تتناول رواية كورماك مكارثي العاشرة بعنوان «الطريق» وقائع رحلة يقوم بها رجل وابنه الصبي الصغير فيما هما يكافحان لمواصلة البقاء على قيد الحياة في عالم يحتضر. والمصير الذي وصل إليه العالم لا يتم تفسيره قط في الرواية، فكل شيء إما أنه ميت أو يحتضر. والرماد والجليد يتساقطان من السماء ليغطيا مادمرته الحرائق الهائلة.. وبوسع المرء أن يتخيل بسهولة شتاء نووياً، أو على الأقل كارثة فرضت نفسها بقوة على العالم.
إذا كان القارئ جديداً على عالم كورماك مكارثي الروائي، فإن أول ما سيلفت نظره هو أسلوب كتابته الحاد والموجز في توظيف الكلمات، فليست هناك علامات ترقيم تتخلل الحديث، ليست هناك فواصل، وهذا يجعل النص يوحي بالطزاجة وبالدقة. وذكاء الكاتب لا يبرز في الكلمات متعددة المقاطع، وإنما يبرز في البنية التي يقدمها وفي الروح الشعرية للنص. ويتعين على القارئ ألا يخطئ في تقويم هذا العمل، فهو عمل تسهل قراءته ولكنه رائعة أدبية سيجري تدريسها في المدارس والكليات في المستقبل غير البعيد.
تقع أحداث الرواية بعد سنوات من وقوع الكارثة، والرجل والابن اللذان لا نعرف لأي منهما اسماً يحاولان السفر جنوباً إلى حيث يمكن أن يكون الجو أكثر دفئاً. ولم يبق هناك شيء من الناحية الفعلية، فلا وجود للبشر ولا للطبيعة، والقلة المتناثرة الباقية من الناس إما أنهم مسافرون بائسون يلتفون بخرق قذرة، كريهة الرائحة، يحاولون تأجيل موتهم الحتمي، وإما أنهم عصابات من الرجال الذين يواصلون البقاء على قيد الحياة من خلال أكل لحوم البشر. والمدن والبلدات المتباعدة إما أنها احترقت عن آخرها أو نهب كل ما هو مفيد فيها.
وتتعمق الرواية في أغوار الحب الذي يستشعره الأب حيال ابنه، وهو حب كلي، مطلق، وبلا شروط، إنه الرابطة الوثيقة التي ينبغي أن تربط كل أب بابنه. وفي ظلمة الموت والاحتضار فإن الصبي هو النور الوحيد بالنسبة للرجل. وهو يحاول حمايته من فظائع الوجود ومن واقع تأجيل موت حتمي. هل يمكن لهذا الرجل أن يموت وهو يعرف أن ابنه سيتعين عليه أن يواصل الحياة وحيداً وبلا أمل؟ هذا الرجل غالباً ما تطارده أحلامه، أحلام بسماء زرقاء ونجيل أخضر، أحلام بزوجته قبل إقدامها على الانتحار لأنها لم يكن بوسعها الوجود في مثل هذا العالم. والصبي ولد بعد وقوع الكارثة وليست له معرفة بما كان عليه العالم في السابق.
يحمل الكتاب، عن قصد، طابع التكرار، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد التأثير الانفعالي للصلة التي تربط الأب بالابن. ويبدو مكارثي في أفضل أحواله وهو يسبر الطبيعة المؤلمة للوجودية، حيث يسمح لشخصيته الاساسية بأن تتأمل بصورة شاعرية العديد من الأمور كالغناء، حيث نقرأ: «هل تعتقدون أن آباءكم يراقبونكم؟ وانهم يزنوكم في سجلهم؟ مقابل ماذا؟ ليس هناك سجل وآباؤكم موتى في التراب».
وهذه الشخصية الأساسية تتأمل مدى عبث البقاء على قيد الحياة بينما هناك أمل محدود، حيث نقرأ: «خرج يسير في النور الرمادي، ووقف ورأى للحظة وجيزة حقيقة الدنيا المطلقة. الدوران البارد بلا هوادة للأرض. الظلام الذي لا سبيل إلى سبرغوره. كلاب الشمس العمياء في ركضها. فراغ الكون الأسود الساحق. وفي مكان ما مضى حيوانان تم اصطيادهما يرتجفان كثعالب الأرض في أوجارها. وقت مستعار ودنيا مستعارة وعيون مستعارة للحزن بها عليها».
وهذا التأمل يمضي ليطال الموت الذي يطارد البشر، حيث نقرأ قول مكارثي: «كيانه الأسود يركض من ظلمة إلى ظلمة. ثم دمدمة خفيضة في البعيد، ليست رعداً. يمكنك أن تحس به تحت قدميك. وصوت بلا معرفة، ومن ثم بلا وصف. شيء يستعصي على التفكير فيه ينتقل هناك في الظلمة. الأرض نفسها تنقبض جراء البرد. لم يأت بعد». تكمن عبقرية مكارثي في كتابته، ونثره شديد القتامة إلى حد أنك يمكنك الإحساس بالألم من خلال الصفحات. ووصفه الفعال بالغ القوة حتى أن بمقدورك أن تتصور كل كلمة. حكاية تنهي كل الحكايات.
هذا كتاب ثقيل عاطفياً، له نهاية حتمية. وليست هناك التواءة حبكة. ليس هناك مهرب.. والجمال لا يكمن في الحبكة، وإنما هو يكمن في الكتابة ذاتها. إن بمقدور المرء أن يرمز إلى قوى مطلقة، ولكن مثل هذا العمل سيكون مغرقاً أكثر مما ينبغي في طابعه الأدبي. ومن المؤكد أن الصبي في هذه الرواية يحمل على كاهله ثقلاً رهيباً ويتصرف بتعاطف مع أولئك الذين سيلحقون الضرر به، ولكن القارئ سيدرك بالتأكيد أن ذلك يفصح عن براءة مطالع العمر. وربما يرى الكثير من القراء، في نهاية المطاف، أن هذه الرواية هي بمعنى من المعاني رواية طقوس مرور في ظل أكثر الظروف مدعاة لليأس، وإنها استكشاف لآفاق العيض بلا أمل في الخلاص.
وربما تقدم رواية «الطريق» تبريراً آخر للحقيقة القائلة إنه عندما يسأل الكثير من النقاد عن أعظم روائي أميركي لايزال على قيد الحياة فإن كورماك مكارثي يبرز باعتباره في صدارة المرشحين لنيل هذا اللقب، الذي يدور صراع محتدم حوله حتى اليوم. ولعل رواية «الطريق تساعد في حسم هذا الصراع لصالح مكارثي، أو هكذا يعتقد الكثير من النقاد والقراء.
في الغابات
«عندما استيقظ في الغابات في الظلام وبرد الليل، بادر إلى مد يده ليتلمس الصبي النائم إلى جواره. الليالي مظلمة على نحو يتجاوز الظلمة، والأيام كل منها أكثر رمادية من سابقه. شأن مقدم رزق عين بارد يعتم العالم. ارتفعت يده ونزلت برقة مع كل نفس ثمين، نحيي بعيدا التربولين البلاستيكي المشمع، ونهض في الثياب والبطاطين ذات الرائحة الكريهة، وتطلع ناحية الشرق بحثاً عن أي ضوء، ولكن لم يكن هناك شيء.
في الحلم الذي استيقظ منه كان يجوب أرجاء كهف، حيث كان الصبي يقتاده من يده. كان نورهما يتلاعب فوق الجدران الحجرية المبللة. كانا شأن راحلين في حكاية خرافية ابتلعا وضلا الطريق وسط الأجزاء الداخلية لوحش جرانيتي. يشكل الحجر العميق مسرباً حيث يتقاطر الماء ويشدو. أثقلت على كاهليهما في الصمت دقائق الأرض وساعاتها وأيامها وأعوامها بلا توقف، إلى أن وقفا في قاعة حجرية هائلة حيث امتدت بركة سوداء قديمة.
وعلى الشاطئ البعيد، كان هناك مخلوق رفع خطمة المتقاطر من البركة، وحدق في الضوء بعينين ساكنتي البياض ومجردتين من النظر مثل بيوض العناكب. أرجح رأسه خفيضة فوق الماء، كأنما لالتقاط رائحة ما لم يكن بوسعه رؤيته. جثم هنالك شاحباً وعادياً ومتألقاً، وعظامه الرخامية تلقى ظلها على الصخور وراءه. أحشاؤه، قلبه النابض. المخ الذي راح ينبض في جرس زجاجي كئيب. أرجح رأسه من جانب إلى آخر، ثم أطلق أنيناً خفيضاً، والتفت، وابتعد بلا صوت في جوف الظلام».
مقتطف من رواية «الطريق»
*الكتاب: الطريق
*الناشر: الفريد نوف، نيويورك 2007
*الصفحات: 304 صفحات من القطع المتوسط
The Road
Cormac Mccarthy
A.Knopf,N.Y.2007
P.304
