مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والصحافي الإنجليزي جون ديكي، وهو مختص بالدراسات الإيطالية في جامعة لندن، كما أنه مؤلف العديد من الكتب عن المجتمع الإيطالي. وقد صدر كتابه الأخير هذا في أكثر من عشرة بلدان وحظي بنجاح قل نظيره في المكتبات العالمية وكان من أكثر الكتب مبيعا. وكثيرا ما تدعوه مدارس باليرمو لكي يلقي المحاظرات فيها ويحذر الشبيبة من أساليب المافيا وتأثيرها السيئ على الناشئة وأعمالها القذرة والإجرامية.
يتألف كتابه هذا الذي أصبح مرجعا في كافة الملفات العالمية من مقدمة عامة واثني عشر فصلا. في الفصل الأول يتحدث المؤلف عن نشأة المافيا بين عامي 1860-1876. وفيه يستعرض النشأة الأولى لصناعة العنف والرعب، أي تشكيل المافيا ذاتها. كما ويشرح لنا كيف اتخذت اسمها لأول مرة. أما في الفصل الثاني من الكتاب فيتناول المؤلف تاريخ المافيا بين عامي 1876-1890. وهنا يقول بما معناه: لقد أصبحت المافيا آنذاك أداة للحكم المحلي، أي أداة في يد السلطة لتخويف الناس وحكمهم. أما في الفصل الثالث فيتحدث المؤلف عن الفساد والذي أصاب الحكام والطبقات العليا في جزيرة صقلية وربما في إيطاليا كلها. وهنا يصور لنا المؤلف كيفية ظهور نوع جديد من رجال السياسة في البلاد. أما الفصل الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: الاشتراكية، والفاشية، والمافيا بين عامي 1893-1943.
ثم يتناول المؤلف في الفصل الخامس من كتابه القيم هذا كيفية هجرة المافيا من صقلية إلى الولايات المتحدة للاستقرار فيها وتشكيل مافيا جديدة هناك لا تقل خطورة عن المافيا الصقلية إن لم تزد. وقد حصل ذلك بين عامي 1900-1941. ومعلوم أن المافيا الأميركية هي المتهمة باغتيال الرئيس كندي في دالاس. أو قل إنها كانت متورطة فيه بشكل أو بآخر بحسب آخر الدراسات والكشوفات.
ثم يواصل المؤلف في الفصول التالية حديثه عن المافيا طيلة الأعوام التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. ولكنه يحذرنا منذ بداية الكتاب قائلا: إن المافيا هي عبارة عن تنظيم سري جدا جدا. وبالتالي فقد يكون شخص ما عضوا فيها دون أن تعرف حتى زوجته أو أولاده أو أبوه وأمه ذلك. فالمافيا تفرض على أتباعها أن يقسموا يمين الوفاء والسرية المطلقة ومن لا يلتزم بالسرية يقتل عاجلا أو آجلا.
ينتج عن ذلك أن ورود أسماء عائلات أو شخصيات المافيا في هذا الكتاب لا يعني إطلاقا أن كل من يحمل هذا الاسم هو من المافيا بالضرورة. نقول ذلك وبخاصة أن معظم الشخصيات المذكورة هنا توفيت ولكن تركت وراءها ذريتها وأقاربها. وهؤلاء ليسوا مستهدفين على الإطلاق لمجرد أنهم يحملون نفس الاسم الذي يحمله هذا العضو الكبير أو ذاك من أعضاء المافيا.
ثم يردف المؤلف قائلا:
لقد أصبحت كلمة مافيا إحدى الكلمات الإيطالية الأكثر شهرة في العالم بالإضافة إلى كلمة بيتزا، أو سباغيتي، أو أوبرا، الخ. وقد اغتنت مختلف لغات العالم بهذه الكلمات. ولكن الكلمة تدل على مجموعة من المجرمين المتواجدين ليس فقط في صقلية والولايات المتحدة وإنما أيضا في مختلف أرجاء العالم. ولهذا السبب فإنهم يتحدثون عن المافيا الروسية مثلا، أو المافيا التركية، أو اليابانية، أو الصينية، أو الألبانية، الخ. بمعنى آخر لقد أصبحت المافيا كونية للأسف الشديد في عصر العولمة الشمولية.
بالطبع توجد منظمات إجرامية أخرى في مناطق عديدة من جنوب إيطاليا. ولكن ولا واحدة منها تستطيع أن تنافس المافيا على القوة والجبروت والإجرام الكبير. كلها تعتبر ضعيفة تنظيما وقيادة وعدةً وعدداً بالقياس إلى المافيا الصقلية.
صحيح أن هذا الكتاب لا يتحدث إلا عن المافيا في جزيرة صقلية. ولكنه مضطر للتحدث أيضا عن فرعها الكبير المتولد عنها فيما وراء البحار: أي في نيويورك. فآل كابوني يعتبرون من أشهر قادة المافيا في العالم. ولا يمكن لك أن تتحدث عن المافيا في صقلية إذا لم تخصص صفحات طويلة لآل كابوني الذين أرعبوا العالم في أميركا، أو إذا لم تتحدث عن قائد آخر للمافيا الأميركية، لومي لوتشيانو.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد كانت الولايات المتحدة مرتعا خصبا لازدهار حركات الجريمة المنظمة على مدار القرنين الماضيين. والواقع أن المافيا لا تشكل إلا جزءا منها وليس كلها على عكس ما يتوهم الكثيرون. ولكننا لا نتحدث هنا إلا عن تنظيم المافيا. بل لا نتحدث عن المافيا الأميركية إلا من وجهة نظر المافيا الأم، أي المافيا الصقلية، فهي الأساس والمرجع حتى ولو كانت البنت قد نمت وكبرت وأصبحت أكثر أهمية من أمها.
ينبغي العلم بأن المافيا الصقلية كانت دائمة باحثة عن المال والسلطة. كانت تلهث وراءهما لهاثا دون أن تشبع منهما. من هنا ضراوتها وشراستها وميلها إلى القتل والإجرام لتحقيق قاربها. فإحدى صفات المافيا هي اغتيال معارضيها بدون أي مناقشة أو تأنيب ضمير أو تردد. فهذه أشياء لا تعرفها المافيا ولا تدخل في قاموسها. يضاف إلى ذلك أن التصفيات الجسدية عديدة داخل صفوف المافيا ذاتها. بمعنى أن كل جناح يحاول تصفية أعضاء أو قادة الجناح الآخر المنافس له على السلطة والمال والنفوذ. وبما أنه توجد عدة عائلات مافيوزية فإن الحرب بينها تظل مشتعلة أو قل ما ان تنطفئ حتى تشتعل من جديد.
ثم يردف المؤلف قائلا، والأنكى من ذلك هو أن المافيا تستطيع تصفية خصومها بشكل سري تماما ودون أن تقع في قبضة العدالة إلا نادرا. فبما أنها تمتلك تنظيما داخليا شديد الفعالية والسرية فإنها تستطيع أن تقتلك دون أن يعرف أحد أنها هي التي قتلتك أو دون أن يستطيع القضاة العثور على براهين تؤكد ذلك.
وأحيانا تلجأ المافيا إلى تصفية القضاة الكبار الذين يحققون عنها والذين أوشكوا على أن يمسكوها بالجرم المشهود. عندئذ ترسل لهم القتلة لتصفيتهم دون أن تخشى رد فعل الدولة أو البوليس. وهذا ما حصل عدة مرات ليس فقط في صقلية وإنما أيضا في مرسيليا بجنوب فرنسا. وهذا يعني أن المافيا قادرة على تحدي دول كبرى كالدولة الإيطالية والدولة الفرنسية.
وأكبر مثال على ذلك هو أنها هددت رئيس وزراء إيطاليا السابق بيرلسكوني أكثر من مرة. وقد اضطر إلى إرسال أولاده إلى مكان آمن خارج البلاد خوفا عليهم من ضربات المافيا. وكان ذلك قبل أن يصبح رئيسا للوزراء. والبعض يقول بأنه دفع سريا للمافيا وعن طريق بعض الوسطاء مبالغ ضخمة لكيلا يتعرضوا له أو لعائلته بسوء.
والواقع أن هذه هي أساليب المافيا في العمل. فهي تعيش على الابتزاز والتهديد من أصغر المستويات إلى أعلاها. بمعنى أنها تهددك كتاجر في الحي بالقتل أو بخطف أطفالك إذا لم تدفع لها عمولة معينة كل شهر مثلا. وعلى هذا النحو تزدهر المافيا وتمتلئ ميزانيتها بالفلوس. وعن طريق هذه الفلوس التي تتجاوز المليارات تستطيع المافيا أن تشتري رجال السياسة، أو الصحافيين، أو الموظفين الكبار، أو حتى القضاة ورجال البوليس والمخابرات. وطالما اكتشفنا أن هذا الرجل السياسي الكبير أو ذاك هو من المافيا أو له علاقات سرية معها.
وقد اكتشفوا أكثر من مرة وجود علاقات بين بعض كبار رجال السياسة الإيطالية وبين المافيا. ولكن هذا لا يعني أن كل الطبقة السياسية الإيطالية فاسدة. فهذا غير صحيح على الإطلاق. بل ويمكن القول بأن الساسة الإيطاليين الكبار وجهوا مؤخرا ضربات إلى المافيا.
وأخيرا يمكن القول بأن المافيا هي تنظيم سري جدا ومغلق على نفسه. بمعنى أنه لا يحق لأي شخص أن يدخل إليه مهما كان إلا إذا استوفى الشروط الضرورية لذلك. وهناك تدريب معين ينبغي على كل عضو جديد أن يمر فيه قبل أن يصبح عضوا رسميا بالفعل. وينبغي أن يقسم يمين الولاء للتنظيم. بل لا يكفي ذلك وإنما ينبغي أن يقوم ببعض عمليات التهديد أو حتى القتل لكي يقبلوا بدخوله إليها. بمعنى أنه ينبغي أن يمسكوا عليه شيئا خطيرا ما لكي يهددوه به في حالة أنه فكر في ترك المافيا أو الانقلاب عليها.
*الكتاب:تاريخ المافيا الصقلية
*الناشر:كورونيت بوكس - نيويورك 2007
*الصفحات : 528 صفحة من القطع الكبير
A history of sicilian mafia
John Dickie
Coronet Books- New York 2007
p.528
