مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور كريستوفر كلارك أستاذ علم التاريخ في كبريات الجامعات الأميركية وأحد كبار المختصين بالشؤون الألمانية. وهو هنا يقدم مرجعا كبيرا عن كيفية تشكل تلك الدولة البروسية التي استطاعت توحيد ألمانيا حولها بعد أن كانت متفككة إلى دويلات عديدة متناحرة.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير الذي لعبته بروسيا في توحيد كل ألمانيا حولها. ولكن العملية كانت صعبة جدا وطويلة ولم تحصل دون عراقيل عديدة كانت تهددها في كل مرة. فبروسيا دولة بروتستانتية في حين أن العديد من الدويلات الألمانية الأخرى كانت ذات غالبية كاثوليكية. ولم يكن من السهل على الكاثوليك أن يقبلوا بالوحدة الألمانية تحت راية دولة معادية لهم مذهبيا.
نقول ذلك وبخاصة أن الخصومة المذهبية بين الطرفين كانت قوية جدا في القرون السابقة، بل وحصلت حروب مروعة وسالت الدماء أنهارا كما يقال. ولكن بما أن بروسيا كانت أكبر الدويلات الألمانية وأكثرها قوة من الناحية الاقتصادية والعسكرية فإنها استطاعت أن تجبر الدويلات الأخرى على الانضمام إليها بالقوة.
والواقع أن بروسيا دعيت بالدولة الحديدية نظرا لقوتها العسكرية ولعقلية النظام والانضباط التي كانت تسود جيشها وشعبها وموظفيها. وقد ضرب المثل آنذاك بالانضباط البروسي إلى حد القول بأن الجندي هناك أو الضابط كان مستعدا لتنفيذ الأوامر حتى لو كان غير مقتنع بها أو حتى لو أدت إلى مقتله.
وهذه العقلية الانضباطية هي التي مكّنت بسمارك في القرن التاسع عشر من توحيد ألمانيا كلها حول بروسيا. وهي التي مكّنت هتلر في القرن العشرين من السيطرة على كل أوروبا ولو لفترة من الزمن فالجيش كان يطيعه طاعة عمياء.
ويرى المؤلف أن بسمارك قائد الوحدة الألمانية لم يكن يتجاوز الثانية والأربعين من عمره عندما عينه الملك رئيسا لوزراء بروسيا عام 1862. وكان قد ولد عام 1815 في عائلة بروتستانتية محافظة. وبعد أن أكمل دراساته في غوتنغين وبرلين انخرط في العمل السياسي عام 1947 وعمره اثنان وثلاثون عاما. وقد ابتدأ حياته السياسية كعضو في الحزب الإقطاعي. وبالتالي كان معاديا لثورة 1848 التحررية الليبرالية. وقد نشر عدة مقالات ضدها في الصحف الألمانية؟
بل ونصح الملك فريديريك غيوم الرابع بقمعها عسكريا. والواقع أن أول قرار اتخذه بسمارك بعد الوصول إلى سدة الحكم هو: تقوية الإمكانيات العسكرية لبروسيا من أجل توحيد ألمانيا تحت رايتها.
ولكن النمسا كانت معادية لمشروع بسمارك بسبب غلبة المذهب الكاثوليكي عليها. ولذلك حاولت عرقلة مخططاته بل وتحدته علنيا. وعندئذ فكر بسمارك في دحرها عسكريا. ولكنه قبل ذلك راح يتفاوض مع القوى العظمى الأوروبية لنيل رضاها ووقوفها على الحياد في حالة اندلاع حرب مع النمسا. ونال بالفعل موافقة القيصر الروسي وسكوت الانكليز ولم يبق له إلا أن ينال رضى العدو اللدود لألمانيا: نابليون الثالث إمبراطور الفرنسيين.
وقد قابله في مدينة بياريتز الجميلة المطلة على المحيط الأطلسي وأقنعه بالوقوف على الحياد بعد أن خدعه. فقد أوهمه بأنه سيقدم له بعض التنازلات بعد انتهاء الحرب. ومعلوم أن بسمارك كان من أكبر الدهاة السياسيين في التاريخ. وعلى هذا النحو خاض داهية بروسيا الحرب ضد الجيوش الكاثوليكية جنوب ألمانيا قبل أن يلتقي مع الجيش النمساوي في معركة فاصلة. وقد فوجئ الجميع بأنه انتصر على جيش النمسا الذي كان مشهورا بقوته ومرهوبا في كل أنحاء أوروبا.
عندئذ عرف الجميع أن بروسيا أصبحت قوة عظمى في أوروبا. ولأول مرة أخذ نابليون الثالث يخاف منها ومن قوتها العسكرية الضاربة ونظامها الحديدي الذي لا يرحم.ولكن بسمارك الذكي جدا لم يشأ أن يفرض على النمسا معاهدة استسلام مذلة لكيلا ترمي نفسها في أحضان فرنسا. بل إنه راعى حساسيتها وخاطرها كثيرا أثناء المفاوضات التي تلت انتصاره عليها. ولكنه في ذات الوقت ضم إليه كل الدول الألمانية التي هزم جيوشها قبل أن يهزم جيش النمسا.
وهكذا توسعت رقعة بروسيا كثيرا وأصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وكانت تلك خطوة أولى نحو الوحدة الألمانية الكبرى.عندئذ دعا بسمارك إلى تشكيل الاتحاد الفيدرالي الألماني. ونظرا لقوته وهيبته فإن العديد من الدويلات الألمانية قبلت بالفكرة. ولكن بقيت بعض الدول الكاثوليكية معادية له خوفا من هيمنة البروتستاتنتيين على كل ألمانيا. وكان ذلك هو الهاجس الأكبر الذي يقود سياسة الدول الألمانية الكاثوليكية.
ثم يقول المؤلف بما معناه: في الواقع أن بسمارك ابتدأ أولا بتوحيد الدول البروتستانتية الواقعة شمال ألمانيا قبل أن ينتقل لاحقا إلى المرحلة التالية: أي التهام الدول الكاثوليكية الواقعة في الوسط أو الجنوب. وبالتالي فالرجل كان يتقدم خطوة خطوة ولم يحقق الوحدة الألمانية دفعة واحدة.وهذه المنهجية الذكية في التوحيد أعطت مفعولها. فلم يكن يضم إليه منطقة ألمانية جديدة قبل أن يكون قد هضم جيدا المنطقة السابقة ودمجها داخل الدولة البروسية. وهكذا راح يبلع المناطق كلها الواحدة بعد الأخرى حتى توصل إلى تحقيق الوحدة الألمانية الكبرى.
لكن قبل أن يتوصل إلى تحقيق هذا الحلم الكبير كانت تقف في وجهه العراقيل الداخلية والخارجية. العراقيل الداخلية كانت ذات طابع مذهبي وقد تحدثنا عنها سابقا. أما العراقيل الخارجية فكانت تتمثل بفرنسا وموقف الإمبراطور نابليون الثالث. فهذا الأخير أحس بالخطر على فرنسا بعد أن سحق بسمارك الجيش النمساوي في تلك المعركة الشهيرة، وشعر بأن موازين القوى أخذت تتغير في أوروبا لصالح بروسيا التي أخذت بالتوسع أكثر فأكثر.
عندئذ ذكّر نابليون الثالث بسمارك بالوعود التي قطعها في مدينة بياريتز قبل الحرب، وقال له بأنه ينتظر تنفيذ هذه الوعود وإعطاء فرنسا بعض المناطق الحدودية. وعندما سمع الرأي العام الألماني بأن الفرنسيين يريدون أن يقتطعوا من بلادهم بعض الأراضي جن جنونه. وكانت النتيجة أن التف جميع الألمان بمن فيهم الكاثوليك المعادين لبسمارك حول بسمارك. وقد تم ذلك طبقا للمثل القائل: أنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وابن عمي ضد الغريب.
وهكذا نسي الألمان انقساماتهم المذهبية أو الطائفية وتوحدوا حول جيش بروسيا لمواجهة الجيش الفرنسي في معركة شهيرة. وكانت النتيجة لصالح بروسيا مرة أخرى. وهزم الإمبراطور الفرنسي شر هزيمة بل وأسروه وأذلوه أثناء الحرب.وعلى هذا النحو أصبح الطريق سالكا أمام بسمارك لكي يحقق الوحدة الألمانية الكبرى. صحيح أن بعض زعماء منطقة بافاريا الكاثوليكية وقفوا في وجهه لفترة من الزمن. بل وكادوا أن يجهضوا الوحدة الألمانية برفضهم الانضمام إلى بروسيا وتحت قيادتها.
ولكنه انتصر عليهم في النهاية وفرض الوحدة الألمانية على الجميع. والواقع أن ألمانيا كانت متأخرة على فرنسا من حيث الوحدة. ففرنسا كانت قد حققت وحدة أراضيها منذ زمن طويل وأصبحت دولة مركزية قوية. أما ألمانيا فكانت مشتتة ومقسومة إلى عدة دويلات متناحرة حتى جاء قائد كبير اسمه بسمارك ووحدها. وعندئذ أصبحت أقوى دولة في كل أنحاء أوروبا.
*الكتاب:المملكة الحديدية
*الناشر: أ. لين ـ نيويورك 2006
*الصفحات :816 صفحة من القطع المتوسط
Iron Kingdom
Christopher Clark
A. Lane - New York
P.816

