مؤلفة هذا الكتاب هي الأستاذة الجامعية «كاترين كوليو ـ تيلين» التي تدرس في جامعة «رين» الأولى، والتي تتميّز بتبحّرها في ميدان الفلسفة وعلم الاجتماع، وباختصاصها بعديد من المفكرين الكبار الألمان مثل «هيغل» و«ماركس» و«فيبر». لقد قدمت الدكتورة «كوليو ـ تيلين» عدة أعمال فكرية منها: «من المجتمع إلى علم الاجتماع»، «دراسات حول ماكس فيبر»، «زوال الأوهام عن الدولة».
ولد ماكس فيبر في ألمانيا عام 1864 داخل أسرة صناعية بروتستانتية كانت تهتم بالسياسة. فلقد كان والده نائبا في البرلمان البروسي ثم نائبا في البرلمان الألماني، مما كان له أشد التأثير على توجهات فيبر الشاب وطوال حياته حتى وفاته عام 1920. والملاحظ أيضاً هي الدراسات التي قام بها في «برلين» ثم في «هيدبرغ» وبعدها في برلين، وتلمذته على يد مفكرين مرموقين في الاقتصاد والفلسفة والتاريخ والحقوق، وامتلاكه لعدة لغات أجنبية كالفرنسية والانكليزية والإيطالية والاسبانية والروسية. وسواء بسبب وسطه العائلي أم نتيجة الدراسات التي قام بها فإن فيبر واحدا من الشخصيات البارزة التي جمعت بين عالم الفكر وعالم السياسة بآن واحد.
وكما تشير الكاتبة فإن أعمال فيبر الفكرية قد عانت ما عانته غيرها من الأعمال لمفكرين كبار. فمثلا لم تترجم بعض كتبه إلى الفرنسية إلا في وقت لاحق لوفاته وبوجه التحديد منذ نهاية الخمسينات: العالم والسياسي (1959)، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية (1964)، مبحث حول نظرية العلم (1965)، اليهودية القومية (1970).
كما أنه لم تتم متابعة ترجمة كتبه والاهتمام بها والشروح عليها إلا في وقت قريب: سوسيولوجيا الأديان (1996)، الاقتصاد والمجتمع في العصور القديمة (1988)، علم اجتماع الموسيقى (1998)، الكونفوشيوسية والتاوية (2000). والنتيجة أن أعمال فيبر قد دخلت الجامعات وانتشرت في الأوساط الثقافية وأصبحت «برنامج معرفة» في ميادين العلم والأديان والفن والثقافة.
لهذا تتعرض الكاتبة إلى هذه الأعمال لتعريف القارئ بها بشكل منهجي واضح، ولننتقل بعدها إلى مسألة «العلوم الإنسانية» التي يعتبرها فيبر «علوما تاريخية» أو «علوم ثقافة»، وما يطبعها من خصوصيات وعلاقات فيما بينها.
وتتوقف «كوليو ـ تيلين» عند «الأمثلة ـ النماذج» التي يستخلصها فيبر ويوضحها في العديد من الميادين التي تناولها، وذلك كنماذج معرفية مجردة إلا أنها تقوم على معطيات تاريخية وملموسة بآن واحد.
فعلى المستوى السياسي يقدم فيبر نماذج السيطرة السياسية الشرعية التي سادت. فباعتبار أن «التنظيم السياسي لأي مجتمع كان هو دائما طراز سيطرة (الأمر الذي لا تنفيه الديمقراطية نفسها) وأن المصلحة أو العادة أو العقاب يساهم بشكل واسع في توفير طاعة المحكومين، فإن الشرعية كلحظة مؤسسة للسيطرة تختلف باختلاف الاعتقادات القائمة وتتباين طبقا لأنماط ممارسة السلطة السياسية. ثمة إذن ثلاثة أنواع من شرعية السيطرة:
ـ السيطرة القانونية أو العقلانية التي تقوم على شرعية القوانين أو حق إصدار التعليمات والأوامر باسم هذه الشرعية.
ـ السيطرة التقليدية التي تقوم على الاعتقاد بقدسية التقاليد أو حرمة الأعراف وبالتالي بشرعية من يمارسون السلطة باسمها.
ـ السيطرة التي تعتمد على طاعة المحكومين لشخصية فذة دينية أو لشخصية بطولية وما تتمتع به من مزايا فردية وفريدة.
كما وتتوقف الكاتبة لدى مسألة «الفعل الاجتماعي»، الذي يشكل موضوع علم الاجتماع ويطالب الباحث بتفهمه أولا لكي يستطيع تفسيره ثانيا. كيف؟ إذ ذلك يتم بمعرفة ما يعطيه الفاعلون الاجتماعيون من معنى ذاتي (خاص بهم) لما يقدمون به والتأثيرات المتبادلة فيما بينهم. ولهذا فإن الفعل الاجتماعي يقوم على قاعدة هؤلاء الفأعلين أنفسهم (أفرادا أم مجموعات) ويتمتع بنوع من العقلانية باعتباره يجري تمشيا مع الحاجات والمقاصد والقيم التي يستهدفون تحقيقها.
وفي معرض تأثير القيم والمعتقدات والأفكار على تصرفات البشر تشير الكاتبة إلى العلاقة التي أقامها فيبر بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية بوجه عام والتي وجدت بأشكال مختلفة في التاريخ، وإنما يعمل على إبراز السمات التي اتخذتها الرأسمالية بين القرن السادس عشر والثامن عشر في الحضارة الأوروبية تحديدا.
وإذا كان فيبر قد ثمّن أعمال «ماركس» ولم يتوقف عن القول أن «ملكية البشر في الماضي كما في الحاضر تظل مرتبطة بمصالحهم المادية» إلا أنه شدد بنفس الوقت على أن هذه الملكية تخضع أيضاً لما يحملونه من معتقدات وتصورات عن أنفسهم والعالم بما يؤثر في تحديد الأشكال التي تنخرط فيها دينامية المصالح المادية.
فالحاجات المادية تتحكم بتصرفات البشر مباشرة ولكن الحاجات الرمزية، سواء تعلقت بأنماط النجاة أم بطراز العلاقات الاجتماعية فيما بينهم أو بتسويغ الامتيازات التي يتمتع بها البعض، أو بالوعود التي تعطى لمن يحرمون منها» تشكل قوة اجتماعية فاعلة في تصرفاتهم. فهو في تشديده على عقيدة «الاصطفاء الإلهي» لدى البروتستانية لا يعيد نشوء الرأسمالية الحديثة إليها كليا بقدر ما يريد أن يبين الدور الفاعل لهذه العقيدة.
فالبروتستانية تقيم علاقة مباشرة بين المؤمن والله، وتطالبه بالتقيد بتعاليمه والاعتدال في العلاقات مع الآخرين والبحث عن رضا الله واصطفائه له - الاصطفاء الذي يبرز من خلال ما ينجح فيه من أعمال. ومن هنا فإن العمل الدؤوب والاستثمار والربح الذي يوفر الازدهار في حياة المؤمن هو الذي يؤمن له الاصطفاء وكعلامة عليه ويضمن له النجاة.
باختصار خلقت عقيدة الاصطفاء الإلهية البروتستانتية نزعة فردية ـ عملية في الحياة اليومية وعقلانية تهدف إلى سيطرة المؤمن على أقداره وعلى العالم المحيط به، وما يتطلب ذلك من مبادرات وتجسم أخطار ونشاط اقتصادي ومسؤولية فردية وتجديد دائم، الأمر الذي شكل تواعد ملكية للروح الرأسمالية الحديثة.
وبالرغم من وجود «تقاربات عديدة» بين البروتستانتية والإسلام، فإن هذا لم يقد إلى نشوء الرأسمالية الحديثة في البلاد الإسلامية (الأمر الذي انكب عليه عديد من المفكرين العرب).
إن فيبر وهو يعتبر أن «الإسلام قد أحدث تحولات ثورية غيرت مجرى التاريخ العالمي» يبيّن أنه ارتبط في مراحله الأولى بمسألة الفتوحات الأمر الذي جعله ينتشر سريعا بفضل «الفروسية العربية» وعقيدة «الاستشهاد الدينية» طريقا للنجاة في الآخرة.
إلا أنه مع انتهاء الفتوحات وما رافقها من عمران، فإن المسلمين بدأوا يتأقلمون مع المسلكيات والبنى الاقتصادية السابقة، بما في ذلك أشكالها التجارية والمالية، في وضع من انتشار «العقيدة القدرية»، و«إغلاق باب الاجتهاد» والحيلولة دون نشوء «قوانين زمنية» لا ترتبط «بالقانون المقدس».
وعلى مستوى آخر وفي الوقت الذي يشير فيه فيبر أن «الإسلام كعقيدة للأفراد لا تحول دون التصنيع» فإن التحولات التي حدثت في بنية الدولة والمجتع الإسلامي كانت عائقا في نشوء الرأسمالية. فلقد طغت السيطرة التقليدية على هذه البنية وتم البدء بالاستعاضة عن قسم كبير من الجيوش العربية. فبعد ما يقارب ثمانين عاما من قيام الدولة العباسية تم اللجوء إلى «جيوش عبيد تركية حصل عليها عن طريق الشراء» واستفحل الأمر وصولا إلى السلاجقة وذلك كسياسة متعمدة.
ولكن هذا كان يؤدي إلى منح قيادة هذه الجيوش الجديدة إقطاعات عقارية تديرها وتجبيها بعيدا عن أية عقلانية اقتصادية، وخلق نظام اقتصادي يسفي «انفقدت فيه كل الضمانات الحقوقية للشعوب الخاضعة لها» وبروز «كافة العقبات أمام تطور التجارة والإنتاج والمبادلات». والنتيجة تدهور المجتمعات العربية ـ الإسلامية.
لقد اكتشف المثقفون والمفكرون في فرنسا فيبر في نهاية أعوام الخمسينيات وانكبوا على أعماله مع نهاية الحرب البارحة، ألسنا نحن بحاجة إلى اكتشافه المعمق وضمه إلى قائمة «برنامج المعرفة» العربية الإسلامية اليوم؟؟
*الكتاب:علم اجتماع ماكس فيبر
*الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس 2006
*الصفحات:122 صفحة من القطع المتوسط
Sociologie de Max Weber
Catherine Colliot - Thélène
La Découverte - Paris 2006
p.122
