يحاول هذا الكتاب لمؤلفه المغربي التجاني بولعوالي المقيم في هولندا وينخرط في عدد من الأنشطة المؤسسية التي تهتم بقضايا الجاليات المسلمة في الغرب أن يتناول بالعرض والتحليل للإشكالات العميقة التي تعتري وضع المسلمين في الغرب وإماطة اللثام عن المسكوت عنه من قضايا المسلمين في المهجر فيكشف عن طريق ذلك الوجه الحقيقي للإسلام أمة وتاريخا وحضارة وهو وجه يخالف بشكل كبير ما عليه الآن حال أغلبية المسلمين.

ويسعى المؤلف إلى تشخيص الواقع الراهن للمسلمين في الغرب ومن ثم محاولة فهمه فهما معتدلا يوازن بين مشروعية الحفاظ على الهوية الأصلية للمسلمين وبين ضرورة قبول الحضارة الغربية ما إن لم يؤد ذلك القبول إلى الذوبان والتلاشي وهو ما يتم عبر الإنكباب على جملة من الموضوعات والمسائل مثل تاريخ الهجرة وأجيال المهاجرين وثقافة الحوار وقضية التعايش وسياسة الاندماج وفقه المعاملة. ورغم أن العديد من القضايا التي يتناولها الكاتب تمت بصلة إلى النموذج الهولندي باعتبار المؤلف أحد المسلمين الذين يعيشون هناك إلا أن هذا لا يعني أن الكتاب يقتصر على المسلمين هناك بقدر ما يتخذ هذا البلد منطلقا له نحو الأصقاع الأوروبية الأخرى.

ينطلق المؤلف في تناوله من طرح عدة أسئلة بخصوص واقع الوجود المسلم في الغرب والذي تجاوز النصف قرن وهى فترة كفيلة بأن يتحقق فيها مكاسب جمة مادية أو معنوية اجتماعية أو سياسية ثقافية أم اقتصادية متسائلا عن انطباق هذه الفرضية على المهاجرين المسلمين في الغرب؟ وماذا قدم هؤلاء للغرب؟ وهل اقتصر إسهامهم على ما هو مادي أم تعداه إلى ما هو ثقافي وفكري؟ يشير المؤلف إلى بعض مثالب الوجود الإسلامي في الغرب ومن ذلك ما يراه ازدواجية موقف المسلمين من الآخر حسبما يذكر فالجوانب السمحة للإسلام تكاد تنعدم لتحل محلها سلوكيات مذمومة تتلخص في العداء لكل ما هو غربي واستغلال عواطف الأجنبيات من أجل تحقيق الوضعية القانونية ونحو ذلك من الأخلاق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة.

ويتطرق المؤلف إلى جانب آخر يمثل جوهر أزمة المسلمين في الغرب وهو أنهم مشروطون بالقوانين الغربية وبأخلاق الغرب وعاداته ومن هنا فإنه من الصعب عليهم أن يشقوا عصا الطاعة ونكران الجميل.. وعلى ذلك يجد المهاجر المسلم المقيم بديار الغرب نفسه متراوحا بين نارين هل يوالي تعاليم دينه فيطبقها بالتمام ويعادي مثلاً اللوطيين فيسقط في دوامة البغض لكل ما هو غير إسلامي في ذات الوقت الذي يسعى فيه بكل السبل لنيل لقمة العيش فيناور ويداور وأحيانا يكذب قصد نيل مساعدة اجتماعية أو تعويض أو ما شابه ذلك.

إن هذه الأوضاع تفرز موقفا يتسم بالازدواجية في التعامل الذي يتراوح بين قبول الآخر ورفضه، بين الإقبال التلقائي على شتى جوانب الحضارة الغربية ذات الطابع المادي والنفعي والإحجام المقنن عن الحيثيات الأخلاقية والسلوكية السائدة في المنظومة الغربية والاجتماعية والعقدية الغربية مما يجعل الغرب يضع أكثر من علامة استفهام على هذا السلوك الذي يصفه المؤلف بالحربائي والذي يفسر على أنه نفاق أو تناقض.

وفي سياق تناوله للتحديات التي تواجه المسلمين يقدم المؤلف نموذجا على ذلك ممثلا في قضية الحجاب والذي يعد مجالا لمعركة تدور رحاها بين الإسلام والغرب وتصبح معه المرأة المسلمة المحجبة في عين الآخر رافعة لراية التحدي ما دامت أنها تتطاول على القيم الغربية الداعية إلى الحرية والمساواة والديمقراطية ولا تخنع لأوامر العديد من المؤسسات الحكومية والتعليمية وغيرها والتي تفرض عليها التخلي عن لباسها الإسلامي.

والمشكلة حسبما يشير التجاني بولعوالي هو ربط الغرب لمسألة الحجاب بقضية الإرهاب فلا يرى في الحجاب إلا تجليا حقيقيا من تجليات الإرهاب الإسلامي المعاصر ومثل هذا التفسير الذي يختلقه الإعلام ويملأ به أعمدة منابره وأوقات بثه لا يعدو أن يكون مجرد تخمينات لا تمت بصلة إلى واقع المرأة المسلمة التي لا ترتدي الحجاب إلا لقناعتها بأنه ضرورة دينية.

وضمن ثنايا تناوله لموضوعه يتطرق المؤلف إلى قضية الاندماج مشيرا إلى أنها تعد من بين أهم القضايا التي حظيت باهتمام منقطع النظير ليس فقط من لدن النخبة المثقفة وإنما كذلك من قبل مختلف شرائح ومكونات المجتمع الغربي المعاصر وهنا يوضح أنه بالنظر إلى الخطاب السياسي المهيمن في الغرب فإنه يمكن إدراك أن وجود وبقاء المسلمين في الغرب غير مرهون فحسب بتوفرهم على وضعية قانونية صحيحة أو نيلهم لجنسية البلد الذي يوجدون به أو حتى انتماءهم إليه بالولادة والتربية والدراسة ونحو ذلك ولكن مرهون بما هو أهم من ذلك كله وهو وجوب انخراطهم في الحياة العامة الغربية ثقافيا ولغويا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقياً وغير ذلك على أن يكون هذا الانخراط مسايرا بل ومندرجا في بوتقة المجتمع الغربي قلبا وقالبا، تفكيرا وسلوكا، وبعيدا عن أي تصارع مع أخلاق وتقاليد الغربيين ولو أنها تهدد المسلمين المغتربين في هويتهم الدينية والثقافية مما يضعهم أمام نارين نار الولاء للآخر ونار التمسك بالهوية الأصلية.

ويورد المؤلف العديد من التحفظات على سياسة الاندماج المطروحة وفق الرؤية الغربية مشيرا إلى أنها صادرة عن طرف واحد وهو الطرف الذي بيده القرار دون تشاور مع ممثلي المسلمين ومثقفيهم وأنها تبدو في جانبها النظري ذات أهداف إيجابية للكل لكن أثناء التنفيذ يتضح زيفها وخداعها، ثم أن وضعية المسلمين في الغرب ينبغي أن تحلل وتفهم على نطاق واسع يراعي شتى الجوانب النفسية والثقافية والدينية والتاريخية وغير ذلك وهى جوانب تحيل على أن الإنسان المسلم ليس هو الإنسان الأوروبي أو غيره ومن هنا فالتعامل المثمر معه يجب أن يضع في الحسبان كل تلك الجوانب وإلا فإنه سوف يتخذ منحى منحرفا.

ويدلل على ذلك بتقرير أشار إلى فشل سياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومات الهولندية المتتابعة طوال حوالي ثلاثة عقود ولكن هذا لا يعزى بشكل أو بآخر إلى عجز المسلمين أو الأجانب عن الاندماج وإنما يعود إلى خلل ما في تلك السياسة أو إلى خلل في آلية إيصال فحوى الاندماج إلى الأخر.

وعلى ذلك ينتهي المؤلف إلى أن الأمر المطروح والذي قد يمثل صيغة أفضل للوصول إلى اندماج قائم على أسس مشتركة هو تعزيز الحوار. وحسبه فبواسطة الحوار يمكن للطرفين أن يفهم بعضهما البعض فالمبادرة بتشجيع الحوار وتفعيله بين شرائح المجتمع المتنوعة أنجح الوسائل لتخطي ولو جانبا من معضلات التواصل التي غرستها في ذواتنا وثقافاتنا الأنظمة التي تستبد بأوطاننا الأصلية وعلى ذلك يدعو إلى التحلي بروح الحوار الذي به نستطيع فهم ذواتنا، وبفهم هذه الذوات نستطيع فهم ما يحيط بنا.

وفيما يمثل محاولة من المؤلف التأكيد على أن المشكلة القائمة بالنسبة للمسلمين في الغرب إنما تعد ذات شقين يتحملون هم أحدهما فيما يقع عبء الشق الثاني على الغرب يشير التجاني بولعوالي إلى تزايد مظاهر العداء السياسي والإعلامي للمسلمين هناك. ويعرض نماذج لهذا الأمر منهم نموذج السياسي الهولندي بيم فورتاون الذي حفزه طموحه للقمة على الإساءة للإسلام والمسلمين والدعوة إلى تقليص المد الإسلامي وسد الباب في وجه كل أصناف الهجرة نحو هولندا استشعارا منه بأن أغلبية المهاجرين ذات جذور إسلامية لكن الشيء إذا تعدى حده انقلب إلى ضده وهذا ما جرى لفورتاون الذي تلقى وهو يتهيأ لمحادثة إعلامية ضربة على وجهه من قبل فتاة هولندية وانتهى الأمر باغتياله بالرصاص من قبل مواطن هولندي.

ويعرض كذلك لقضية مقتل المخرج ثيو فان جوخ متسائلا ما إذا كان الإسلام ضحية مقتله أم العكس صحيح؟. لقد قام شاب مغربي بقتله شر قتلة وبمنتهى البشاعة إزاء ما هو معروف عنه من عداء أعمى للإسلام وللنبي والمسلمين عموما حيث كان ينعت الإسلام بالتخلف وغير ذلك من أفكار وقد دأب على التعبير عن أفكاره تلك عبر الجرائد اليومية والحوارات والبرامج المتلفزة فضلا عن ذلك فقد أخرج فيلما يسمى «الخضوع» يشوه الإسلام أيما تشويه.

وينتهي المؤلف إلى التأكيد على أن هذا الحادث وغيره في ضوء الرؤية الإجمالية لحقيقة أوضاع المسلمين في الغرب إنما تشير إلى حيوية العمل على فهم الآخر فهما موضوعيا يجنبنا الوقوع في شراك التصادم غير المثمر. إلى جانب ما يمكن تسميته بفقه الواقع واعتماد فهم ديني لين بخصوص المسائل التي تعرقل تحقيق التعايش السلمي مع الآخر وهي مهمة العلماء المدعوون إلى تطويع تلك المقولات الفقهية التقليدية التي تنظر بالأسود والأبيض إلى العالم وأخيرا تأكيد نقاط الالتقاء والتماس الكائنة بين ثقافة المسلمين الأصلية وثقافة الغرب وهى نقاط لا تحصى مع تجاوز أو تأجيل نقاط الخلاف والتوتر وهو يبدأ من الأخذ بالمشترك الإنساني الذي يوفق بين سائر البشر.

مصطفى عبد الرازق

*الكتاب: المسلمون في الغرب

*الناشر:مركز الحضارة العربية القاهرة 2006

*الصفحات:197 صفحة من القطع المتوسط