مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور هوبير ريف أحد كبار علماء الفلك والذرة في فرنسا. وهو يدرس هذه المادة في جامعات مونتريال وباريس في آن معا. وكان قد نشر عدة كتب عن تاريخ الكون وتركيبته. كما وشارك في العديد من البرامج التلفزيونية الكبرى عن ذات الموضوع. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم لنا صورة الكون بطريقة سهلة تبسيطية إلى أقصى حد ممكن، وذلك لأنه حتى المثقف العادي ولا يستطيع أن يفهم الكتب المتخصصة والعويصة للفيزيائيين وعلماء الفلك والكون. أما هو ونظرا لكونه فيلسوفا وليس فقط عالما فإنه قادر على أن يفهمك أصعب النظريات الفيزيائية والكوسمولوجية.
يقول المؤلف منذ البداية ما معناه: حاولت في هذا الكتاب أن أقدم للقارئ صورة عن الكون بدءً من اللامتناهي الكبر وانتهاء باللامتناهي الصغر كما يقول العلماء. وأقصد بذلك أني حاولت أن أشرح تركيبة الكون ككل بسمائه وأرضه قبل أن أنتقل إلى شرح الدقائق الصغيرة للذرات والتي لا ترى بالعين المجردة ولا حتى بأكبر المجاهر قدرة وضخامة.
ينبغي العلم أننا أصبحنا قادرين على فهم لغز الكون الذي نعيش فيه أو الذي يحيط بنا بفضل أبحاث كبار العلماء في أوروبا أو أميركا الشمالية بما فيها كندا. فنحن نمتلك الآن مراصد فلكية ضخمة قادرة على سبر أغوار السماوات وكواكبها الأكثر بعدا. ويمكن القول بأن المرصد الذي كان يمتلكه غاليليو في القرن السابع عشر يعتبر مزحة أو مسخرة بالقياس إلى ما يمتلكه العلماء حاليا في مراصد البحث الكبرى الأميركية أو الأوروبي. حقا لقد تطورت التكنولوجيا كثيرا وذلك أنه تفصل بيننا وبين غاليليو ثلاثة قرون.
ثم يضيف البروفيسور هوبير ريفيس قائلا: ينبغي العلم بأن الكون مشكل من مليارات المجرات وكل مجرة مزورة بشمس كشمسنا التي نراها. فتخيلوا إذن مدى اتساع الكون إذا كنتهم تستطيعون. بل إن الكون في حالة اتساع دائم وهو بالتالي لا نهائي على عكس ما كان يظن أرسطو وبقية الناس في العصور الوسطى. أما مجرتنا نحن، أو درب التبّانة، كما يقول البعض، فهي ليست إلاّ مجرة صغيرة بالقياس إلى المجرات الأخرى. نحن نتخيل أننا مركز الكون أو أنه لا يوجد في الكون إلا شمسنا وأرضنا وقمرنا وبعض الكواكب الأخرى التي تدور حول الشمس مثلنا. ولكن هذا وهم كاذب وخادع بالطبع. فالكون أكبر منا بمليارات المرات. وهناك مجرات أضخم من المجرة الشمسية بآلاف المرات. فتخيلوا إذن حجم الكون الهائلة إذا كان خيالكم قادرا على ذلك.
إنه لشيء يذهل العقل ولا يكاد يصدق. والسؤال المطروح هو التالي: هل يوجد شخص ما في هذا الكون الشاسع الواسع، هذا الكون اللانهائي، يراقبنا من على سطح أحد الكواكب البعيدة كما نراقب نحن الكون بمراصدنا الفلكية العملاقة؟ بمعنى آخر: هل توجد حياة في هذا الكون غير حياتنا، وفي مجرة أخرى غير مجرتنا، وعلى كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي؟ العلماء لا يستبعدون ذلك وإن كانوا لا يستطيعون البرهنة عليه حتى الآن.
وإذا ما وجدت كائنات معينة هناك فهل تختلف عن تركيبة البشر أم لا؟ هل هي مزودة بعقل مثلنا أم لا؟ هل أجسامها صغيرة مثلنا أم عملاقة؟ لا أحد يعرف، ولكن ربما اكتشفنا ذلك مستقبلا. هل لها عيون مثلنا وآذان؟ ثم يتساءل المؤلف قائلا: منذ متى ابتدأ البشر يفكرون في الكون ويحاولون اكتشافه؟ منذ أن رفعوا أعينهم نحو السماء وشاهدوا هذه التركيبة البديعة للكون بسمائه التي تشبه القبة وأرضه ونجومه المتلألئة في الأعالي.
في الواقع أن فلاسفة اليونان القدماء كانوا يتناقشون وبحدة حول تركيبة الكون. والبعض منهم قال إن الكون محدود ومنته ومغلق على نفسه. إنه الكون الذي نشاهده بالعين المجردة. وبالتالي فلا يوجد شيء آخر غيره. وهذه هي نظرية المدرسة الأبولونية في تاريخ الفكر الإغريقي. ومعلوم أن أبولون كان بالنسبة للإغريق إله الجمال والتناسق الكوني والإبداع. ومنهم من قال بأن الكون لا نهائي ولا محدود. وهذه هي نظرية ديونيسوس، إله الخمر والسكر والشعر والفوضى والجنون اللانهائي.
وفي العصور الوسطى اختلف الناس أيضاً حول تركيبة الكون. وسادت عندئذ نظرية القديس المسيحي توما الاكويني. وكان يقول بما معناه، وحده الله لا نهائي ولا محدود، وبالتالي فالكون نهائي ومحدود منطقيا لأن الله هو الذي خلقه.
ولكن كان هناك مفكرون آخرون يعتقدون العكس من أمثال جيوردانو برينو. وهو عام إيطالي شهير حرقته الكنيسة إبان محاكم التفتيش لأنه قال بأن الكون لا محدود ولا نهائي على عكس الأطروحة الشائعة. وقد اعتبروه هرطيقا زنديقا فقبضوا عليه وقطعوا لسانه الناطق بالكفر وألقوه طعمة للنيران في أحد كهوف الفاتيكان المظلمة. والواقع أنه كانت له هرطقات أخرى من بينها إنكاره لعذريّة مريم.
مهما يكن من أمر فإن مستقبل الأيام أثبت صحة أطروحته عن لا نهائية العالم أو الكون. ولكن ذلك لم يحصل إلا بعد عدة قرون عندما تطورت المراصد الجوية كثيرا وأصبحت تسمح لنا بالبرهنة على هذه النظرية.
ثم ظهرت نظرية نيوتن عن الجاذبية في نهاية القرن السابع عشر وفتحت عهدا جديدا في تاريخ العلم الأوروبي. وعرفنا عندئذ لماذا يدور القمر حول الأرض، ولماذا تدور الأرض حول الشمس. فقانون الجاذبية الذي يمسك الكون هو الذي يجعل الأجرام الصغيرة تدور حول الأجرام الكبيرة أو الأكبر منها، وهكذا دواليك.
ثم يضيف المؤلف قائلا بما معناه: ولكن نيوتن ما كان يستطيع أن يرى إلى أبعد من المجرة الشمسية التي ننتمي إليها نحن سكان الكرة الأرضية، وذلك بسبب ضعف الآلات التكنولوجية أو المراصد الجوية التي كان يستخدمها لمراقبة السماء. أما نحن أبناء القرن العشرين أو الواحد والعشرين فقد تطورت مجاهرنا ومراصدنا الجوية كثيرا وأصبحت عملاقة وقادرة على أن تصل بمداها إلى أبعاد ومسافات أخرى ما كان يحلم بها علماء القرن السابع عشر ولا الثامن عشر ولا حتى التاسع عشر.
وعندما ظهرت نظرية النسبية لاينشتاين عام 1905 و1917 أصبحنا قادرين لأول مرة على أن نقيس حجم المسافات التي تفصل بين الكواكب والمجرات. هل نعلم مثلا أن ضوء القمر يسافر في الجو حتى يصل إلى الأرض في ثانية واحدة؟ هذا ما كشفه لنا اينشتاين في نظريته الشهير. ولكن ضوء الشمس لا يصل إلى الأرض إلا خلال ثماني دقائق. لماذا؟ لأن الشمس أبعد عنا من القمر بكثير.
ولكن متى تشكلت الأرض التي نعيش عليها لأول مرة؟ العلماء يعتقدون أن عمر كوكبنا الأرضي هو أربعة فاصل ستة مليار سنة (6, 4 مليارات). ولكن كم هو عمر الكون ككل؟ العلماء يعتقدون أنه ثلاثة عشر مليار سنة فاصل سبعة (7, 13 مليارا) سنة. وقبل ذلك ماذا كان يوجد؟ لا شيء يقول العلماء. وبالتالي فالله عز وجل خلق الكون قبل ثلاثة عشر مليار من السنوات أو أكثر.ثم خلق الأرض بعد ذلك بحوالي التسعة مليار سنة. ثم خلق القمر الذي يدور حول الأرض بعد ذلك، الخ. على هذا النحو يقدم لنا المؤلف معلومات إحصائية دقيقة ومذهلة للعقل البشري عن تركيبة الكون ونشأته ومصيره.
*الكتاب: تاريخ الذرة والمجرات
*الناشر:سويل ـ باريس 2007
*الصفحات: 203 صفحات من القطع الصغير
Chroniques des atomes et des galaxies
Hubert Reeves
Seuil - Paris 2007
p.203
