قام بتأليف هذا الكتاب كل من الباحثين الفرنسيين جان كلود بارو وغيوم بيغو. والأول هو مفكر وروائي وأستاذ جامعي يشرف على جامعة ليوناردو دافنشي، وأما الثاني فهو أستاذ في نفس الجامعة أيضا. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلفان عن الجغرافيا الطبيعية للكرة الأرضية. ولكن الكتاب لا يكتفي بذلك، وإنما يدرس أيضا بالتفصيل أحوال كل القارات والمحيطات والبحار والبلدان. ومعلوم أنه يوجد الآن في العالم أكثر من مئتي دولة وكل دولة تحظى بعناية المؤلفين ودراستهما الدقيقة.

ومنذ البداية يقول المؤلفان ما معناه: إنه لتناقض غريب الشكل ذلك الذي نلاحظه اليوم. فالفرنسيون لم يسافروا إلى الخارج في كل حياتهم أكثر مما يفعلون الآن من أجل السياحة. ومع ذلك فإنهم من أجهل خلق الله بعلم الجغرافيا. فعندما تسأل الفرنسي عن أسماء دول العالم فإنه يبدو عاجزا عن معرفة القسم الأكبر منها. نقول ذلك على الرغم من وجود مجلة مختصة بهذا الموضوع في اللغة الفرنسية وتدعى: الجغرافيا. يضاف إلى ذلك أن التلفزيون والانترنت وجميع وسائل الإعلام تتحدث بكثرة عن العالم الخارجي. ولكن الفرنسي العادي لا يعير أي اهتمام لذلك إلا فيما ندر. ولهذا السبب ألفنا هذا الكتاب المبسّط والسهل على القراءة من أجل أن يكتشف القارئ الفرنسي العالم الذي يعيش فيه.

فيما يخص مصر يقول الكتاب ما معناه: كانت مصر لفترة طويلة الباب الوحيد المفتوح للقارة الإفريقية على الخارج. ولكن بسبب النيل فإن مصر تعتبر إفريقية لا متوسطية. ولم يكن المصريون القدماء يحبون ركوب البحر أو الملاحة البحرية. ولذا كانوا يستخدمون الفينيقيين واليونانيين لهذا الغرض. المصريون هم أناس الداخل، أي أناس يستديرون بأنظارهم نحو الداخل لا الخارج، ونحو الأرض لا البحر. إنهم يعيشون حوالي نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة لديهم. إنهم يتمركزون حول دلتا النيل.

ولذلك قال عالم الجغرافيا اليوناني الشهير هيرودوت: إن مصر هي هبة النيل. بمعنى أنه لولا النيل لما كانت مصر. لولا النيل لما كانت مصر إلا قطعة من الصحراء المقفرة التي تصل مساحتها إلى مليون كيلومتر مربع. والواقع أنه يمكن اعتبار مصر بمثابة واحة ضخمة في صحراء شاسعة. وبالتالي فمساحة مصر المزروعة أو القابلة للحياة لا تتجاوز مساحة بلد صغير كبلجيكا، أي ثلاثين ألف كيلومتر مربع والباقي خلاء وصحراء. وهنا تكمن مشكلة مصر الحقيقية.

ثم يطرح المؤلفان هذا السؤال: من أي شيء تعيش مصر؟ ويجيبان من أربعة موارد: أولا النيل. فهو الذي يسقي البساتين ويؤمن الأرض الزراعية الخصبة للبلاد، ثانيا من التاريخ، أي من الآثار الفرعونية الشهيرة التي تجذب إليها السياح بالملايين سنويا. ثالثا من قناة السويس التي تمر فيها يوميا أربعون باخرة تجارية، وكل باخرة تدفع عمولة معينة كثمن لهذا المرور. رابعا وأخيرا من موقعها الإستراتيجي الذي يجبر واشنطن على دفع ملياري دولار لها سنويا. فمصر تلعب دورا كبيرا في تهدئة الصراع العربي الإسرائيلي أو محاولة حله.وضمن إطار هذه الواحة الطويلة التي هي مصر يتكدس سبعون مليون شخص. والكثيرون منهم يعيشون في المدينتين الكبيرتين: الاسكندرية (ستة ملايين نسمة)، والقاهرة (خمسة عشر مليون نسمة). وهي أكبر عاصمة في إفريقيا كلها دون استثناء.

وأما عن الجزائر فيقول الكتاب ما يلي: إنها تحتل القسم الأكبر من الشاطئ المتوسطي في بلاد المغرب الكبير. فشواطئها على المتوسط لا تقل عن ألف ومئتي كيلومتر. وهي شواطئ بكر لم تلوثها السياحة ولا يد للبشر فيها بعد كما حصل للبلدان السياحية.

ثم هناك الجبال المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط كالإطار وحيث توجد معظم المدن الجزائرية، كوهران، والعاصمة الجزائر، وبجاية، وعنابة. وعدد سكان الجزائر يصل الآن إلى خمسة وثلاثين مليون نسمة. وهم يعيشون في معظمهم على مساحة من الأرض تصل إلى ثلاثمئة ألف كيلومتر كيلومتر مربع قابلة للزراعة.

أما بقية الأرض الجزائرية فهي صحراء شاسعة. ولكن هذه المساحة الزراعية أكبر من مساحة مصر الزراعية بعشر مرات. وبالتالي فالجزائر بلد غني بإمكانياته الجغرافية والمادية. نقول ذلك وبخاصة أنه حتى الصحراء فيه مفيدة. لماذا؟ لأنها مليئة بالبترول والغاز. ومع ذلك فالجزائر لا تزال فقيرة ومتخلفة اقتصاديا، وكل ذلك بسبب سوء السياسة المتبعة منذ الاستقلال.

ولكن عندما تعرف الجزائر أن تستغل أوراقها ومواردها الطبيعية جيدا فإنها ستصبح واحدا من أغنى بلدان العالم العربي على الأقل. نقول ذلك وبخاصة أنه بلد جميل جدا. فقد حباها الله بالمناظر الطبيعية الخلابة. بقي أن نقول بأن مساحة الجزائر الكلية تقارب المليونين ونصف مليون كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة فرنسا بأربع مرات، وأكبر من مساحة سوريا بعشر مرات أو أكثر.

وبخصوص سوريا يقول مؤلفا الكتاب ما معناه: إن تركيبتها الجغرافية تذكرنا بتركيبة الجزائر فهي أيضا مشكلة من سلسلتين من الجبال، واحدة منهما تطل على البحر والثانية على الداخل. ولكن المدن الكبرى هنا ليست على شاطئ البحر وإنما في الداخل وتنظر باتجاه الصحراء لا البحر.

فمدينة حلب مثلا والتي هي أجمل مدن الشرق الأوسط قاطبة لا تتجه نحو البحر وإنما نحو الداخل. وقل الأمر ذاته عن المدن الكبرى الأخرى في سوريا كحمص وحماة ثم بالأخص العاصمة الرائعة دمشق.

أما دولة الأردن المتواجدة إلى الجنوب أكثر فهي في الواقع استمرارية لسوريا حتى البحر الأحمر. وقد فصلها عنها الانجليز من أجل تأسيس دولة بدوية صغيرة. ولا تزيد مساحة الأردن على تسعة وثمانين ألف كيلومتر مربع في حين أن مساحة سوريا تصل إلى مئة وخمسة وثمانين ألف كيلومتر مربع. وأما عدد السكان فيبلغ خمسة ملايين نسمة. ومعظمهم من الفلسطينيين، الشيء الذي يقلق فعلا السلالة الهاشمية الحاكمة. ومعلوم أنها تعتمد على ولاء القبائل البدوية لترسيخ حكمها.

ثم يردف المؤلفان قائلين: لقد أصبحت الأرض صغيرة وضيقة في عصر العولمة والانترنت. فرجال الأعمال أصبحوا يسافرون من بلد إلى آخر بسرعة البرق وبشكل متواصل. أصبح بعضهم يفطر في طوكيو ويتغدّى في لندن ويتعشّى في نيويورك. وأصبح الإنسان عن طريق الانترنت قادرا على التواصل مع مختلف زوايا العالم الأربع. والكثيرون يشتغلون مع عدة دول دفعة واحدة دون أن يزوروها بالضرورة. كل شيء يتم عن طريق الرسائل الإلكترونية.

نعم لقد قلّصت العولمة المسافات الجغرافية وربطت القارات والبلدان ببعضها البعض. وهذا شيء لم يكن معروفا سابقا. ففي الماضي كان يلزمك عدة أسابيع أو حتى عدة شهور لكي تنتقل من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى أخرى. وأما اليوم فتنتقل خلال بضع ساعات.

وكان الخبر يظل غير معروف من قبل معظم سكان الكرة الأرضية مدة عدة أشهر. نقصد الخبر الكبير كالحرب أو الزلزال أو الطوفان، الخ. أما الآن فإنه ينتقل بسرعة البرق بل وترى على شاشات التلفزيون كل ما يحصل على وجه الأرض من أحداث كبار أو صغار في اللحظة التي يحدث فيها. هكذا نلاحظ أن مفهوم الجغرافيا تغير في هذا العصر ولم يعد كما كان عليه الحال سابقا. ولكن هذا لا يعني أننا نعرف جميعا جغرافية كل البلدان. فكثيرا ما نمر عليها مرور العابرين دون أن نتعمق فيها.

*الكتاب: كل جغرافية العالم

*الناشر:فايار ـ باريس 2007

*الصفحات:412 صفحة من القطع الكبير

Toute la géographie du monde

Jean-Claude Barreau, Guillaume Bigot

Fayard- Paris 2007

p.412