في عام 1945، ومع هروب الجيش الألماني المعروف باسم الفيرماخت، قبع جندي ألماني يدعى غونتر غراس في قبو فيما سيعرف لاحقاً باسم ألمانيا الشرقية، وفيما اندلع القتال من دار إلى أخرى في القرية، تلقت فصيلته أمراً بركوب دراجات هوائية معلقة من السقف والقيام بهجوم بائس. أما غراس الذي لم يتعلم قط ركوب الدراجات فقد بقى في القبو لتغطية زملائه بالنيران، ثم مضى يرقب المشهد فيما الرشاشات الروسية تحول زملائه إلى كومة من الجثث.

ولكن هل هذا هو ما حدث بالفعل؟ نه يكتب في «تقشير البصلة»، وهي مذكرات مليئة بما كان يمكن أن يحدث تماماً كعشرات من حكايات الأخوين غريم، قائلاً: «ولكن ربما كان هذا الوصف للمذبحة لا يعدو أن يكون تصوراً لما بعد الحدث، صورة متخيلة، لأنني تركت موقعي في نافذة القبو قبل أن يحدث تبادل إطلاق النار القاتل، ولم أر شيئاً، ولم أرد رؤية شيء». «تقشير البصلة» عمل مكتوب على نحو متألق، حافل بالانتقاد القاسي للذات، وبالمراوغات الغامضة، وبالتنقيحات للماضي، التي يشدد جراس على أنها تطرح نفسها على خياله كروائي كحشد من الصور والقصص التي تطلب أن يتم التعامل معها.

ما من شيء هو ما يبدو عليه، خاصة بالنسبة للمؤلف الذي في غمار هذا السرد لوقائع حياته حتى الثانية والثلاثين من العمر، من طفولته في دانزج إلى إصداره لرواية «الطبل» في 1959، غالباً ما يصف نفسه مستخدماً ضمير الغائب، ويتعامل مع نفسه كشخصية منبعثة من قصة تخضع لمراجعة لا تنتهي للذاكرة. وهناك حقيقة واحدة مؤكدة، وهي أن غراس قد خدم كمدفعي دبابة مع فرق وافن إس. إس. وقد فجر الكشف عن هذه الحقيقة ضجة كبرى في ألمانيا، ليس لأن المؤلف خدم عدة أشهر في صفوف فرق الاس.إس فيما كان الجيش الألماني ينحل، وإنما لأن غراس، ضمير ألمانيا ما بعد الحرب، والمتحدث بإصرار عن الحقائق ؟ المتعلقة بمرحلة النازي؛ قد أخفى ماضيه.

ويتاح لقراء الانجليزية الآن أن يحكموا على هذه الواقعة في سياقها، ولكن من غير المحتمل أن يتمكنوا من استيعاب معناها الكامل أو العديد من الجوانب الأخرى لحياة غراس المميزة، حيث إن الروائي يهيمن مراراً وتكراراً على كاتب المذكرات.

ويتصدى غراس لمهمته الصعبة، حيث يتناول اعتقاده غير النابع من التفكير بصواب طروحات هتلر والحزب النازي آنذاك. وكصبي في ألمانيا النازية كيف يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك؟ على أي حال فإن غراس الذي ولد مغترباً ومثيراً للمتاعب بطبعه لم يظهر حماساً يذكر لأي نشاط منظم من أي نوع، سواء أكان مدرسة، حيث طرد من مدرستين لشجاره مع المدرسين، أو منظمة شباب هتلر. وقد التحق بصفوف الجيش في المقام الأول للابتعاد عن داره الموحشة الحافلة بمتابعة المنتمين إلى الطبقة العاملة ومن متاعب والديه اللذين أدارا بقالة فاشلة.

وبعد أن يكيل غراس حشداً من العقوبات لنفسه في مرحلة الطفولة، ينتقل إلى مناخ غامض أثير لدى تناوله لمغامراته في زمن الحرب. ويشير إلى أن هذا الأمر أو ذاك كان يمكن أن يحدث أو ألا يحدث، وهو يعايش القتال كسلسة من الصور الكابوسية غير المترابطة.

مع اقتراب غراس من معركته الأولى، فإنه يرى جثث جنود ألمان متدلية من الأشجار، وقد أعدمهم ضباطهم، وعلقوهم مع لافتات تدينهم باعتبارهم جبناء ومخربين. وعندما تنفجر قذيفة روسية في غابة أشجار بتولا، فإنه يشق طريقه عبر أكوام من الأجساد المتلوية التي خوزقت فروع الأشجار بعضها. ويكتب قائلاً: «يرى جامع الصور أكثر مما يستطيع استيعابه».

يتخلل مسلسل من الكوميديا السوداء الفصول التي تتناول زمن الحرب. وعندما يصاب غراس بشظايا في الكتف والفخذ، فإنه يعتقد أنه قد أصيب إصابة قاتلة، ويتبين أن الدم الذي يغرق سرواله ليس إلا مربى من مرطبان كان موضوعاً في القناع الواقي من الغاز المدلى إلى جانبه.

تتراكم الأمور العبثية، فها هي فرقة فناني قاعة موسيقية تضم العديد من الأقزام تلجأ إلى محطة قطار تحت الأرض، حيث يجد غراس والعديد من أفراد الجمهور أنفسهم أمام حفل موسيقى أقيم على عجل. ويقول: «بينما أنصبت نيران المدافع في الخارج تباعاً، وتوالي سقوط القنابل بعيدا وقريباً، واصلوا تقديم عرضهم. وأفلح مهرج قزم في إدهاشنا إلى حد التجمد في موضعنا، وقدم عدد من زملائه ألعاباً أكروباتية مدهشة، وربطت سيدة صغيرة نفسها برشاقة في عقد بينما هي ترسل قبلات إلى الجمهور الذي جن هتافاً وتصفيقاً».

وثمة مفارقة جديرة بالتوقف عندها طويلاً بين الدقة المتوهجة بالحياة لمشهد الغارات الجوية، الذي شكل المادة الخام لرواية «الطبل» والأداء الدقيق والشفاف للأحداث المهمة في الحياة. وعلى سبيل المثال، فقد كان غراس يزدري أباه، لكنه لم يقل لنا قط السر في ذلك.

وفيما يتعلق بفرق إس.إس. فإن غراس يكتب: «لم أجد الرونية المزدوجة لياقة الزي الرسمي منفرة». مع ذلك فإنه عندما يهرب من الروس فإن رفاقه يصرون على أن يتلخص من سترة فرق إس. إس تحسباً لسقوطهم في أيدي الأعداء. ولم يبد أن غراس وجد أي شيء مثيراً للفضول في هذا الشأن في ذلك الوقت، كما أنه لم يركز عليه كثيراً في كتابه. والأمر ببساطة مسجل كإشارة عابرة.

وتعد تجارب غراس القصيرة وإن كانت متوهجة في زمن الحرب واحتجازه في معسكري أميركي لأسرى الحرب المادة الأكثر ثراء في الكتاب. ولا ترقى إلى مستواها إلا الفصول الأولى التي تستحضر طفولته في دانزج. وهنا وكذلك في الفصول التي عقدها عن سنوات تجواله كعامل في منجم وبناء وشاعر ونحات فإنه يقدم لمحات سريعة من حساسية روائي في مرحلة التشكل.

خلال جمع المال لبقالة العائلة وصعود بنايات دانزج وهبوطها سيختزن الروائي المستقبلي الصور التي تغذي خياله. وهو يقول في هذا الصدد: «تعلمت من خلال الشم، السمع، الرؤية والمعايشة».

وقد امتص «فقر العائلات المنتمية إلى الطبقة العاملة وقلقها، صلف العاملين في الخدمة المدنية وغضبهم، والذين يكيلون اللعنات بألمانية مدوية ويرفضون دفع فواتيرهم من حيث المبدأ وحاجة النسوة الوحيدات إلى الثرثرة حول مائدة المطبخ، والصمت الحافل بالنذر والشجارات المحتدمة بين الجيران». وكتاب «تقشير البصلة» باعتباره صورة للفنان في شبابه يستحق مرتبة رفيعة.

لكن غراس لا يترك الأمور عند هذا الحد. حيث يتصاعد المزج بين الحقيقة والخيال، وهو يفرط في خلط الأمور، وخاصة لدى التلاعب بالمفهوم القائل إن الشاب المجتهد الذي صادقه في المعسكر قد يكون جوزيف راتزينجر، المشهور بالبابا بنديكت السادس عشر. نعم؟ لا؟ ربما؟ وهو يقول هذا لأخته، التي لا تتردد في اقتحام الصورة ربما لتعبر عن رأي بعض القراء حيث تقول: «إنك تكذب من خلال أسنانك!». أياً كان الأمر، فإن هذا الكتاب يظل جديراً بالقراءة، ربما لأنه واحد من أهم كتب سيرة الحياة الذاتية التي صدرت في السنوات الماضية.

غواية

«اليوم، كما في سنوات ماضية، فإن غواية إخفاء المرء لذاته في إطار ضمير الغائب، تظل غواية كبيرة. كان يمضي في عامه الثاني عشر، على الرغم من أنه كان لا يزال يحب الجلوس في حجر أمه، عندما يبدأ هذا الأمر أو ذاك أو ينتهي. ولكن هل يمكن أن يشار إلى شيء له بداية أو نهاية بمثل هذه الدقة؟ في حالته كان ذلك ممكناً.

انتهت طفولتي عندما اندلعت الحرب في المدينة التي نشأت فيها في العديد من الأماكن دفعة واحدة. وقد بدأت بفرقعة لا سبيل إلى الخطأ بشأنها، ارتطام سفينة واقتراب قاذفات القنابل من مرفأ نوفا رفاسر، قبالة القاعدة العسكرية البولندية عند فستر بلات، وفي البعيد الطلقات المصوبة بعناية المنبعثة من سيارتي استطلاع مدرعتين خلال معركة الاستيلاء على مكتب البريد البولندي في مدينة دانزج العتيقة، والتي أعلن عنها مذياعنا الموضوع في جانب غرفة المعيشة. هكذا أعلنت نهاية طفولتي بكلمات من حديد في الشقة الواقعة في الطابق الأرضي من مبنى مؤلف من ثلاثة طوابق في لابزفيج في لانجفور.

حتى ذلك الوقت من النهار يظل عالقاً بذهني. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، تعامل مطار الولاية الحرة الواقع قرب مصنع الشيكولاته البلطيقي مع ما يتجاوز الطائرات المدنية فحسب. ومن مسقط النور في سقف مبنانا كان بمقدورنا رؤية الدخان، وهو ينبعث غائماً فوق الميناء الحر في كل مرة يتم شن هجوم جديد وتهب رياح خفيفة من الشمال الغربي».

مقتطف من كتاب «تقشير البصلة»

*الكتاب: تقشير البصلة

*الناشر:هار كورت ـ نيويورك 2007

*الصفحات:425 صفحة من القطع المتوسط

Peeling The Onion

Gunter Grass

Har kourt - N.Y 2007

P.425