أجرى موقع بورزوي ريدر الثقافي المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع الروائي البريطاني جون بيرديت بمناسبة صدور روايته الجديدة «أشباح بانكوك»، التي تشكل نوعاً من الاستمرارية لروايتيه السابقتين «بانكوك 8» و«وشم بانكوك»، حيث يلقي الضوء على جوانب مهمة في عالمه الروائي، وفي مقدمتها مفهوم البربرية الوظيفية التي يرى فيها مرادفاً للعولمة، والدور الذي تلعبه الروحانية في حياة أبطاله وتأثير إتقانه للغة التايلاندية على كتاباته، كما تطرق إلى الإحساس بالحاجة الماسة إلى التغيير الهيكلي وتأثير هذا الإحساس على حياة بطلات رواياته بصفة خاصة. وفيما يلي نص المقابلة:

* يشير سونتشاي جيتبليتشيب، بطل رواياتك التي تدور حول بانكوك، والذي يعمل تحرياً، إلى عصر من البربرية الوظيفية. ما الذي تقصده بهذا؟ ـ البربرية الوظيفية هي المرادف الذي يجعله سونتشاي لصيقاً بالعصر الحديث، بالعولمة في أكثر معانيها عمومية. ومن منظوره البوذي فإن بنية المجتمع الحديث بأسرها، التي تشمل بالطبع المناطق الحديثة في آسيا، لا تقوم على أساس الوهم بمعنى أن العالم المادي لا يعدو أن يكون خدعة بصرية فحسب، وإنما نوعا من الوهم الأخلاقي. فنحن معشر الغربيين نميل إلى النظر إلى أنفسنا باعتبارنا إنسانيين، حساسين، متعلمين، متنورين ، كرماء، ولا نريد إلا الأفضل للعالم الثالث.. إلخ. وبالنسبة لسونتشاي فإن هذا ليس إلا هراء غريبا. فوراء النجاح الذي لا شك فيه للعلم التطبيقي تتسم دوافعنا على نحو جوهري بالبربرية، وكنتيجة لذلك فإننا نفرز عالماً بربرياً يحركه الطمع والنزعة المادية على الرغم من كل نوايانا الحسنة.

*هل الجنس خير أم شرير في عالم سونتشاي؟ أم أن ذلك مسألة منظور فحسب؟ ـ هل لي أن أقترح أن تسأل نفسك لماذا تتوقع ثقافتنا من شيء أساسي مثل الجنس أن يكون إما خيراً أو شريراً؟ هل تعتقد أن الأكل خير أم شرير؟ في البوذية ليس هناك خير في حد ذاته أو شر في حد ذاته، وإنما هناك مستويات من الجهل تتراوح بين الأكثر كثافة والمستنير تقريباً. والجنس له جانب مختلف ووظيفة مختلفة عند كل مستوى.

* لماذا تعد عائلة دامرونج في روايتك ملعونة على هذا النحو؟ وبتعبير آخر لماذا تفرز مدينة إيساكيت الغارقة في الفقر أفراداً أكثر توتراً وشيطانية مثل عائلة دامرونج؟ في نهاية المطاف يبدو جيرانها فقراء بالقدر نفسه ولكنهم لا يصبحون شخصيات شيطانية؟.

ـ أعتقد أن المسألة الجوهرية هنا ليست الفقر بقدر ما هي القيم التي تتمكن عائلة ما من الحفاظ عليها والتمسك بها على الرغم مما تعانيه من فقر. وعائلة دامرونج، باعتبارها مجموعة من اللاجئين من كمبوديا الذين تضرورا على نحو ما من جراء الحرب الأهلية، تفتقر إلى الأمن الداخلي، أو إن شئت إلى الثقافة، بحيث يتاح لها مواصلة البقاء في مواجهة فقر طاحن من دون أن يفسدها هذا الفقر كلية. والشخصية الضعيفة للأبوين هي بالطبع عامل له تأثيره هنا.

ولكن أليس جزءاً من تجربتنا الشاملة أن أناساً ينتمون إلى الخلفية ذاتها ينتهي بهم الأمر إلى أن يكونوا مختلفين أشد الاختلاف حتى لو كانوا توأماً متطابقاً.

* كيف أثرت دراستك للغة التايلاندية على كتاباتك؟

ـ اللغة التايلاندية هي شكل شديد الكفاءة من أشكال الاتصال يميل إلى المضي مباشرة إلى المعنى المقصود من دون نحو مركب أو مفردات معقدة. وأنا أترك للقراء الحكم على ما إذا كانت كتاباتي قد استفادت من دراستي لهذه اللغة. لكنني أخشى أنها لم تستفد منها كثيراً.

* إنك توثق استلهامك للعبة الفيل. ماذا عن شبح دكتور سوباترا؟

ـ سألني أحد المعجبين بأعمالي خلال جولة من جلسات القراءة قمت بها في الولايات المتحدة عما إذا كان من الممكن أن أدرج المزيد من الأشباح في روايتي التالية. وقد كان من أبناء جنوب شرق آسيا، وعلى وجه التحديد من ماليزيا، حيث توجد أشباح تفوق ما هو موجود في تايلاند. وعندما فكرت في الأمر؟ أدركت أنه محق تماماً، فالأشباح تشكل جزءا بالغ الأهمية من الثقافة المحلية. ومن الصعب بصورة حرفية أن تجد امرأة تايلاندية لم تر شبحاً واحداً على الأقل في حياتها.

والرجال أكثر تحفظاً بقليل من النساء في هذا الصدد، ولكنك إذا سألتهم فإنهم سيقولون إنهم قد رأوا أشباحاً، فهي موجودة في كل مكان. وعلى الرغم من ذلك فإن مشكلتي أنني لم أصادف في الماضي، ولا أصادف حالياً أيا منها بنفسي. ولذا فقد حسمت الأمر، وخلصت إلى أنه ما من سبب يدعوني إلى ألا يكون لأشباحي بعد متعلق بالتقنية المتقدمة.

*تطرح تشانيا، زوجة سونتشاي، الاشارة المفاجئة إلى أن الحاجة ماسة في تايلاند إلى نوع من التغيير الهيكلي. فهل هي وحدها التي تعتقد هذا؟

ـ لقد قامت ثورة في تايلاند خلال العام الماضي، ولم يكن هناك منذ ذلك الحين شيء إلا النقاش المحتدم حول التغيير الهيكلي. نعم، هناك أسباب عديدة لكون تايلاند في حالة تحول وانتقال. وأحد هذه الأسباب الاستقلال الأفوي في صفوف النساء التايلانديات.

وهذه ليست نزعة نسوية بصفة عامة ـ فالآسيويات يملن طوعاً إلى التمسك بهوية نسوية، وتجنب ما ينظرن إليه على انه نزوع ذكوري ـ وهكذا فإن هناك شعورا بأن البنى والهياكل القديمة لا تؤدي مهمتها بصورة ناجحة، ولا يمكن جعلها تنطبق على الدولة الحديثة، فيما هي بشكل حصري تقريباً نتاج لمجتمع زراعي. وقد تكون المرأة سعيدة وهي تعيش حياة خشنة كربة بيت ريفية بسبب الإيقاعات المتراخية والتفاعل الاجتماعي مع النسوة الأخريات والعائلة الممتدة والإحساس العضوي بالانتماء إلى تلك الحياة الريفية.

وهي قد تكون أقل احتمالاً وتسامحاً عندما تجد نفسها في بانكوك في شقة صغيرة مع أطفال صغار بينما زوجها متوتر بصورة دائمة وبالتالي يشعر بالضيق، لأن الاقتصاد قد أجبره على أن يكون في وضعية شبيهة بوضعية العبيد. وبالإضافة إلى ذلك، فإنني أعتقد أن تايلاند تعاني من مشكلة كبيرة في غمار محاولاتها تحقيق المواءمة بين مبادئها البوذية وبين الديمقراطية الرأسمالية على نحو ما تتم ممارستها في الغرب وفي مناطق أخرى من آسيا.

* في روايتك «أشباح بانكوك»، كما في رواياتك السابقة التي تدور أحداثها في بانكوك، تلعب النزعة الروحانية دوراً مهماً بالنسبة للعديد من الشخصيات، هل لك في أن تحدد لنا في ضوء ذلك ما هو الفارق بين الثيرافادا التايلاندية والسحر الخميري؟

ـ لا وجه على الإطلاق للمقارنة بين هذين الأمرين، ذلك أن الثيرافادا هي الشكل التقليدي القديم من البوذية الذي ينتشر في أرجاء جنوب شرق آسيا، باستثناء فيتنام واليابان، اللتين تنتشر فيهما البوذية الماهايانية، والثيرافادا نزعة متقشفة، وتسعى إلى اتباع حياة خشنة ومتقشفة بمزيد من التدقيق، وهي تتبع شكلاً بسيطاً ومجرباً من أشكال التأمل. وبالمقابل فإن الماهيانية تشتهر في الغرب بأنها تمارس في التبت واليابان، وتتيح المجال لتفسير أكثر ليبرالية ولتطور أكبر.

وربما كان السحر الخميري تركيبا فاسداً من الهندوسية والبوذية المبكرة التي تعود إلى ما قبل القرن السابع عشر والشامانية المحلية في كمبوديا. وقد راجت إلى حد بعيد على المستوى الشعبي في مختلف أرجاء جنوب آسيا، ومن المؤكد أنها قد أثرت على تلك البلاد التي لها حدود مع كمبوديا. ويتعين علينا أن نتذكر أن الخمير كانت في الماضي الثقافة السائدة في الهند الصينية، ولا يزال قدر كبير من تلك الثقافة يؤثر في اللاوعي. والعمارة التايلاندية الكلاسيكية العائدة إلى مرحلة سوكوتاي/ أيوتيا، ذات الشهرة الذائعة، مستمدة من العمارة الخميرية، وبصفة خاصة بالطبع من عمارة أنكور وات.

* على أي أساس تقيم تصويرك في الرواية لصناعة السينما بأنها تحركها بصورة حرفية تجارة المخدرات؟

ـ التطور الزمني مهم هنا. فمنذ عهد ليس بالبعيد للغاية، وبالتأكيد خلال الثمانينات والتسعينات، كان سؤالك يمكن أن يبدو ساذجاً. وأنا أعترف بأنني قد استخدمت الطرح السائد القائل إن الكوكايين والسينما مرتبطان على نحو لا انفصام له في جوانب عديدة على امتداد وقت طويل. وهناك نقطة أخرى لابد من الإشارة إليها وهي أن المطلعين على بواطن الأمور يميلون إلى الموافقة على أن نسبة كبيرة من المال المتداول في السوق الدولي تضرب جذورها في الاقتصاد الأسود، وبصفة خاصة المخدرات، ربما تصل إلى الثلث. وهذه النسبة تصل إلى تريليونات الدولارات والتي شيدت بصورة حرفية مدناً بأسرها في الولايات المتحدة وبلاد أخرى. كيف يحتمل أن صناعة السينما بوصولها غير المحدود إلى التمويل الدولي لم تتأثر بالمخدرات؟

محطات في مسيرة بيرديت

*ولد الروائي البريطاني جون بيرديت في عام 1954، وعمل على امتداد أثني عشر عاماً في هونغ كونغ، في وظيفة حكومية أولاً ثم في مكتب محاماة، ثم قرر التخلي عن عمله كمحام والتفرغ لكتابة روايات التحري.

*انتقل للإقامة في فرنسا واسبانيا ثم عاد إلى هونغ كونغ، وقدم سلسلة من الروايات أبرزها «التاريخ الشخصي للعطش» و«الستة ملايين ثانية الأخيرة».

* حقق نجاحاً كبيراً بثلاث روايات تدور أحداثها جميعها في العاصمة التايلاندية بانكوك، وهي «بانكوك 8» و«وشم بانكوك» وأخيراً «أشباح بانكوك».

منى مدكور