يعاود سونتشاري جيتبليتشب التحري في الشرطة الملكية التايلاندية الذي قاد خطا القراء عبر روايتي «بانكوك 8» و«وشم بانكوم» ليطل في رواية جون بيرديت الجديدة «أشباح بانكوك». لقد رأى سونتشاي كل شيء خلال خدمته في مخفر شرطة الحي الثامن، ولكنه لم ير شيئاً كهذا الذي شاهده في شريط فيديو أرسله مجهول إليه، وهو يلخص الموقف بقوله: «هناك عدد محدود من الجرائم يجعلنا نخاف من تطور النوع الذي ننتمي إليه. وأنا أشاهد إحدى هذه الجرائم الآن».
وهو في واقع الأمر يشاهد فيلماً يتم قتل شخص أمام الكاميرا فيه بالفعل. والشخص الذي يحتضر أمام عينيه غير المصدقتين ليس إلا دامرونج، وهي امرأة أحبها يوماً كأشد ما يكون الحب، والآن أصبح جلياً أنه يحبها بلا انتهاء. وهناك شيء آخر إضافي، شيء في نهاية الفيلم، يترك سونتشاي حرفياً وفعلياً وقد هيمنت عليه الأشباح. وبينما يقوده تحقيقه عبر مكتب نقيب الشرطة الأريب فيكروم، الذي ينصحه بقوله: «لا تفسد قضية عظيمة بالكثير من النزوع إلى الكمال!» ويوقعه تحت تأثير كاهن جوال وبعيداً عن هذا التأثير، وإلى القاعات المذهبة لأكثر أندية الرجال اقتصاراً على أعضائها في بانكوك، والتي لا يتردد أعضاؤها في القيام بأي شيء لحماية هويتهم ولاستكشاف آفاق أكثر تصوراتهم الخيالية سرية، فإن هذا التحقيق يقوده أيضاً إلى غرفة نومه البسيطة، حيث يرقد إلى جوار زوجته الحامل، فيما أحلامه تمضي به إلى دامرونج.
ويحدثنا سونتشاي بقوله: «حتى العذاب العاطفي هو ظاهرة مضللة». ومن المؤسف أن هذا المستوى من الوعي يتجاوز مطال سونتشاي نفسه. يبدأ سونتشاي الرواية بمواجهة ماضيه ومستقبلنا غير المؤكد. والفيديو الذي أرسله إليه مجهول، والذي يشاهده في مستهل الرواية هو فيلم يتضمن جريمة قتل واقعية تحدث أمام الكاميرا، تروح ضحيتها دامرونج التي كانت تعمل مرشدة له يوماً في «نادي العجوز»، وهو النادي الذي كان سونتشاي يساعد أمه في إدارته عندما لا يكون مشغولاً في حل ألغاز الجرائم.
ولم تكن دامرونج موظفة سابقة تعمل في نادي أمه فحسب، وإنما كانت المرأة التي يحبها، والتي بدا أنها تسيطر على روحه. وكانت تربطهما تلك النوعية من العلاقات التي غالباً ما تنتهي إما بالانتحار أو بجريمة قتل، ولم يهجرها سونتشاي قط، ولن يكون الآن قادراً على هجرانها حيث طواها الموت، لكن شبحها يعاوده مطالباً بالانتقام لها.
ومن منظور الكثير من النقاد فإن «أشباح بانكوك» هي أفضل رواية أبدعها بيرديت في سلسلة رواياته التي تدور حول العاصمة التايلاندية، وأكثرها طرافة وغرابة وامتلاء بالأشباح. غير أن كل هذا الحديث عن الأرواح والأشباح لا ينبغي أن يفضي بالقارئ إلى الاعتقاد بأن بيرديت كتب رواية من روايات الرعب الفائقة للطبيعة، وإنما هي رواية مكتوبة من منظور البطل البوذي، الذي يشعر بأن الأشباح هي جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية.
وحبكة رواية «أشباح بانكوك» تدور حول صناعة البورنوغرافيا الدولية، بل إن المؤلف يلحق الرواية بملحق هو عبارة عن مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول الأسرار الوحشية لهذه الصناعة. وفيما سونتشاي وكيميرلي، محققة مكتب التحقيقات الاتحادية الأميركية التي جاءت إلى تايلاند بناء على طلبه، يتابعان مصدر الشريط الذي يحتوي جريمة قتل دامرونج، فإن رئيسه في الشرطة الملكية التايلاندية يقتحم المشهد، ونجد أنفسنا أمام شبكة معقدة من التداخلات في صميم الرواية حيث تتماهى الشرطة واللصوص، وتتداخل مفاجآت الأدلة الجنائية مع حضور الأشباح. ومن المحقق أن عشاق الألغاز والاسرار سيجدون في هذه الرواية ما يرضي فضولهم.
يلعب كل من الأشباح والمرح دوراً أكبر في هذه الرواية مما لعباه في روايات سونتشاي جيتبليتشيب. وغالباً ما ينبع المرح من اللغة التي يجعل بيرديت بطله يستخدمها، فرؤية سونتشاي للعالم هي قلب للرؤى الغربية رأساً على عقب، والنتائج التي تترتب على ذلك طريفة للغاية، حتى وإن كانت غالباً بالغة الغرابة. وعند أحد منعطفات الرواية فإن تشانيا، صديقة سونتشاي الحامل، تعرض عليه أن تشاهد معه شريط الفيديو المفزع، لأنها تعرف أنه سيثير ضيقه، ولكنه يطلب منها ألا تفعل ذلك، وهي تستجيب لما طلبه، فيقول: «لا يريد أي منا جدالاً، وقد اعتادت تشانيا على الهدوء كثيراً بحيث انها لا تريد تبديده على شيء تافه، مثل فيلم يتضمن جريمة قتل».
من المهم إلى حد كبير أنه في كتاب يتصور القارئ أنه يحفل بالجنس، فإن المؤلف يفلح في تجنب الإفراط والمبالغة والاضجار، ويرجع هذا إلى صوت سونتشاي، فهو صوت يتسم بالنزاهة والأمانة، ويمنح الكتاب نسيجاً مفعماً بالحيوية. وفي نهاية المطاف، تظل «أشباح بانكوك» رواية إثارة تدفعها قدماً سلاسل من الأحداث الغامضة الطبيعية والفائقة للطبيعة وأيضاً صوت يريد القراء الاستماع إليه على الدوام، وهو صوت سونتشاي الذي يغرق في الظروف التي أوجدت الفيلم الرهيب الذي يشاهده في بداية الفيلم، ويمضي القارئ معه في رحلة طويلة وصولاً إلى النتائج غير المتوقعة.
وهناك ذروة متوهجة بالحيوية والرعب في هذه الرواية تظل في أذهان القراء طويلاً بعد أن يصلوا إلى الصفحة الأخيرة من الرواية. ومن حسن الحظ أن أفضل ملامح المرح والحكمة التي يبدعها بيرديت تظل معنا حتى النهاية وما بعد النهاية أيضاً.
خوف
«هناك عدد محدود من الجرائم يجعلنا نخاف من تطور النوع الذي ننتمي إليه. وأنا أشاهد إحدى هذه الجرائم الآن. في غرفة مظلمة في مخفر شرطة الحي الثامن مع صديقتي الطيبة عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي كيمبرلي جونز، امتد أمامنا تلفزيون ذو شاشة سائلة تمتد عبر اثنين وأربعين بوصة من طراز توشيبا، بعيداً عن متناول الأشرار.
يستخدم الفيديو الذي أشترك فيه مع مكتب التحقيقات الفيدرالي كاميراتين جيدتين تقدمان معاً كل نوعيات اللقطات من اللقطات البعيدة إلى لقطات الزوايا واللقطات العريضة. ولقد قيل لي إن اثنين من الفنيين على الأقل قد شاركا في إنتاج هذا الفيديو. اللون رائع بفضل ملايين البكسلات التي تساهم في تظليلها البارع. ونحن ننظر إلى نتاج حضارة متقدمة كانت مجهولة بالنسبة لأسلافنا. وعلى الرغم من ذلك فإن كيمبرلي التي لا تنقصها الخشونة تندفع باكية، على نحو ما كنت آمل أنها ستفعل. لقد علقت الآمال على ذلك. وهي تلتفت نحوي، لتحدق فيّ، وقد اتسعت عيناها:
ـ قل لي إن ذلك ليس حقيقياً!
قلت: الجثة موجودة لدينا.
مقتطف من رواية «أشباح بانكوك»
*الكتاب:أشباح بانكوك
*الناشر: الفريد نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات: 308 صفحات من القطع المتوسط
Bangkok Haunts
John Burdett
Alfred Knoph - N.Y 2007
p.308
