مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي فرانسوا كزافييه فوفيل أيمار، وكان قد تخرج من مركز البحوث الإفريقية في جامعة السوربون. ثم نال شهادة الدكتوراه في علم التاريخ. وهو الآن عضو في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية، وتتركز أبحاثه على القارة الإفريقية. وقد نشر عدة كتب ومقالات حول الموضوع.
وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن واحد من أهم بلدان القارة السوداء: إنه جنوب إفريقيا، بلد التمييز العنصري أو الابارتايد لسنوات طويلة. كما أنه بلد نيلسون مانديلا الذي خلصه من هذا التمييز العنصري بالذات بعد نضال طويل ومرير.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: من يقرأ الكتب التي تتحدث عن الدول الإفريقية يخيل إليه بأن تاريخ هذه الدول لم يبتدئ إلا مع وصول المستعمرين البيض إليها! وهذا خطأ ما بعده خطأ. ولكنه شائع للأسف الشديد لأن جميع الكتب التي تؤرخ لتلك البلدان المكتوبة من قبل الأوروبيين أو في اللغات الأوروبية لا اللغات الإفريقية.
وإذا ما وجدت كتب تتحدث عنها بلغاتها الأصلية المكتوبة من قبل بحاثة أفارقة فإنها لا تزال قليلة. ولذا فينبغي على القارئ أن يدرك أن لهذه البلدان تاريخاً طويلاً سابقاً على وصول الأوروبيين في القرن التاسع عشر. إن أهم مرجع عن جنوب إفريقيا هو ذلك الذي صور بالإنجليزية عام 1969 تحت عنوان «تاريخ اوكسفورد لجنوب إفريقيا». وهو يحذرنا من معظم المراجع التاريخية التي كتبها الأوروبيون عن الموضوع سابقاً والتي تختزل تاريخ هذه البلاد إلى لحظة مجيء البيض إليها.
وينبهنا هذا المرجع الصادر في جزأين إلى أن جنوب إفريقيا بلد غني بالتاريخ حتى قبل وصول البيض. وإن علم الاركيولوجيا يساعدنا على نبش تاريخ تلك البلاد وكذلك علم الانتروبولوجيا. وبالتالي فلا يكفي علم التاريخ بالمعنى التقليدي للكلمة لكي نكتب تاريخ جنوب إفريقيا أو أي بلد آخر من بلدان القارة الإفريقية، وإنما ينبغي أن نستخدم كل العلوم الإنسانية لفعل ذلك على أحسن وجه. فالوثائق قد لا تكون مكتوبة بالضرورة ولذلك ينبغي أن نلجأ إلى الوثائق الشفهية أو المستحاثات والآثار الاركيولوجية أو المناهج الانثروبولوجية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد عانت جنوب إفريقيا من عدة استعمارات متلاحقة لا استعمار واحد، وكل واحد منها حاول أن يطمس التاريخ الأصلي للبلاد. ثم توجت هذه الاستعمارات بأحقر استعمار عنصري في القرن العشرين، أي نظام الأبارتايد الذي حرم السكان السود من حقوقهم المدنية والإنسانية، بل وحرمهم حتى من تاريخهم الأصلي لأن التاريخ بالنسبة له يبتدئ مع وصول الأسياد البيض إلى البلاد. وأما كل ما قبل ذلك من عصور وأحداث فلا معنى له ولا وجود له.
إن كتب التاريخ التي ألفت عن جنوب إفريقيا تكتفي بسرد الملاحم البطولية للمستعمرين البيض، وكيف وصلوا إلى البلاد، وكيف استعمروها، وكيف فلحوها وزرعوها وطوروها، بعد أن كانت جافة، قاحلة، متخلفة. والهدف من كتب كهذه هو تذكير الأجيال الجيدة من طلبة المدارس بعظمة أسلافهم البيض الذين صنعوا جنوب إفريقيا من العدم! لا ريب في أنهم أدخلوا الحداثة إليها ولكن الثمن كان باهظاً.
والواقع أن هذا النوع من الكتب أصبح الآن شاحباً بالياً بعد أن فقد مصداقيته. ولكن ينبغي الاعتراف بأن بعض المؤرخين البيض كانوا موضوعيين نسبياً. فقد حاولوا أن يتحدثوا عن السكان الأصليين السود، ولم يختزلوا تاريخ جنوب إفريقيا إلى ما فعله البيض فيها.
ثم يردف المؤلف قائلاً ما معناه:
إن تاريخ جنوب إفريقيا حتى عام 1995 هو تاريخ التمييز العنصري بين البيض والسود. إنه تاريخ الامتيازات المعطاة للبيض والاحتقار الموجه نحو الأغلبية السوداء من سكان البلاد.
ولكنه أيضاً تاريخ النضال الذي قاده نيلسون مانديلا من أجل القضاء على نظام الأبارتايد وابتداء صفحة جديدة في تاريخ جنوب إفريقيا. وإنها لصفحة مجيدة كتبت بأحرف من نور.
وتكمن عظمة مانديلا بالضبط في أنه استوعب غضبه العارم في اللحظة المناسبة فلم ينتقم من البيض، على العكس لقد دعا إلى المصالحة الوطنية بين البيض والسود في وقت كان قادراً فيه على الانتقام. لقد استطاع نيلسون مانديلا، أشهر سجين في العالم، أن ينتصر على نفسه. وهذا هو أكبر أنواع الانتصار، ولو أنه استسلم لنزعات الثأر والغضب الدفين لما أصبح هذا القائد العظيم الذي يحترمه العالم أجمع. لقد تعالى على جراحاته الشخصية ودعا مواطنيه السود إلى القبول بالأقلية البيضاء وعدم الانتقام منها بأي شكل على الرغم من كل ما حصل. فهل هناك قائد تاريخي أكبر من ذلك؟
لقد جاءت الثورة الديمقراطية السلمية عام 1995 لكي تصالح البيض مع السود أو السود مع البيض داخل دولة وأمة واحدة هي دولة جنوب إفريقيا. وهذه المصالحة ما كانت ممكنة لولا وجود شخصية تاريخية على رأس البلاد، هي شخصية نيلسون مانديلا. ينبغي الاعتراف أيضاً بأن القائد الأبيض دو كليرك لعب دوراً إيجابياً مهماً في تحقيق هذه المصالحة بالإضافة إلى بعض القادة الآخرين.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
لقد توجت هذه الثورة الديمقراطية الرائعة خمسين سنة من النضال ضد الاستعمار ومن أجل الاستقلال. فحزب نيلسون مانديلا كان قد أعلن منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي في ميثاقه التاريخي ما يلي:
نحن، شعب جنوب إفريقيا، نوجه هذا النداء إلى البلاد والعالم كله. إننا نقول للجميع بأن جنوب إفريقيا هي ملك لكل أولئك الذين يعيشون على أرضها سواء أكانوا من العرق الأبيض أم الأسود. إنها ليست ملكاً للبيض فقط. ولا يمكن بالتالي لأي حكومة أن تتمتع بالشرعية إلا إذا مثلت جميع سكان البلاد وليس فئة واحدة فقط.
لقد سلب شعبنا من حقه في أرضه وحريته وسلامه من قبل حكومة مبنية على الظلم واللامساواة بين المواطنين. فهناك مواطن درجة أولى، أي الإنسان الأبيض، ومواطن درجة ثانية وربما ثالثة وربما لا شيء هو الإنسان الأسود.
ثم يردف البيان قائلاً:
لا يمكن لبلادنا أن تعرف الازدهار والحرية والأمان إلا إذا حظي جميع سكانها بنفس الحقوق، وإلا إذا تمتعوا كلهم بنفس المعاملة الكريمة والنزعة الإنسانية الأخوية. وبالتالي فوحده النظام الديمقراطي المبني على إرادة مجمل الشعب يمكن أن يؤمن للجميع هذه الحقوق الإنسانية بدون أي تمييز على أساس اللون أو العرق أو الجنس أو الدين.
ينتج عن ذلك، أننا نحن ممثلو شعب جنوب إفريقيا من سود وبيض مجتمعون، نطالب بتبني ميثاق الحرية هذا. إنه ميثاق يدافع عن كل أبناء جنوب إفريقيا ويعتبرهم إخوة متساوين في الحقوق والواجبات. إنه لا يفرق بين أبيض وأسود إلا من حيث العمل الصالح وخدمة المجتمع. فمن يفعل الخير ويخدم المجتمع أكثر هو الأفضل سواء أكان ينتمي إلى العرق الأبيض أم العرق الأسود.
ثم يختتم البيان كلامه قائلاً باسم القادة السياسيين الموقعين عليه: وسوف نظل نناضل حتى نحقق هذا النظام الديمقراطي في جنوب إفريقيا وحتى يسقط نظام التمييز العنصري (الأبارتايد) الذي فرض علينا فرضاً.
على هذا النحو قاد نيلسون مانديلا ورفاقه الميامين معركة النضال الطويلة من أجل الحرية والعدالة والمساواة. وقد كان نضالاً مريراً ذهب ضحيته عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من أبناء الشعب. ولكنه كلل بالنجاح أخيراً.
*الكتاب: تاريخ جنوب إفريقيا
*الناشر: سويل ـ باريس 2006
*الصفحات: 471 صفحة من القطع الكبير
Histoire de l'Afrique du Sud
Francois-Xavier Fauvelle-Aymar
Seuil - Paris 2006
p.471

