يتعرض الكتاب للصراع الأوروبي في بدايته للسيطرة على البحار الشرقية وخاصة منطقة الخليج العربي. حيث واجهت أساطيل تلك الدول بعضها البعض من أجل الحصول على موطئ قدم في الخليج. يتناول الباحث المصري الدكتور نصر الدين عبد الحميد، أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس ـ القاهرة، وصاحب العديد من الدراسات والكتب في الحقل التاريخي مثل: مصر وحركة الجامعة الإسلامية، وبريطانيا العظمى والخليج العربي، والنيل والفرات ـ تلك الفترة من تاريخ منطقة الخليج العربي.

يتحدث الكاتب عن التواجد البرتغالي في الخليج وأثره الدولي والمحلي، حيث دخلت كل من انجلترا وهولندا في منافسة مع البرتغال حصول على مراكز تجارية لها على طول الطرق البحرية الموصلة إلى مناطق نفوذها في الشرق. وقد كان من أهداف البرتغاليين محاولة الالتفاف حول العالم العربي لإنهاء سيطرته على حركة التجارة بين أوروبا وآسيا. وفي عام 1506 أرسلت تركيا أسطولاً عربياً لمقاومة البرتغاليين في المياه الهندية، ولكنه هزم.

كما وقعت سوقطرة وهرمز ومسقط في قبضة القوات البرتغالية، وبالتالي أحكموا سيطرتهم على الخليج. كما أقاموا قواعد في مسقط وقريات وصحار وقيلات للتصدير وجمع الضرائب. وقد ساهم شاه فارس بدور كبير في إضعاف النفوذ البرتغالي في المنطقة مستغلاً الظرف الدولي بوقوع البرتغال تحت حكم التاج الإسباني بداية من منتصف القرن السادس عشر.

كما كان لوصول الانجليز إلى المنطقة وتأسيس شركة الهند الشرقية عام 1600، ودخول الهولنديين على الخط بعد تخلصهم من الحكم الإسباني عام 1588 وتأسيسهم للشركة الهندية الهولندية عام 1620، دوراً حاسماً في إضعاف النفوذ البرتغالي في المنطقة.

وقد كان لتحول تجارة الشرق إلى الطريق البحري المباشر باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح دوراً كبيراً في حرمان العرب من مصدر مهم من مصادر ثروتهم، مما دفع بالمماليك في مصر إلى مهاجمة المراكز التجارية البرتغالية في الهند نفسها، إلا أنهم قد فشلوا في ذلك مما اضطرهم للارتداد للدفاع عن حدود دولتهم في مصر والشام والحجاز لاسيما مع اقتراب البرتغاليين من حدودهم الجنوبية في البحر الحمر الذي شهد تقارباً حبشياً ـ برتغالياً منذ العام 1513.

وقد كان من مبررات هذا التقارب رغبة الإمبراطورة الحبشية «هيلينا» في الحصول على مساعدتهم لوقف النشاط الإسلامي حول ممتلكاتها، بعد استيلاء «مملكة عدن» على إقليم «هرر»، إضافة إلى سيطرتهم على طريق الحبشة إلى البحر الأحمر. وقد كانت موافقة البرتغاليين على ذلك لإيجاد مراكز بحرية في البحر الأحمر لمهاجمة الحجاز ومصر.

ثم يشرح المؤلف دور الدولة العثمانية في تأمين البحار العربية، حيث كان دخول العثمانيين إلى العراق عام 1534 عاملاً محفزاً للسلطان «سليمان القانوني» لمجابهة البرتغاليين لاسيما مع وصول نفوذه إلى سواحل الخليج العربي. وقد أرسل سلطان «كوجرات» الهندية عام 1537 في طلب المساعدة من السلطان سليمان الذي أعد الحملة بقيادة «سليمان باشا الخادم» عام 1538، إلا أنها فشلت في مواجهة التفوق العسكري البرتغالي. وقد أعاد العثمانيون الكرة مرة أخرى عام 1546 للاستيلاء على هرمز، ولكنهم فشلوا للمرة الثانية أيضاً.

وفي عهد السلطان «مراد الثاني» قام العثمانيون عام 1581 بالإغارة على مسقط من البحر، وبمساعدة السكان المحليين من البر وتم الاستيلاء على المدينة وهزيمة الأسطول البرتغالي وبالتالي تحطمت القوة البحرية بالميناء وقد مكن ذلك العثمانيين من غلق البحر الأحمر وقطع الطريق بين البرتغاليين والحبشة.

ثم يتناول الكتاب علاقة الدولة الصفوية (نسبة إلى الجد الأكبر صفي الدين الأردبيلي) بالبرتغاليين في الخليج والتي كانت بدايتها في عهد الشاه إسماعيل والذي وطد علاقته بهم ليتيح لنفسه القدرة على التحرك لقمع حركات العصيان المحلية، ولمجابهة الدولة العثمانية في أقاليمها الحدودية من ناحية أخرى.

وفي عهد الشاه عباس الأول تغيرت الظروف الدولية والمحلية فاستطاع عقد تحالفات مع الدول الأوروبية المتربصة بالبرتغال مثل بريطانيا، وبدأ بالاشتباك مع القوات البرتغالية بالبحرين وبندر عباس عام 1601، كما حرر جزيرة كيش.

وقد كانت إجراءات الشاه عباس الأول لإنهاء حروبه مع العثمانيين عام 1618، وعقد التحالفات الأوروبية، واستغلال الظرف الدولي بسقوط البرتغال تحت الحكم الإسباني، عاملاً محفزاً ومرحلة تجهيز للاستيلاء على هرمز من قبضة البرتغاليين.

ويشير الكتاب لأهمية احتكار التجارة وخاصة تجارة الحرير كمحرك للكثير من الأحداث السياسية والعسكرية، وقد كان لقوة شركة الهند الشرقية التابع لبريطانيا دوراً كبيراً في عقد التحالفات البريطانية ـ الفارسية من جهة، والحروب الفارسية ـ البرتغالية الإسبانية من جهة أخرى، وعقد اتفاقية عام 1622 لتقسيم عوائد التجارة وكيفية احتساب الضرائب الجمركية على البضائع الانجليزية.

ثم يستعرض المؤلف علاقة عمان بالبرتغاليين في الخليج في عهد اليعاربة بقيادة الإمام «ناصر بن مرشد» والذي انتهز فرصة الضعف العام لقوة البرتغاليين وأنزل بهم أول هزيمة في موقعة «طوي الدولة»، وقد نجم عن تلك الموقعة عقد صلح ينم عن ضعف واضح في سيطرة البرتغاليين على الأوضاع بالمنطقة. وقد شجعت تلك الأحداث الإمام للتدخل في سمائل ومسقط ومطرح وقريات وصحار وبوشر عام 1650.

وهكذا اتسعت سلطة الإمام لتشمل عمان بالكامل. وقد كان لقوة الأسطول العماني دوراً فاعلاً في مطاردة البرتغاليين بحراً وإخراجهم من سواحل المحيط الهندي وشرق أفريقيا تماماً. وعلى الجانب الآخر سادت علاقات الود ما بين الهولنديين والعمانيين مما أدى لتضخم حجم التجارة الهولندية بالمنطقة، وإقامة وكالة تجارية لهولندا في «جومبرون» أو «بندر عباس» فيما بعد.

كما ساد التوتر العلاقات العمانية ـ الفارسية بسبب عدم وجود قوة إسلامية خليجية كبرى تمثل مرجعية لحل الخلافات المحلية. وقد كان للموقف الفارسي المهادن للبرتغاليين في حربهم ضد عمان أثراً كبيراً في هذا التوتر، مما دفع الإمام «سيف بن سلطان» لمحاربة الفرس في مياه الخليج العربي. وعلى الجانب الآخر من الصراع وقف الانجليز وبشكل جزئي على الجانب العماني ولكن بحذر شديد خشية من إقصاء النفوذ البرتغالي والفارسي بالمنطقة، وإحلال النفوذ العماني محلهما.

ثم يستعرض الكاتب الاحتكارات الأوروبية بمنطقة الخليج العربي والتي أتت على أنقاض الإمبراطورية البرتغالية، حيث كان التركيز البريطاني والهولندي على ثروات المنطقة من المواد الخام وتصديرها إلى مراكز التوزيع في جنوة والبندقية وصقلية وصولاً إلى أوروبا. وكان هذا الاحتكار يتم في إطار صفقات تجارية بين الشركات الممثلة لتلك الإمبراطوريات والحكام المحليين خاصة حكام فارس.

كما اختلف أهمية المراكز التجارية لتلك الاحتكارات بحسب نوع المنتج محل التجارة (الحرير ـ العطور ـ التوابل ـ العقاقير ـ اللؤلؤ) حيث ركز الهولنديون والبرتغاليون على موانئ الهند الشرقية، بينما انصب تركيز الانجليز على مراكز الخليج العربي مثل بندر عباس وجاسك وهرمز ومسقط.

وقد كان للدعم الملكي للشركات البريطانية في الشرق أكبر الأثر في زيادة نفوذها التجاري بالمنطقة. وقد اعتمدت الشركات البريطانية على مبادلة الصادرات الانجليزية من الأقمشة والمنسوجات والعملات الفضية أو الذهبية بالمنتجات الخام المحلية، أما الهولنديون فقد اعتمدوا على التبادل التجاري في الشرق على المنتجات الشرقية نفسها لا على الصادرات الأوروبية أو العملات النقدية.

فكانت الشركة الهندية الهولندية تقايض البضائع المستوردة من كوجرات بالفلفل، والذهب على ساحل سوقطرة، والريالات في الجزيرة العربية، وتقايض الفضة والفلفل في بنتام بالبضائع الصينية، وتحصل على الفضة من اليابان باستبدالها بالبضائع من الصين. وقد حاول البرتغاليون صد المنافسين الجدد ولكن دون جدوى. وفي منتصف القرن السادس عشر فقدت البرتغال معظم أجزاء إمبراطوريتها البحرية، ولم يعد لها سوى جيوب صغيرة على الساحل الإفريقي والهندي.

والجدير بالذكر في تلك الحقبة هو أن عمان قد انتهزت فرصة انشغال الدول الأوروبية بصراعاتها في شبه القارة الهندية لتتهيأ لإنشاء إمبراطوريتها التي توغلت في المحيط الهندي وحتى الشرق الإفريقي.

محمد جمعة

*الكتاب: علاقات الدول الأوروبية بمنطقة الخليج العربي

*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2007

*الصفحات: 182 صفحة من القطع الكبير