إذا أردت أن تعرف رأياً مباشراً للقراء في قضية ما، تابع تعليقاتهم على شبكة الانترنت وستجد الآلاف منها، تعليقات سياسية بالدرجة الأولى ترى فيها كل فئة أنها أفضل من غيرها، وتحيل فكرة الأمة الواحدة إلى وهم تطبقه الأجيال الجديدة خير تطبيق تحت بند «تعليقات القراء».
لقد كشفت شبكة الانترنت عن حقيقة خطيرة مقامها التناحر والتفضيل والأهمية لبلد عربي على آخر، وبحسب الخبر يكون التعليق ساخناً، فالمصريون يرون في أي خبر عن الدراما السورية هو مجرد طفرة سرعان ما تزول، والخليجيون يشكون من تعامل العرب معهم في المطارات والأسواق خلال موسم السياحة، والعراقيون يفرزون سياسييهم وكتّابهم حسب الأسماء ويرجعونها إلى طائفة ما للنيل منهم، واللبنانيون يتمذهبون مع آخر تصريح لزعيم إعلامي فيناصرونه على مبدأ «كل الحق على الطليان» والذي تم استبداله ب«كل الحق على السوريين».
تعليقات القراء تحال إلى فئة عمرية محددة، حيث أن جيل الشباب أكثر تعاملاً مع الشبكة من جيل الآباء، لذلك تكشف تعليقاتهم عن تربية سياسية معينة قليلها إيجابي وكثيرها سلبي، وإذا طال خبر ما شأناً إسلامياً تجدهم كوقع «الصياصي في النسيج الممدد» يثيرون الغبار والضجيج، وكأنهم يؤكدون صحة الخبر، أو لا يستطيعون تكذيبه بسبب طرقهم الغوغائية في الدفاع عن مقدساتهم.
وإذا كانت العربة الفارغة أكثر جلبة من المليئة على رأي شكسبير، فإن الأخبار والتقارير السخيفة لها النصيب الأوفر من التعليقات والردود، وكثيراً ما تكون في مستوى ضحل وركيك الصياغة لا يكشف فقط عن تعليم متردٍ، بل أيضاً عن قلة معرفة عامة في شؤون الحياة فتراهم ينقون على الشبكة نقيقاً مثمراً لأصحاب تلك المواقع، ويدر عليهم وافر النعمة لنشر أخبار مثيرة أو ذات أبعاد إشكالية، وآخرها رأي حسين فهمي بالممثلين السوريين وما تبعه من حرب مسحت الأخضر واليابس من بلد الوحدة.
ويميل معظم كتاب التعليقات إلى تورية أسمائهم وعدم الإفصاح عنها، لأن طبيعة التعليق تحتاج إلى شخصيات خفاشية وليس إلى أسماء صريحة تدافع عن رأيها وتنتصر للحقيقة. ويفصح كل ما تقدم عن تربية سلوكية وأخلاقية متدنية لشريحة كبيرة من رواد المواقع الالكترونية وخاصة أصحاب التعليقات، والتي لا توفر قضية إلا وتدلي بدلوها فيها، إنها ثقافة الاختباء، ثقافة التواري خلف الباب وعدم الإفصاح عن الشخصية، وتأكيداً لذلك كل أصحاب التعليقات يستخدمون أسماء مستعارة، ولكان الرأي لا قيمة له.. إذاَ ما جدوى المطالبة بحرية الرأي وهناك من يخجل من رأيه؟.