قام بتأليف هذا الكتاب كل من مارتن هيرش مستشار الدولة ورئيس جمعية ايماوس في فرنسا، وهي الجمعية التي أسسها الأب بيير الشهير بدفاعه عن الفقراء أو المحرومين على مدار نصف قرن. ومعلوم أنه كرس حياته كلها لقضية الفقراء حتى أصبح أكثر الشخصيات شعبية في بلاد موليير وفيكتور هيغو. وقد كرّس مارتن هيرش حياته أيضا لمحاربة الفقر الذي يصيب العائلات والأطفال. وكان المساعد الأول للأب بيير.
ولذلك أصبح مؤخرا وزيرا في حكومة نيكولا ساركوزي على الرغم من أنه يساري لا يميني. لقد أصبح المفوض السامي المسؤول عن التضامن الفعال مع الفقراء وضد الفقر. وأما سيلفين فيلنيف التي ساهمت معه في تأليف هذا الكتاب فهي صحفية ومناضلة أيضا في بعض الجمعيات التي تكافح ظاهرة الفقر في فرنسا.
ومنذ البداية يقول المؤلف ومساعدته ما معناه: في عام 2004 احتفلنا بذكرى حزينة هي ذلك النداء الشهير الذي وجهه الأب بيير إلى الأمة الفرنسية عام 1954 للنهوض ضد الفقر ولمساعدة الفقراء. ومعلوم أنه وجه النداء بعد أن سمع بموت أم وطفلها من البرد في شوارع باريس. وجن جنون هذا الكاهن المسيحي الطيب القلب وهزّ الشعب الفرنسي هزا بندائه المؤثر الذي يدعوه فيه للتحرك من أجل محاربة الفقر والتضامن مع الضعفاء والمحرومين. وقال بما معناه: بعد اليوم لا ينبغي أن تموت امرأة مع طفلها في شوارع باريس من الفقر. هذا عيب وعار علينا.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد خمسين سنة من ذلك التاريخ وجه الأب بيير نداء آخر لمكافحة الفقر أيضا. ولكن لم نكن نفكر هذه المرة فقط بالأطفال الفقراء وإنما أيضا بكل تلك العائلات التي تعاني من أزمة السكن التي لا تزال متفاقمة في فرنسا كما كان عليه الحال بعد الحرب العالمية الثانية! إننا نفكر بضحايا البطالة وكل أولئك المتسكعين في شوارع باريس وسواها بلا مأوى ولا طعام ولا أمل. وقد أردنا تحسيس المسؤولين السياسيين والاقتصاديين ومجمل الشعب الفرنسي تجاه الأشكال الجديدة للفقر في فرنسا.
لقد أردنا أن نقول لهم بأن الفقر لم ينته في بلادنا على الرغم من أنها خامس قوة اقتصادية في العالم. وهذه تسجل كنقطة عار علينا. فلا أحد يفهم لماذا لا يزال الفقر موجودا بمثل هذه القوة في فرنسا الغنية جدا بالثروات والإمكانيات. فالثروات تزايدت كثيرا في هذه البلاد ولم تعد الأمور متدهورة كما كان عليه الحال بعد الحرب العالمية الثانية حيث دمرتنا الحرب، وحيث كنا بحاجة لصرف كل فرنك على إعادة الإعمار. وبالتالي فانتشار الفقر كان مفهوما آنذاك. أما اليوم !لماذا لا يزال الفقر موجودا في فرنسا حتى بعد مرور ستين عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية؟ هذا هو السؤال الذي لا نجد عليه جوابا حتى الآن.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد أصبح الفقر ظاهرة دائمة في فرنسا، ولم يعد يصيب فقط الناس الهامشيين أو العاطلين عن العمل. وإنما يصيب أيضا حتى الذين لهم وظيفة في إحدى الشركات أو حتى في إحدى الإدارات الفرنسية. فالكثيرون ينامون في سياراتهم لأن رواتبهم لا تكفي لاستئجار بيت والسكن فيه. هل هذا معقول؟ حتى الموظف الصغير الذي يمتلك عملا أصبح فقيرا وعاجزا عن تأمين السكن لنفسه ولأطفاله.
البعض يقولون: عندما يعود النمو الاقتصادي إلى سابق عهده سوف ينتهي الفقر في فرنسا. ولكن هذا ليس صحيحا. فرنسا بلد غني جدا كما قلنا، والمسألة ليست ضعف الاقتصاد أو فقر الدولة. المسألة تعود إلى تنظيم المجتمع الفرنسي ذاته. فهذا المجتمع يحوي أكبر الثروات غنى وفحشا إلى جانب أكثر الناس بؤسا وفقرا! وبالتالي فلا يوجد توزيع عادل أو شبه عادل للثروة في فرنسا. وهنا تكمن المشكلة بالضبط. فرنسا بلد مليئ بالتفاوتات الطبقية الهائلة. وبالتالي فالمجتمع أصبح لا إنسانيا بالخالص.
لقد استطاع طوني بلير أن يقضي على فقر الأطفال وبالتالي العائلات الشعبية عن طريق إطلاق برنامج طموح. واستطاع بالفعل خلال بضع سنوات أن يقلص الفقر بنسبة 25 بالمائة. وأما في فرنسا فلم يكن عند أي مسؤول كبير الإرادة السياسية الكافية للشروع بمثل هذا المخطط الإنساني النبيل. صحيح أن الحالة في بريطانيا كانت متفاقمة أكثر مما هي عندنا بسبب سياسة تاتشر الرأسمالية التي لا ترحم. ومعلوم أنها مع ريغان مثلت أبشع أنواع السياسات الظالمة المضادة للفقراء والمحبذة للأغنياء. ولكن طوني بلير جاء بعدها وصحح المعادلة.
أما نحن في فرنسا فلم يتجرأ أي مسؤول سياسي حتى الآن على الانخراط في مشروع طويل الأمد لتقليص الفقراء حتى للقضاء عليه. وحتى شيراك الذي بنى كل حملاته الانتخابية على تقليص الفقر لم ينفذ أي شيء من وعوده. على العكس لقد ازداد عدد الفقراء في عهده الميمون.
والغريب العجيب أنه في الوقت الذي يزداد فيه عدد الفقراء في فرنسا يزداد أيضا عدد الأغنياء وتزداد ثرواتهم أضعافا مضاعفة. ولكن هل هذا غريب فعلا؟ أليس الفقر في المجتمع ناتجا بالضبط على الغنى الفاحش للأقلية التي تقف على رأس المجتمع والفقر الفاحش للأكثرية التي تقع في أسفل السلم الاجتماعي؟
لقد أجروا استطلاعا للرأي العام الفرنسي سنة 2004، وتبين من خلاله أن أهم مشكلة تشغل بال الفرنسيين هي الفقر. ف93 بالمئة منهم مهمومون بها، و90 بالمئة مهمومون بالسرطان. ويعتقد الفرنسيون في أغلبيتهم أن الفقر ازداد في فرنسا بدلا من أن ينقص. ولو ظهر فيكتور هيغو من جديد لألف كتابا أضخم من السابق عن «البؤساء».
ثم يخصص المؤلف فصلا للتحدث عن الفقر بلا حدود أو الفقر الذي يخترق كل الحدود. والمقصود فقر الأجانب في فرنسا وغير فرنسا. يقول المؤلف: إن أطفال الأجانب الذين وصلوا حديثا إلى بلادنا يعيشون في ظروف مأساوية لا تليق بفرنسا كبلد لحقوق الإنسان. فهم يعانون من سوء التغذية وقلة الأدوية والسكن غير اللائق وأشياء أخرى عديدة. ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأننا نعيش الآن في عصر العولمة الكونية. وفرنسا تستفيد كثيرا من هذه العولمة على الصعيد الاقتصادي والثقافي والفني.
والعولمة تعني تبادل السلع التجارية المصنعة والمنتجات الزراعية بدون حدود وبلا قيد أو شرط. ولكنك لا تستطيع أن تتبادل السلع دون أن تتبادل الأشخاص وتستقبل الهجرات والمهاجرين. ومع ذلك فالبعض في فرنسا يعتقد أن بإمكاننا الاستفادة من العولمة ثم إغلاق حدودنا في وجه الأجانب لكيلا يجيئوا إلينا ويأكلوا خبز الفرنسيين.
وهذه أنانية ما بعدها أنانية. يضاف إلى ذلك أن هذا شيء مستحيل على التطبيق. فعلى الرغم من كل التدابير التي اتخذتها الحكومة ضد الهجرة إلى أن الهجرة إلى بلادنا لم تنقطع. صحيح أنها خفت ولكنها لم تتوقف، وهذا شيء طبيعي في عصر العولمة التي لم تعد تعترف بالقيوم أو بالحدود. ثم يردف المؤلف قائلا: لكي نقضي على الفقر في بلادنا ينبغي أن نساعد دول الجنوب على تنمية نفسها لكيلا ترسل فقراءها إلينا. وبالتالي فالتضامن أصبح ضرورة كونية في عصر العولمة. فكلما زاد الفقر في بلدان المغرب أو إفريقيا السوداء كلما دفعنا نحن الثمن أيضا.
ولذا ينبغي على الدول الصناعية الغنية في الغرب أن تساعد هذه الدول على النهوض بنفسها لأن في ذلك مصلحتنا جميعا. وبلدان الجنوب بحاجة إلى مشاريع اقتصادية وتوظيف استثمارات ضخمة فيها. فلماذا نتردد في دعمها؟ يضاف إلى هذا أن أكثر الناس فقرا في بلادنا هم من الجاليات المهاجرة من عرب أو سود أو أفارقة.
*الكتاب: وراثة الفقر، مليونا طفل فقير في فرنسا
*الناشر: روبير لافون ـ باريس 2006
*الصفحات:223 صفحة من القطع المتوسط
La pauvreté en héritage, 2 millions d'enfants pauvres en France
Martin Hirsch avec Silvaine Villeneuve
Robert Laffont- Paris 2006
p.223
