أجرت ماريان بريس المحررة الثقافية بصحيفة «الاندبندنت» اللندنية هذه المقابلة مع الروائية والكاتبة المسرحية النيجيرية هيلين أوييمي بمناسبة صدور روايتها الثانية بعنوان «المنزل المقابل» عن دار بلومزبري اللندنية، مؤخراً، حيث ألقت الضوء على عالمها الروائي الذي يضرب بجذوره في ثقافة قبائل اليوروبا النيجيرية وتحديات الحياة الحديثة والأساطير الكوبية.

كما أشارت إلى الصعوبات التي واجهتها في مسيرتها الإبداعية، والتي استهلتها في وقت جد مبكر يعود إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وهي تعرب عن اعتقادها بأن الكتابة الروائية هي أقرب إلى جنون من نوع خاص، وتقول إن إنجاز رواياتها الأخيرة كان أشبه ما يكون بإنجاب طفل، وان ما يقلقها في المرحلة المقبلة هو موقف النقاد من الرواية، تماما كما تقلق الأم حيال تعرض ابنها للتنمر في فناء اللعب من قبل أطفال آخرين، وفيما يلي نص المقابلة:

تنجز هيلين أوييمي الأمور بالطريقة الصعبة، فقد كتبت روايتها الأولى« فتاة إيكاروس» سراً، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون عاكفة على إنجاز دراسات المستوى الأول في مرحلة الدراسة الثانوية، وقد عرضها ذلك لضغوط حادة من أسرتها ومن مدرسيها على السواء. وهي تقول في هذا الصدد: «في كثير من الأوقات كنت أحس بالرغبة في البكاء»، وعندما تعاقدت على نشر هذا الكتاب، روَّج البعض للقول إنها حصلت مقابل النشر على مبلغ مؤلف من ستة أرقام، وهو أمر كان بعيداً عن الصحة، وهي تقول إنها تجد أن الترويج لهذه الشائعة يعد «أمراً مثيراً للحيرة» على حد تعبيرها.

لكن الأمر كان مختلفاً في مرحلة تأليف روايتها الثانية «المنزل المقابل» فقد مضت إلى البندقية في إيطاليا، وكانت لاتزال طالبة في جامعة كامبردج، وكان ذلك في عطلة عيد الفصح، وذلك على الرغم من أنه كان ينبغي عليها أن تعكف على مراجعة دروسها استعداداً لامتحانات نهاية العام. وهي تقول في هذا الصدد: «لقد كنت بحاجة إلى إنجاز المسودة الأولى بحيث يمكنني العودة إليها بعد الامتحانات».

وتتابع: كان الأمر صعباً على نحو مجنون، حيث كنت أنجز ألفي كلمة كل يومين، وفي الأيام التي تتخلل ذلك كنت أجلس على الأرض محاولة التقاط أنفاسي. وكانت عملية مراكمة أسلوبين مختلفين في السرد صعبة للغاية، ولم أسهل الأمور على نفسي باختياراتي في القراءة في تلك الفترة، ومنها الكتاب المقدس وأشعار إميلي ديكنسون وبعض الأساطير الكوبية، حتى أوشكت أن أجن.

لقد كان جورج أورويل هو الذي قال: تأليف كتاب هو صراع مرعب ومرهق كنوبة طويلة من مرض مؤلم. والمرء لن يأخذ على عاتقه مثل هذه المهمة ما لم تدفعه بعض الشياطين التي لا يمكنه مقاومتها ولا فهمها. ومن المؤكد أن أوييمي قد حاربت شياطينها، فهي لم يكن ينقصها الذكاء، ولكنها عاشت حياة تعسة، وكانت تقرأ البير كامو وهي لاتزال في الثانية عشرة من عمرها، وقد وجدت في المدرسة محنة يتعين عليها خوض غمارها، وكانت تبكي خلال الحصص الدراسية أو تطرد منها.

وهي تقول في هذا الصدد: كنت مهتمة بالمدرسة، ولكن ليس بطريقة رسمية، ولذا لم أكن بارعة في التعامل مع الدروس، وقد وجدت في الاضطرار إلى الحديث أمام الصف الدراسي مسألة مزعجة، فقد كانت لدي على الدوام أشياء أريد الحديث عنها، ولكنني لم أستطع القيام بذلك، لأنني لم أعرف أحداً غيري يقدرها. وكانت لدي مشكلة مع السلطة: وقلت دائماً لأصدقائي إنني لن أرسل أبنائي أبداً للمدرسة. ولكنك تتحدى الأمور لأنك تهتم بمن يحيطون بك.

وتقول عائدة بذاكرتها إلى أيام الدراسة في مدرسة ساوثوارك: «أتذكر أنني كنت صعبة للغاية في التعامل مع المدرسة، وكرهتها حقاً، واعتقدت أنها ينبغي أن تغلق، لأنها فظيعة للغاية، وباستثناء مدرس اللغة الإنجليزية، كان كل المدرسين فظيعين، والطلاب مثل حشد من بنات آوى، وأحسست بأنني لا ينبغي أن أكون هناك على الإطلاق، ولكنني لم أستطع التفكير في مكان آخر أذهب إليه».

هكذا أصيبت الفتاة التي لم يكن عمرها يتجاوز الخامسة عشرة باكتئاب قادها إلى محاولة الانتحار بتعاطي مجموعة كبيرة من أقراص الدواء، وبعد إنقاذها في المستشفى ترددت على اختصاصي نفسي، ولكن زيارتها لنيجيريا هي التي غيرت رؤيتها للعالم، ولم يكن أقاربها في إيبادان يؤمنون بوجود شيء اسمه الاكتئاب.

في مدرسة جديدة واتتها فكرة روايتها الأولى «فتاة إيكاروس»، التي تدور حول قصة جيسامي، التي كانت تنتابها نوبات صراخ وخيال وحشي، وهي شأن مبدعتها تنقل إلى إيبادان لرؤية عائلتها هناك حيث تلتقي تيلي تيلي الذي يصبح صديقها سراً.

في «فتاة إيكاروس» تمتزج الأسطورة بعالم الروح والاغتراب، ونلتقي فتاة تعاني من التمزق بين ثقافتين وواقعين، ويحفل العمل بطقوس قبائل اليوروبا والإحساس الغامر بالرهبة، وربما كان تيلي تيلي هو روح توأم جيسامي الميت. وتدور الرواية أيضاً حول المس، الأمر الذي يربطها ليس بالقصص الأفريقية وحدها، وإنما يجعلها بمثابة رمز للكتابة، وكيف يستحوذ على الروائي عالم يمكن للشخصيات وحدها الوصول إليه. وتوافق أوييمي على هذا الطرح قائلة: «الكتابة جنون من نوع خاص».

عندما أصيبت أوييمي بالاكتتاب اكتشفت أحد الأشياء التي تحبها حباً جارفاً، وهو شعر إميلي ديكنسون.. وتستمد روايتها الثانية «المنزل المقابل» عنوانها من قصيدة لديكنسون، ويشير كل عنوان من العناونين التي تحملها الفصول إلى الشاعرة الأميركية بشكل أو بآخر، وتقول أوييمي في هذا الصدد: «إنني أحب الكثير من قصائدها، وإيقاعاتها وفواصلها تجعل من السهل قراءتها. ومازلت أتذكر أيام كنت في المستشفى، حيث كنت أنام محتضنة ديوانا لها».

تعتبر أوييمي روايتها الثانية «المنزل المقابل» أوضح وأقوى من روايتها الأولى «فتاة إيكاروس». وكلا الروايتين تعكسان اهتماماً بأساطير قبائل اليوروبا النيجيرية والقضايا المتعلقة بالهوية، ولكن الرواية الثانية تعكس نزوعاً شعرياً أقوى ويردد استخدام أوييمي للتكرار أصداء تقاليد السرد الشفهي للقصص عند أبناء قبائل اليوروبا، بينما «كان الشعر محاولة من جانبي للاتكاء قليلاً على إميلي ديكنسون».

قدمت الأساطير الكوبية التي تتناثر فيها أسماء من اليوروبا نقطة انطلاق، حيث اهتمت أوييمي بالكيفية التي حاول بها العبيد الأفارقة الحفاظ على ثقافتهم حية. وهي تقول في هذا الصدد: «لقد حدثت نفسي قائلة: لماذا يرغب المرء في القيام بذلك؟ إنني لا أحس بصفة خاصة بالانتماء إلى أي مكان ولن أقول إن هذا أمر له أهمية كبيرة، ولن أصف نفسي بأنني نيجيرية أو بأنني كاتبة نيجيرية».

وعلى الرغم من ذلك، فإن الأمر كما تقول إحدى الشخصيات: «إذا نسيت أسلافك، فإنك تنسى نفسك».

وتتبع الرواية الثانية مسارين سرديين متوازيين، فهناك ماجا الحامل، وهي مغنية جاز إفريقية ـ كوبية تقيم في لندن مع حبيبها الأبيض، وهناك يمايا أو آيا في «منزل في مكان ما» ببابيه اللذين يطلان على لاغوس ولندن.

وتقول هيلين أوييمي في هذا الصدد: «إنني أحس بأن هناك نوعين مختلفين من الواقع. وكل قصة هي قصة المنزل المقابل له. وكل منزل يشبه انقلاباً أو عكساً للآخر». وقد يجد القراء أن خط القصة الخاص بماجا أبسط، وحمل ماجا يضع في بؤرة الاهتمام كل الشكوك التي تستشعرها حيال نفسها. وأبواها يمثلان نقيضين، فأحدهما عقلاني والآخر روحاني. وأبوها، وهو أكاديمي وسياسي منفي يكره أساطير زوجته التي تحتفظ بمذبح وتحرق على نحو طقوسي زهور صلوات ورقية.

وتقول أوييمي متحمسة: «إن السانتيريا مدهشة»، فهذه الديانة تشكلت عندما قام العبيد من أبناء قبائل اليوروبا الذين نقلوا إلى كوبا بعد استرقاقهم بدمج آلهتهم الحارسة، أو الأوريشا، مع القديسين الكاثوليكيين. وهي تضيف: «فجأة يصبح الإله المخادع أكثر إثارة للحيرة، فهو يقدم أموراً كثيرة لك بيد ثم ينتزعها بالأخرى. وطقوس اليوروبا بهيجة للغاية، ولكن الطقوس الكوبية تبدو مليئة تماماً بالصراع».

وإلهة المحيط، يمايا، يتم ربطها بديانا في الميثولوجيا الكلاسيكية.

وتقول عنها الكاتبة النيجيرية: «إنها تدور أيضاً حول القوى اللاواعية، الدفعة الكبرى التي تجعل الأشياء تحدث». وتقول بعض المصادر إن يمايا هي الآلهة الأم الكبرى للنساء والأطفال والخصوبة.

وعلى الرغم من من أن أوييمي لا تنظر إلى السردين باعتبار أن أحدهما يعلق على الآخر، إلا أن هناك أصداء. وماجا تصارع فكرة من عساها تكون. وكذلك الحال بالنسبة لأخيها الأصغر الحساس، الذي يتعرض للمضايقات في المدرسة.

والآلهة المنتزعة من موطنها تصارع بدورها، فهل يمكن أن تظل صامدة عندما تجر جراً عبر حدود الزمان والمكان؟ هل يمكن للأوريشا أن توجد إذا توقف الناس عن الإيمان بها؟ في «المنزل الذي يقع في مكان ما» فإن الآلهة العتيقة، الكايود، تتضور جوعاً في هدوء. ولا تتردد هيلين أوييمي، أخيراً، في الأعراب عن اعتزازها برواية «المنزل المقابل»، ولكنها لا تتردد أيضاً في الاعتراف بأنها قلقة عليها، فبعد آلام المخاض العسيرة من الصعب تركها لشأنها. وهي تقول في هذا الشأن بهدوء: «الأمر يشبه إنجاب ابن. وآمل ألا يتعرض هذا الابن للتنمر في الملعب الذي يلهو فيه».

محطات في مسيرة أوييمي

*ولدت الكاتبة النيجيرية هيلين أوييمي في إيبادان عام 1984 وهاجرت مع عائلتها إلى لندن وهي في الرابعة من عمرها. وتلقت تعليمها في مدرسة ساوثوارك الشاملة للبنات ثم في مدرسة كاردينال فوغان التذكارية وحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية والاجتماعية من جامعة كامبردج وعلى زمالة لدراسة ماجستير الفنون الجميلة بجامعة كولومبيا.

*أنجزت روايتها الأولى «فتاة إيكاروس» وهي في التاسعة عشرة من عمرها خلال دراستها للمرحلة الأخيرة من الدراسة الثانوية.

*لها مسرحيتان، هما «ابيضاض العرعر» و«الضحية» صادرتان عن دار ميثوين.

*صدرت لها مؤخراً روايتها الثانية بعنوان «المنزل المقابل» والتي حظيت بحماس الكثير من النقاد والكتاب فور صدورها.