مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور بيتر أدامسون أستاذ الفلسفة العربية في جامعة لندن، وهو صاحب الكتب الشهيرة عن المفكرين العرب والمسلمين في العصور الوسطى وبخاصة الكندي: الفيلسوف العربي الأول. ولكنه مختص أيضا بالفلسفة اليونانية وكيفية انتقالها إلى اللغة العربية. وفي هذا الكتاب الجديد والأول من نوعه في اللغة الانجليزية يقدم الدكتور أدامسون صورة عامة وحية عن حياة الكندي وأعماله وكيفية تأسيسه للفكر الفلسفي العقلاني في العالم الإسلامي قبل اثني عشر قرنا من الزمن.
ومنذ البداية يقول بما معناه: هو ابو يوسف يعقوب ابن إسحاق الكندي المعروف في الغرب إبان العصور الوسطى. وكان أول فيلسوف عربي يظهر في التاريخ. وكان يتحلى بمعرفة موسوعية شاملة. وقد حظي برعاية ثلاثة خلفاء عباسيين أولهم المأمون الذي شجع كثيرا العلماء والفلاسفة كما هو معروف.وقد وظفه في بيت الحكمة الذي كان يمثل آنذاك أكبر مركز للترجمة والبحوث في العالم الإسلامي.
وكان من زملائه عالم الرياضيات الكبير الخوارزمي وآخرون عديدون. وقد كلفوه بترجمة المخطوطات الإغريقية. ولكن بما أن معرفته باللغة اليونانية كانت ضعيفة فإنه اكتفى فقط بتحسين ترجمات الآخرين. وقد كتب الكندي في مختلف المجالات من الحساب، إلى الهندسة، إلى الموسيقى، إلى الفلسفة بطبيعة الحال، إلى الدين.
وقد ظل مسلما مؤمنا طيلة حياته كلها. وبالتالي فالفلسفة لم تخرجه عن إيمانه أبدا على عكس ما حصل لبعض الآخرين. لقد ظلت فلسفته داخل إطار الدين الإسلامي. ولم يكن يجد أي تعارض بين العقل والإيمان، أو بين الفلسفة والدين. فهما متكاملان لا متصارعان في نظره. وهذا شيء رائع. وفي كتابه الأول عن الميتافيزيقا كتب يقول ان علم الميتافيزيقيا يعني معرفة الحقيقة الأولى التي هي أصل أو سبب كل حقيقة.
ثم قال الكندي في هذا الكلام المهم إن الفيزيقا أو علم الطبيعة تعني معرفة الأشياء والظواهر الموجودة في هذا العالم. وأما الميتافيزيقا فتعني معرفة أسباب هذه الظواهر. وهذا يعني أن الكندي كان من أتباع ارسطو طاليس القائل بأن الميتافيزيقا أهم من الفيزيقا وأجل شأنا.
وهذا ما سبب له بعض المشاكل مع الفقهاء ورجال الدين المسلمين الذين كانوا يعتبرون فلسفة الإغريق بمثابة الضالة أو الوثنية. ولكنه أقنعهم بضرورة الأخذ عنها وتبني مناهجها العقلانية في البحث والكشف عن قوانين الكون. أو قل أقنع بعضهم وفشل في إقناع البعض الآخر. ولو لم يكن مؤمنا حقيقيا لكفروه ونبذوه. بل إن بعضهم راح يشكك بإيمانه لأنه يأخذ عن الإغريق وفلاسفتهم ثم يردف المؤلف قائلا:
لقد ولد الكندي حوالي عام 800 ميلادية أي قبل أكثر من ألف ومائتي سنة من عصرنا هنا. ومع ذلك فلا يزال يثير الاهتمام نظرا لعقلانيته ولكونه أول من تبنّى الفلسفة من بين العرب. وكان والده موظفا في عهد الخليفة العباسي الشهير: هارون الرشيد. وقد عاصر الكندي ثلاثة خلفاء كبار هم: المأمون، فالمعتصم، فالمتوكل. ولكن الأخير انقلب على الفلسفة وانضم إلى معسكر أعدائها في المرحلة الثانية من حكمه. ولذا راح يضطهده ويضايقه.
والواقع أن الآراء الفلسفية التي كان الكندي يتبناها أزعجت المتوكل في فترة من الفترات، فأمر بمصادرة كتبه ومخطوطاته. ولكنها أعيدت إليه لاحقا، وهذا يعني أن مشكلة السلطة مع المثقفين العقلانيين قديمة العهد في العالم الإسلامي وليست بنت اليوم أو البارحة. كما ويعني أن الصدام بين أتباع الفلسفة وأتباع الفقه قديمة أيضا. هذا وقد مات الكندي عن عمر مديد عام 873 في ظل خلافة المعتمد.
وقد كان الكندي فيلسوفا، وعالم رياضيات، وعالم فيزياء، وفلك، بل وحتى طبيبا، وجغرافيا، وموسيقارا. وهذا شيء نادر في ذلك الزمان، ولكن ينبغي أن نعلم أننا كنا نعيش آنذاك في أوج الحضارة العربية الإسلامية في ظل خلافة بغداد العباسية. وبالتالي فلم يكن عصر الانحطاط قد ابتدأ بعد.
ثم يردف المؤلف قائلا:لقد كان الكندي كاتبا مكثرا غزير الإنتاج، فقد ألف اثنين وثلاثين كتابا في علم الهندسة، واثنين وعشرين كتابا في علم الطب، واثنين وعشرين كتابا في الفلسفة، وستة عشر كتابا في علم الفلك، واثني عشر كتابا في علم الفيزيقا، أي الفيزياء بحسب لغتنا المعاصرة. أما الميتافيزيقا فتعني ما وراء الفيزيقا أو ما وراء الطبيعة.
كما وألف الكندي أحد عشر كتابا في علم الحساب، وتسعة كتب في علم المنطق، وسبعة كتب في الموسيقى، وخمسة كتب في علم النفس. بل وألف عدة كتب في الهندسة العملية من أجل دراسة المدّ والجزر، أو صناعة الآلات الفلكية، أو دراسة الصخور، أو الجواهر، الخ. وبالتالي ففلسفته لم تكن فقط نظرية وإنما عملية أيضا لكي تنفع الناس.
ولكن للأسف فإن معظم كتبه هذه ضاعت على الطريق ولم تصلنا. ولكن ما وصلنا منها يكفي للدلالة على مدى حجم علمه وسعة اطلاعه. حقا لقد كان المسلمون الأوائل رجالا يحبون العلم ولا يستسلمون للتواكل والعقلية الكسولة التي سادت لاحقا في عصور الانحطاط. كانوا يشغّلون عقولهم ولا يلغونها كما يحصل اليوم للأسف الشديد. باختصار كانوا عباقرة العالم ومؤسسي الحضارة.
ثم يردف المؤلف قائلا:ينبغي العلم بأن قسما كبيرا من مؤلفاته ترجم إلى اللغة اللاتينية من قبل المسيحيين الأوروبيين في القرون الوسطى، نذكر من بينها رسالة دار التنجيم، واختيارات الأيام، وإلهيات ارسطو، وكتاب الموسيقى، وكتاب مدّ وجزر، وأدوية مركبة. هكذا نلاحظ أن علم الفيلسوف العربي الأول أشع على العالم الأوروبي وساهم في إخراجه من ظلمات العصور الوسطى إلى نور الحضارة الحديثة.
وقد اعتبره بعض مفكري أوروبا بمثابة واحد من أهم عشرة أو اثني عشر مفكرا في تاريخ البشرية. وقد ساهمت مؤلفاته طيلة عدة قرون في دفع الناس إلى التفكير وتطوير العلوم وفهم قوانين الكون. وبالتالي فكانت أحد أسباب نهضة أوروبا الحديثة.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد كان الكندي ينتمي إلى قبيلة كندة العربية الأصل ومن هنا نتج اسمه. وقد ولد في الكوفة. وفيها درس وترعرع قبل أن يذهب إلى بغداد عاصمة الدنيا آنذاك، فكل مثقف يريد أن يشتهر في ذلك الزمان كان مضطرا في لحظة أو أخرى من حياته إلى الذهاب إلى بغداد.
ويقال بأن أصله أرستقراطي نبيل ورفيع، ويبدو أن قبيلته هاجرت من اليمن إلى العراق في قديم الزمان. وهذا جائز جدا، فالقبائل العربية كانت تتنقل بسهولة من بلد إلى آخر. والواقع أن لخلفاء بني العباس فضلا كبيرا عليه، فلولا أن المأمون وظفه في بيت الحكمة لما استطاع أن يتفرغ للبحث والترجمة والعلم. وكذلك فعل الخليفة التالي: المعتصم. فقد زاد راتبه بل وعيّنه مربيا لابنه: أي لولي العهد. وهذه رتبة كبيرة يتنافس عليها العلماء آنذاك تنافسا شديدا، ولا يحظى بها إلا من حظي بثقة الخليفة بشكل كامل.
ولكن أموره ساءت في عهد المتوكل كما قلنا سابقا إما بسبب حسد الآخرين له وإيقاعهم به، وإما بسبب انقلاب المتوكل على خط المأمون العقلاني، وانتصاره لخط أهل التقليد والفقهاء والمعادين للفلسفة بشكل عام وإما بسبب كلا الأمرين معا. مهما يكن من أمر فإن الكندي استطاع خلال تلك الفترة الذهبية أن يؤسس الفلسفة كعلم ذي شرعية في الساحة العربية الإسلامية، بل واستطاع أن يشكل لغة فلسفية وعقلانية عربية لأول مرة. وكل من جاءوا بعده استفادوا منه بدءا من الفارابي وانتهاءً بابن رشد مرورا بابن سينا.
*الكتاب:الكندي
*الناشر:مطبوعات جامعة أوكسفورد - 2007
*الصفحات : 288 صفحة من القطع الكبير
Al-Kindi
Peter Adamson
Oxford University Press 2007
p.288

