخصص في أمراض الحساسية، إلا أن أرنستو قرر الرحيل متوجهاً إلى بوليفيا برفقة طالب في الطب لتكون الوجهة النهائية له هي فنزويلا حيث كان ينوي الانضمام إلى رفيقه ألبرتو جرانا دو في العمل بمستعمرة المجذومين الفنزويلية التي قد سبق أن زارها من قبل وعالج فيها المرضى.
وفي سياق آخر انتقل الباحث إلى بداية المسيرة الكفاحية لتشي غيفارا التي بدأت مع حكم خاكوبو أربنث في غواتيمالا من عام (1951 - 4591) الذي كانت حكومته تمثل بالنسبة لتشي النموذج الثوري الأول الذي تشهده القارة الجنوبية، ومن هنا اتجه تشي إلى غواتيمالا ليكون له دور في تغيير الأوضاع الظالمة في القارة المظلومة.
أين تعرف على المرأة التي سيخفق قلبه لها والتي ستصبح زوجته الأولى، إنها «هيلدا جاديا أكوستا» بيرونية المولد وعضو في حزب أبريستا 17 المحظور في بيرو، وكانت هي البوابة التي دخل منها تشي غيفارا إلى عالم الثورة والثوار وكانت أولى خطواته تعرفه على أعضاء حركة 26 يوليو الكوبية اللاجئة إلى غواتيمالا، حيث بدأت بقيام مجموعة من المتمردين الثوريين في عام 1953 بالهجوم على ثكنات الجيش الكوبي في مونكادا تحت قيادة المحامي الشاب الثائر «فيديل كاسترو» رفيق كفاح تشي وتوأم روحه.
وبعد لقائه مع فيديل كاسترو لأول مرة، أدلى تشي يمين القسم للولاء لحركة 26 يوليو وقبل في سعادة تولي وظيفة الطبيب الوحيد للحركة وهكذا تعززت روابط الصداقة بين الرجلين. وفي السياق نفسه. تطرق المؤلفان للمغامرة الكبرى في حياة تشي غيفارا حيث بدأ نضاله في 25 نوفمبر 1956 في حرب العصابات في كوبا ليرتقي مناصب عسكرية في جيش كاسترو وذلك نتيجة لانجازاته العديدة التي حققها في معاركه ضد قوات باتيستا طاغية كوبا، والذي يدل على الصفات القيادية المذهلة التي يتمتع بها والتي أهلته لتبوؤ العديد من المناصب القيادية سواء في جيش الثورة أو في حكومتها فيما بعد.
ومن جهة أخرى أشار المؤلف إلى الجانب الشخصي لتشي المتمثل في طلاقه لزوجته الأولى هيلدا وزواجه من ألييدا وهي كوبية لينجب منها أربعة أطفال. وبعد انتصار الثورة ودخول كاسترو إلى هافانا على رأس قوة ضخمة في يوم الثاني من يناير، لتبدأ المعركة الكبرى في إعادة بناء كوبا كمدينة فاضلة للاشتراكية، فكان أول ما كلف به كاسترو رفيق نضاله غيفارا هو قيادة قلعة لكابانيا الواقعة في هافانا العاصمة كقائد أعلى لجيش الثورة، وفي 29 يناير 1959 منح مجلس الوزراء الكوبي الجنسية الكوبية الكاملة لتشي وعين تشي وزيراً للصناعة ثم رئيساً لبنك كوبا الوطني الذي صار يصدر عملاته الوطنية وهي تحمل توقيع غيفارا بلقبه الشهير تشي.
ومن جهة أخرى يؤكد الكتاب أنه في النصف الأول من ستينات القرن العشرين كانت جمهورية الكونغو تشهد عدداً من الأحداث العسكرية والسياسية التي جعلتها مؤهلة لاجتذاب روح الثورة عند تشي الذي قرر العودة إلى المربع رقم واحد وممارسة النضال المسلح... ولكن بالعزف على أوتار إفريقية سوداء هذه المرة.
وبدأ تشي مغامرته الثانية بسرية تامة بعد أن حاول تغيير ملامح وجهه المشهورة عالمياً وتنازله عن الجنسية الكوبية وعن جميع مناصبه الحكومية وعن رتبة الرائد في الجيش الكوبي وعن واجباته العديدة في الزعامة الوطنية نائباً، تاركاً خطابه لفيديل كاسترو ولأطفاله ولوالديه في الأرجنتين شرط ألا تفتح إلا في حال موته.
وكانت البدايات الأولى لثورته الجديدة في ظل تخاذل الناس الذي ذهب خصيصاً للقتال من أجلهم وانفضاضهم من حوله أحد أسباب فشله بالإضافة إلى اتساع المسافة بينه وبين أفراد قواته في الشهر الأخير بسبب إعلان كاسترو خطاب الاستقالة الذي أرسله إلى تشي في شهر أكتوبر بإعلان تنازله عن منصبه ورتبته العسكرية وجنسيته الكوبية لتنهار علاقة نضال بالثورة الكوبية وبالثوار وبصديقه كاسترو وكانت بداية النهاية.
و في العاشر من أكتوبر في العام 1967 حين أكدت القيادة العليا للجيش البوليفي رسمياً أن أرنستو غيفارا الزعيم الثوري اللاتيني قد لقي مصرعه في معركة بين رجال العصابات والقوات البوليفية. وجاءت الحقيقة على لسان الجنرال المتقاعد جاري برادو سفير بوليفيا الجديد في المكسيك وقائد كتيبة الجيش البوليفي التي أسرت تشي غيفارا عام 1967 وأعدمته رمياً بالرصاص وبعدها حمل جثمانه إلى أول مكان دفن فيه.
وبعد أربعين عاماً من مقتل أرنستو تشي غيفارا لا يزال هذا البطل الثائر في ذاكرة الملايين من الناس بعد أن ضحى بحياته وسعادته في سبيل تحرير الشعوب من ظلم وغطرسة الامبريالية الأميركية وهو القائل: «ستكون أرواحنا هي الشاهد على جدية النضال الذي نخوضه وعلى أننا قد عزمنا على أن لا ينتهي هذا النضال إلا بالموت أو النصر».
ناهد رضوان
*الكتاب: نهاية بطل وبداية أسطورة
*الناشر:دار الكتاب العربي ـ دمشق القاهرة 2007
*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط
