ولد فرانز كافكا في براغ بتشيكوسلوفاكيا في عام 1883، بقي وحيدا لأسرته اليهودية بين ثلاث أخوات بعد وفاة شقيقيه. كان أبوه الصارم والضخم يعمل في القصابة. درس القانون وصاحب الناشر ماكس برود وقرأ معه فلوبير وغوته الذي ظل أديبه كافكا المفضل والمبجل.
وحصل على درجة الدكتوراه في التشريع والتحق بشركة تأمين للعمل، وفي عام 1912 نشر قصته الشهيرة التحول أو المسخ إلى جانب رواية أمريكا التي أكملها له ورتب فصولها صديقه برود. أطاحت الحرب العالمية الأولى بحلمه في العمل في الصحافة، وأعفي من الخدمة العسكرية عام 1913 ولم تطل خطبته لصديقته فيليس بووير أكثر من أسبوع، كتب بعدها المحاكمة، وعاد إلى خطبة بووير في عام 1917، فبانت عليه علامات السعال الدموي فتركها لتتزوج من شخص آخر، وقع بعدها في حب مترجمة قصصه إلى التشيكية ميلينا جيسنسكا وكان حبا يائسا لكونها متزوجة، كتب القلعة في عام 1922، وتوفي في يوم الاثنين في الثاني من يونيو عام 1924 بعد تصحيح مجموعة قصصه «الفنان الجائع» بعد أن طالب بقتله لإنقاذه من آلام مرضه المبرح. ودفن في المقبرة اليهودية في براغ.
رواية كافكا من اقصر روايات كافكا الكابوسية وأكثرها عصيانا على التفسير وتعددا في التأويلات، وهي تنتهي على خلاف رواياته الأخرى معروفة مثل )«المحاكمة» و«الحصن» و«أميركا»( بنهاية متفائلة أو توحي به. كتب كافكا هذه الرواية في السادسة والثلاثين. وكان يحس أن نهايته تقترب، بسبب إصابته المبكرة بالسل الذي قضى عليه شاباً، وهي من أعمال قليلة لكافكا طبعت ونشرت خلال حياته.
تدور أحداث «مستوطنة العقاب» في جزيرة غامضة، كما أن شخصياتها حرة من أسماء شخوصها الذين يحضرون بصفاتهم الوظيفية. ومن بين هذه الشخصيات شخصية المستكشف، ذلك الغريب الطارئ، الذي يصير شاهداً على حدث الإعدام، الذي يروى من وجهة نظره.. بطلة الرواية هي آلة شديدة الغرابة والتعقيد، يعاقب المتهم بطريقة يقشعر من هولها البدن. الشاهد المسافر أو المستكشف يبدو حياديا، وإذا غلبه الفضول، انبرى له الضابط شارحا مفسرا.
وهو ضابط يعشق آلته الجهنمية، محترف في «استثمارها»، وتوظيفها في قطف ثمار الألم البشري، يظهر الضابط وكأنه يعبد الآلة بشكل من الأشكال، أو يقدسها وهي اختراع القائد الذي «سبقه في الإيمان». وفي أثناء عملية السياحة في شؤون هذه الآلة يصغي المدان إلى الحوار بحيادية قدرية، واستسلامية باردة، وكأنه سائح هو الآخر أو عابر سبيل أو فأر اختبار أو أداة للتوضيح لا غير.
الضابط يتجاوز وصف بركات الآلة إلى العدالة، يتابع وصف عملية التنفيذ: فالمحكوم سوف يربط عارياً إلى ما يشبه الكرسي المتحرك كالحقيبة، غطاء «الحقيبة السرير» مزود بإبر زجاجية حادة تكون مهمتها أن تحفر فوق جسد المحكوم العاري عبارة تقول «قدس رئيسك». والذي يحدث هنا، كما يخبرنا الضابط، من طريق إخبار المسافر، هو أن المحكوم وهو في ذلك الوضع، يبدأ بعد مرور أول ست ساعات على تنفيذ الحكم، بتفسير العبارة وقراءتها إذ صارت عبارة عن جراح تغوص في جلده...
غير أنه لن يفسر أو يقرأ بحزن أو ألم، بل وهو يشعر بأقصى درجات اللذة. المحكوم يقضي عادة بعد انقضاء نصف يوم على بداية تنفيذ الحكم، وبعد أن يكون قد تطهر من «الخيانة» وإذ يصل الضابط في شرحه إلى هنا نفهم أنه الآن يعتمد على المسافر كي يقنع المحكوم الذي لا تزال البلاهة مرسومة على وجهه، بصواب هذا الأسلوب وفوائد الآلة وعدالتها.
يضطر استغراب المسافر الضابط إلى أن يطلق سراح المحكوم وتجريبها على نفسه بعد استبدال الجملة إلى «كن عادلا» لتناسب الضابط لا المحكوم. يتمدد ويتعرى ويتمدد ويكسر سيفه ويشغل الآلة التي يطرأ عليها عطل طارئ، فتخرق جسده قبل أن تطهره! لقد خانت الآلة الفرنكشتاينية صاحبها وأكلته! يعود المسافر والمحكوم إلى المدينة وفي المقهى يتأمل قبر القائد السابق تحت المائدة! ثم يشير تجاه رفيقيه إشارة تهديد واضح أن الغاية منها ردعهما عن اللحاق به، وينسحب ليصل إلى مركبه، من دون الآخرين.
تنوعت التفسيرات في شأن هذه الرواية، وتنوع الحكم عليها من قبل النقاد والدارسين، غير أن كثراً من هؤلاء لم يترددوا أبداً من اعتبارها واحدة من أهم أعمال كافكا. بل رأى بعضهم أنها تلخص موضوعه الأثير الذي ملأ دائماً تلك الأعمال.
فهنا نجدنا أمام موضوعة الوحدة والألم والإدانة والعبث، غير أنه من الواضح أن ما من واحدة من هذه الموضوعات يمكنها أن تشكل وحدها مفتاحاً أساسياً كافياً لفهم النص، إلى درجة أن نقاداً كثراً تساءلوا: هل ثمة، في الأصل، تفسير مطلق ونهائي لـ «مستوطنة العقاب»؟ من دون أن يجدوا جواباً قاطعاً لسؤالهم هذا. ومن هنا اكتفوا بالقول إن فرانز كافكا (1883 - 1924)، وكما في أعماله الرئيسة، وبدلاً من أن يتنطح لإيصال رسالة ما، اكتفى بأن بصياغة لغز أو بأن يخلق مناخاً يثير جملة من أسئلة أساسية تتعلق بحياتنا وكينونتنا.

