مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والمؤرخ والصحافي الفرنسي غونزاغ سان بري. وكان قد نشر سابقا ما لا يقل عن ثلاثين كتابا في الفكر والرواية وكتابة سير العظماء.وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن واحد من أهم الشخصيات التاريخية الفرنسية: الماركيز لافاييت الذي ساهم في تحرير أميركا من الهيمنة الانجليزية.ومنذ البداية يقول المؤلف بما معناه: لقد ولد هذا الارستقراطي النبيل قبل قرنين ونصف بالضبط وبالتحديد في السادس من شهر سبتمبر عام 1757 في أحد القصور وفي ظل الملك لويس الخامس عشر.
وقد أصبح يتيما ومليونيرا وهو في الرابعة عشرة، ثم زوجوه من امرأة حياته وهو في السادسة عشرة، ثم أصبح جنرالا في جيش الولايات المتحدة وهو في السادسة عشرة. وهكذا أصبح مشهورا على كلتا ضفتي المحيط الأطلسي، أي في فرنسا والولايات المتحدة في آن معا. وعندما وصلت أخبار التمرد الأميركي ضد الاستعمار الانجليزي إلى أوروبا عام 1775 تحمس لها الجنرال لافاييت فورا نظرا لحبه للحرية والاستقلال. وأعلن عن رغبته في الانخراط فيها لصالح الأميركان ضد الانجليز. والواقع أن بنيامين فرانكلين كان يعيش في باريس آنذاك. وهو الذي نشر الدعاية السياسية لصالح بلاده المستعمرة في الأوساط الفرنسية. بما أن فرنسا كانت العدو اللدود لانجلترا فإنها تحمست لقضية الأميركان. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.
وقد أقنع الملك والسلطات العسكرية الفرنسية بضرورة إرسال جيش كبير إلى أميركا لمساعدة الأميركان على محاربة الانجليز. وقال لهم بأنه مستعد لقيادة هذا الجيش حتى النصر. وهذا ما كان. فقد وصل على رأس جيشه الفرنسي إلى مدينة جورج تاون في ولاية كارولينا وصرح أمام أعضاء الكونغرس قائلا: في وقت الخطر أحب أن أكون معكم وأن أشارككم مصيركم. فالصديق وقت الضيق، وليس وقت السهولة واليسر.
ثم أردف لافاييت قائلا: لا أطلب منكم إلا شيئا واحدا: أن تسمحوا لي بخوض المعركة لصالحكم كجندي في ساح الوغى وبدون أي راتب. وعلى هذا النحو أدخلوه في جيش الولايات المتحدة بمرتبة جنرال نظرا لقوة شخصيته ثم لأهمية عائلته الأرستقراطية. وقد خاض لافاييت كل المعارك هناك تحت قيادة جورج واشنطن. وأصيب برصاصات في فخذه أثناء إحدى المعارك فأدخلوه إلى المستشفى لمدة عدة أسابيع. ولكنه عاد إلى ساحة المعركة بعد أن شفي من جراحه.
ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1979 توقف دوره العسكري لفترة ستة أشهر لأن جورج واشنطن طلب منه أن يذهب إلى فرنسا ويقوم بمهمة فيها. لقد طلب منه أن يقنع الملك لويس السادس عشر بإرسال جيش فرنسي قوي إلى الولايات المتحدة للدفاع عنها ضد الانجليز. وعندئذ فكر لافاييت جديا بالعودة إلى بلاده من أجل خدمة القضية الأميركية في بلاط لويس السادس عشر، ثم من أجل قيادة العمليات العسكرية ضد الانجليز داخل فرنسا إذا ما توسعت الحرب وأصبحت أوروبية.
ولكن في أثناء عودته إلى فرنسا اكتشف مؤامرة وهو على ظهر الباخرة تهدف إلى اختطافه وتسليمه للانجليز. ولحسن الحظ فإن مساعديه اكتشفوا هذا المخطط قبل ساعة واحدة من تنفيذه. وعندئذ اتخذ قرارا فوريا بمعاقبة المتورطين في العملية ومن بينهم جنود وضباط تابعون له. وهذا أكبر دليل على مدى قدرة الانجليز وحنكتهم ومهارتهم السرية في تنظيم المؤامرات.
وعندما وصل إلى قصر فرساي وجد أن الملك لويس السادس عشر كان قد اتخذ قرارا تعترف فرنسا بموجبه باستقلال الولايات المتحدة وانفصالها عن انجلترا والتاج البريطاني. وهذا ما سهّل عليه عملية الانخراط أكثر في دعم القضية الأميركية وتكريس جهوده من أجل انتصارها.
وقد استطاع إقناع الملك بإرسال حملة عسكرية كاملة إلى الولايات المتحدة. كما وأقنعه بإرسال المال والعتاد لأن القوات الأميركية بأمس الحاجة إلى ذلك. وقد حصل على مبتغاه. ثم عاد إلى أميركا لمواصلة النضال ضد الانجليز ودحرهم في نهاية المطاف. ونظرا لكل هذه الخدمات التي قدمها للأميركان فإن الكونغرس منحه أعلى وسام وشكره كل الشكر على تفانيه وإخلاصه.
ثم عاد لافاييت إلى فرنسا من جديد بعد أن انتهت حرب الاستقلال التي أدت إلى هزيمة الانجليز وانفصال الأميركان عنهم. ولكنه ما كان يعرف أن حدثا كبيرا ينتظره هناك. فالغليان الثوري كان قد ابتدأ في فرنسا، ونقمة الشعب على الملك كانت قد أصبحت كبيرة جدا. فالطبقات الشعبية في باريس وغيرها من المدن الفرنسية كانت قد أصبحت فقيرة جدا وتشكو من الجوع. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الفلاحين.
ولذلك اندلعت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. وكان لافاييت من أنصارها. صحيح أنه حاول الدفاع عن لويس السادس عشر ومنع إعدامه ولكنه فشل في نهاية المطاف. فالواقع أن الثوار ابتدأوا يشكون به وبإخلاصه لقضية الثورة. ولهذا السبب تراجع عن دعمه للملك على الرغم من محبته له. وقد قبل على مضض وبحسرة كبيرة فكرة إعدامه. والواقع أنه ما كان يستطيع أن يفعل شيئا. فالسلطة لم تكن في يده لكي ينقذ الملك من المقصلة الشهيرة.
ثم يقول المؤلف بما معناه: وعندما دخلت الثورة الفرنسية في مرحلة الإرهاب والرعب اتهم لافاييت بالخيانة العظمى وأصبح مهددا بالموت. فاضطر إلى الهرب إلى الخارج لكي ينجو برأسه. وهناك أصبح أسيرا في فيينا. ولكي ينتقموا منه راحوا يعتقلون زوجته التي كانت قد بقيت في فرنسا، ولكنها استطاعت الهرب بعدئذ واللحاق به في منفاه. والواقع أنه لم يكن منفيا فقط وإنما مأسورا ومسجونا في إحدى القلاع المحيطة بالعاصمة النمساوية. وقد حاول الهرب ولكنه فشل. وعندئذ زادوا من مراقبته صرامة ومنعوه من النزهة اليومية حول القلعة خوفا من أن يحاول الهرب ثانية.
وقد تعذب لافاييت كثيرا بأن فترة الأسر هذه وذاق الأمرين. ولم تنفرج الأمور إلا بعد أن هزم نابليون بونابرت جيش النمسا في معركة شهيرة. وعندئذ كان أول شرط له لكي يعقد الصلح مع الطرف النمساوي هو أن يطلقوا سراح لافاييت لأنه قائد عسكري فرنسي شهير. وهذا ما كان. وقد فرح لافاييت بالجنرال أقصى الحدود.
وذهب فورا إلى عند نابليون لكي يشكره على ذلك شخصيا. ينبغي العلم بأن نابليون كان آنذاك لا يزال في بداية صعوده السياسي. صحيح أنه كان قد أصبح مشهورا بفضل انتصاراته العسكرية المدوية، ولكن لافاييت كان أكثر شهرة منه لدى الفرنسيين.
ثم ساءت الأمور بين الرجلين لأن كل واحد منهما يعتبر نفسه القائد الأول. واضطر نابليون إلى محاربته بعد أن رفض كل عروضه في المشاركة السياسية والانضمام إلى النظام الجديد الذي شكله. وأخيرا يمكن القول بأن اسم لافاييت ظل لامعا على صفحة التاريخ حتى الآن.
وأكبر دليل على ذلك هو أن أشهر مخزن في فرنسا لبيع العطور والثياب الأنيقة يحمل اسمه. وهو موجود في وسط العاصمة الفرنسية بالقرب من الاوبرا. ويدعى: غاليري لافاييت. هذه هي قصة هذا القائد العسكري الذي لا يزال الأميركان والفرنسيون يبجلونه حتى هذه اللحظة، ولكن ليس الانجليز.
*الكتاب: لافاييت
*الناشر:تيليماك ـ باريس 2007
*الصفحات: 407 صفحات من القطع الكبير
La Fayet
Gonzague Saint Bris
Editions Telemaque-Paris2007
.407PLa Fayet
Gonzague Saint Bris
Editions Telemaque-Paris2007
.407P

