يعتبر هذا الكتاب أضخم مرجع صدر عن الأدب الايرلندي المعاصر حتى الآن. وهو يتألف من جزأين كبيرين: الأول يغطّي المرحلة الممتدة منذ البداية وحتى عام 1890، والثاني يغطي المرحلة الممتدة من عام 1890 وحتى عام 2000. وقد ساهم في تأليفه العديد من الباحثين والمختصين. وأشرفت عليه السيدة مارغريت كيلهير والسيد فيليب اولياري. والأولى هي أستاذة الآداب في الجامعة القومية لإيرلندا، وأما الثاني فهو أستاذ في كلية بوسطن. الجزء الأول من الكتاب يحاذي الثمانمئة صفحة من القطع الكبير، وأما الثاني فيحاذي السبعمئة صفحة. وقد تناول المؤلفون فيه كل مراحل الأدب الإيرلندي منذ العصور الوسطى أو حتى قبلها إلى اليوم.
ومنذ البداية يقول المشرفان العامان على الكتاب ما معناه: إن الأدب الإيرلندي هو جزء من الأدب الانكليزي وبخاصة في الفترة المعاصرة. ولكن له خصوصيته أيضا. هذا وقد أنجبت ايرلندا بعضا من كبار الكتاب والشعراء، نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: أوسكار رايلد (1854-1900)، ويليام بتلر ييتس (1865-1939)، جيمس جويس (1882-1942)، صموئيل بيكيت (1906-1989)، الخ. وجميعهم من أعلام الأدب العالمي. وفيما يخص ييتس يقول المؤلفون بأنه أكبر شاعر أنجبته ايرلندا في تاريخها كله. وهو ينتمي إلى المرحلة الرومانطيقية التي سبقت المرحلة الواقعية الحديثة التي ستزدهر على يد ت. س. ايليوت وعزرا باوند وسواهما.
وبما أنه ولد في ايرلندا ذات الطبيعة الخلابة والمناظر الساحرة فإن كل ذلك انعكس على شعره ولوّنه بألوانه. والواقع أن قصائده الأولى تنضح بحب الطبيعة، والتغني بالوحدة في أحضانها. كما وتمتلئ بالحديث عن عزلة الشاعر بالقياس إلى المجتمع، والميل إلى الحنين والحزن العميق، والاستغراق في الحلم، والتأملات، واحتقار النزعة المادية، والميل إلى الصوفية والروحانيات.
ثم يردف المؤلفون قائلين: كان ييتس يعتقد بأن الانخراط في الممارسة السياسية على أهميته لا يشكل الهدف الأساسي. فالمعنى الحقيقي للحياة موجود في مكان آخر. وكان يقول بأن الحقيقة ذاتية. فما ينطبق على هذا الشخص قد لا ينطبق على شخص آخر. وبالتالي فلكل حقيقته، لكل تجربته الفريدة من نوعها في هذه الحياة.
في الواقع أن الشاعر مثل كل الرومانطيقيين كان يبحث عن الهرب من الواقع وإلقاء نفسه في أحضان الطبيعة لكي ينسى جحيم المشاكل وهموم الحياة، على الأقل في المراحل الأولى من عمره. ومعلوم أن معظم الشعراء حساسون جدا وبحاجة إلى الخلوة لتصفية حساباتهم مع أنفسهم.
هذا وقد زار باريس عام 1894 والتقى هناك ببعض الشعراء وبخاصة فيرلين. وقد أعجبته باريس جدا كبقية الكتاب والفنانين الذين يزورونها عادة. وكان فيرلين آنذاك في أواخر حياته بعد أن نصبوه أميرا للشعراء.
وكلن ييتس أصبح فيما بعد شاعرا واقعيا منخرطا في هموم الحياة السياسية، ولم يعد رومانطيقيا منعزلا في برجه العاجي أو في أحضان الطبيعة. أو قل بأنه كان هذا وذاك دفعة واحدة. والواقع أنه انخرط في النضال السياسي من أجل القضية الايرلندية.
وأما عن جيمس جويس الروائي الأشهر في تاريخ ايرلندا فيقول الكتاب ما معناه: ولد جويس في إحدى ضواحي دبلن عام 1882. وكان أول كتاب أصدره بعنوان: صورة الفنان في شبابه (1916). وهي رواية تحكي السيرة الذاتية للمؤلف في الواقع. وهي تشرح لنا التطور الروحي لجويس وكيف أصبح كاتبا.
وكان جويس من عائلة غنية ولكن والده أهدر ثروته نظرا لإمعانه في السكر والشراب. وأما أمه فكانت حنوناً جدا ولكنها حزنت كثيرا لأن ابنها ابتعد عن المذهب الكاثوليكي. فعائلته كانت كاثوليكية على عكس عائلة ييتس التي كانت بروتستانتية. نقول ذلك ونحن نعلم أن الصراع المذهبي مزّق ايرلندا على مدار التاريخ تماما كما يمزق الصراع المذهبي السني-الشيعي العراق حاليا. ولم تتخلص ايرلندا من هذا الصراع المدمر والحرب الأهلية إلا مؤخرا. وقد دفعت ثمنه باهظا على مدار القرون.
ثم يردف المؤلفون قائلين: ولكن جيمس جويس كان ينتمي إلى جيل علماني لم يعد يهتم بالدين إلا كروحانيات أو تساؤلات ميتافيزيقية. ولم يعد يمارس الطقوس والشعائر المسيحية كما كانت تفعل الأجيال السابقة. يضاف إلى ذلك أنه مشغول بالأدب والإبداع والكتابة الروائية وليس عنده الوقت الكافي لممارسة الطقوس والشعائر التقليدية التي لا يرى أي ضرورة لممارستها أصلا. فالشاعر أو الكاتب له طقوسه الخاصة وهي تكفيه.
وقد صفى جويس حساباته مع والده في رواية بعنوان: «بورتريه»، حيث صور بطل القصة أيضاً على أساس أنه شخص لا مسؤول مثل والده. وهذا أكبر دليل على مدى ارتباط الأدب بالحياة. فالكاتب يستمد مادته الغذائية من أحداث عائلته وحياته بالضرورة وإن كان يحوّر فيها ويعدل لكي تصبح قابلة للاندماج في العالم الروائي.
وفي عام 1898 دخل جويس إلى جامعة دبلن حيث درس الأدب الانكليزي والإيطالي والفرنسي. ومنذ ذلك الوقت عرف أنه سيصبح كاتبا أديبا ولا شيء آخر. فالأدب كان عبادته في الواقع. وقد قرأ في تلك الفترة فلوبير، ودانتي، والفيلسوف جيوردانو برينو الذي قتلته الكنيسة إبان محاكم التفتيش السيئة الذكر.
وفي عام 1920 هاجر جيمس جويس إلى باريس حيث أصبحت مقر إقامته حتى نهاية حياته تقريبا. وفيها أكمل روايته الشهيرة «أوليس» التي كان قد ابتدأها منذ عام 1914 ولم تنته إلا عام 1922. وهذا يعني أنها استغرقت منه ثمان سنوات بالتمام والكمال. وهي رائعة حياته وقمة الأدب الروائي العالمي الحديث. إنها ملحمة حقيقية على غرار ملحمة أوليس لهوميروس ولكن بشكل آخر بالطبع.
وعندئذ عرف جويس حياة الشهرة والمجد. ولكن سعادته لم تكتمل بسبب المرض العقلي الذي أصاب ابنته «لوسيا» التي انتهت مجنونة في المستشفى. وقد أثر عليه هذا الحادث كثيرا ونغّص عيشه. وهكذا ثبت مرة أخرى أن الحياة تأخذ بيد ما تعطيه باليد الأخرى.ومعلوم أن جويس تعرف في باريس على شاب إيرلندي مثله يبحث عن الشهرة والأدب واسمه الذي لم يكن يعني شيئا في تلك الفترة هو: صموئيل بيكيت. وقد أصبح بيكيت سكرتير جويس وعنه أخذ الكثير قبل أن يصبح هو بدوره كاتبا كبيرا وحائزا على جائزة نوبل لاحقا.
وقد ولد مثل جويس في محافظة دبلن ولكن بعد عشرين سنة بعده أو أكثر (1906). وكان من عائلة بورجوازية بروتستانتية على عكس جيمس الكاثوليكي. ولكن هذا الاختلاف المذهبي لم يفرق بينهما، على العكس. فالأديب كان أقوى من كل شيء. يضاف إلى ذلك أن كليهما كان خارج الكنيسة ولا علاقة له بها. كلاهما لم يكن متدينا بالمعنة التقليدي للكلمة. وبالتالي فلا معنى للطائفية بالنسبة لهما.
وعندما كانوا يسألون بيكيت بعد أن يسمعوه يتحدث بالانكليزية: إذن فأنت انكليزي؟ كان يجيبهم: لا، على العكس! وهذا أكبر دليل على حجم العداء المستعمل بين الانكليز والإيرلنديين على مدار التاريخ.
ثم يردف الكتاب قائلا: على الرغم من كل رواياته إلا أن صموئيل بيكيت اشتهر بقطعة مسرحية قصيرة تدعى: بانتظار غودو. وهي إحدى روائع مسرح العبث أو اللامعقول.
ومعلوم أن النقاد يصنفونه داخل هذه الخانة مع اونيسكو، وأداموف، وآخرين. والواقع أنه عبر فيها عن عبثية الحياة. فبطل المسرحية أو بالأحرى أبطالها ينتظرون دائما شيئا لا يجيئ، أو حدثا لا يحصل. وهكذا نمضي حياتنا في الانتظار المجاني الذي لا معنى له. ثم يجيئ الموت بعدئذ لكي يختتم هذه الحياة التي أمضيناها في الانتظار العبثي. وبالتالي فالحياة عبث في عبث، وباطل وقبض الريح.
وأخيرا فإن الكتاب بجزأيه الضخمين يتجاوز كل تلخيص أو عرض. فهو يتحدث عن تاريخ الأدب الايرلندي إبان العصور الوسطى، ثم في عصر النهضة والإصلاح الديني، ثم في العصر الكلاسيكي أو القرن السابع عشر، ثم في عصر التنوير أو الثامن عشر، ثم في العصور الحديثة، أي القرنين التاسع عشر والعشرين. إنه مليئ بالمعلومات والتحليلات عن أدباء ايرلندا ومفكريها وشعرائها وكتّاب الرواية والمسرح، الخ. وهو يربط كل ذلك بتاريخ ايرلندا من جهة ثم بالأدب الانكليزي العام من جهة أخرى. وبالتالي فالكتاب يشكل موسوعة ضخمة لمن يريد أن يتعرف على أحد الآداب الكبرى في أوروبا.
*الكتاب: الأدب الإيرلندي
*الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج - 2007
*الصفحات:1500 صفحة من القطع الكبير
Irish literature
Margaret Kelleher and Philip O'Leary
Cambridge University Press 2007
p.1500

