عُني العرب لأسباب كثيرة بالخيل وتربيتها ونسلها وطبّها وسياستها، وذلك لعلاقتها المباشرة بحياتهم وحروبهم وغزواتهم وتنقلاتهم وجهادهم في الفتوحات، وانعكست هذه العناية العملية في عصر التدوين في مؤلفات كثيرة تتناول الخيل وما يتعلّق بها.
وكان من أقدم هذه المؤلفات« كتاب الخيل» للأصمعي عبد الملك ابن قُريب الأصمعي أبي سعيد الذي عاصر الرشيد وتوفي عام 216 للهجرة، وكان معروفاً بقوة ذاكرته واتساع حافظته وكثرة محفوظاته وسعة علمه بلغة العرب وأشعارهم وأحوال حياتهم، وترى اسمه مبثوثاً في كتب التراث اللغوي والأدبي، فما أكثر ما روي عنه من اللغة والشعر والرجز والأمثال، إضافة إلى الكتب التي صنعها بنفسه ولم يصل إلينا منها مطبوعاً إلا سبعة عشر كتاباً، وضاع أكثر من ثلاثين معظمها كان دواوين لشعراء قدامى جمع الأصمعّي أشعارهم وشرحها.
كتاب الخيل كان قد حققه المستشرق هفنر ونشره بفيينا عام 1895 معتمداً في تحقيقه نسخة خطية واحدة هي نسخة مكتبة كوبرللي بتركيا، وكانت طبعته هي الوحيدة بين أيدي الباحثين واللغويين حتى زمن قريب، مع الإشارة إلى أن نسخة كوبرللي هي برواية العلاّمة أبي علي الفارسي المتوفي سنة 377ه. إنه كتاب صغير الحجم، كبير الشأن، فهو من أقدم الكتب اللغوية التي وصلت إلينا في هذا الموضوع، موضوع الخيل، وقد بدأ الكتاب بسند الرواية على نمط علم الحديث، ورواية «كتاب الخيل» قام بها أعلام كبار فوثقوا بذلك رواية الكتاب وثبتوا نسبته إلى مؤلفه.
تحدث الأصمعي في كتابه عن كثير مما يتعلق بالخيل على نحو موجز، وأنشد الشعر وأورد أقوال العرب، ويمكن حصر الموضوعات التي تطرّق إليها في الموضوعات الآتية:
حَمْل الخيل ونتاجها، أسنان الخيل، خلق الخيل ووصف أعضائها، ما يُستحبّ في الخيل، ما يُكره في الخيل، العيوب في الحافر، صفة مشي الخيل وعدوها، ألوان الخيل، الشيات، الخيل المنسوبة.
وكان الأصمعي يورد عنوان الباب ثم يورد بعد ذلك ما يتعلق به من الألفاظ والأشعار ويفسّر بعضها وسنضرب مثالاً على ذلك، ففي القسم الثامن الخاص بالألوان يقول:
ومن ألوان الخيل: الكُمتة والحُمّة وهو أحبّ الألوان إلى العرب مع الحوّة. والكُمتة: حمرة تدخل قنوء، يقال: اكماتّ يكماتُّ اكميتاناً، ويقال: اكمَتِّ يكْمَتُّ اكمتاناً، ويقال: ادهامّ، يدهامّ، ادهيماماً. وفي الكُمتة لونان: يكون الفرس كُميتاً مدمّى (شديد الحمرة) ويكون كميتاً أحمَّ.
وأشدّ الخيول جلوداً وحوافر: الكُمْتُ والحُمّ
ومنها الصُفرة: يقال: فرس أصفر وفرس صفراء، ويسمّى بالفارسية الزّرْد، ولا يسمّى أصفر حتى يصفّر ذنبه وعُرْفْه
وهكذا ينتقل الأصمعي من لفظ إلى لفظ حتى يستوفي ما لديه في هذا الباب لينتقل إلى الباب الذي يليه. إنّ هذا الكتاب ضروري ومهم لكل عامل في ميدان اللغة وتاريخها، وذلك نظراً لقدمه ولأنّ ما فيه قد تعاورته المعاجم اللغوية فهو كالأصل لما ورد فيه إضافة إلى أنّ مؤلفه كان من الرواة الثقات الصدوقين. وقد قدّمه محققه محققاً مضبوطاً غنياً بالاحالات والفهارس.