المؤلف باحث ومهندس زراعي يعمل منذ خمس عشرة سنة حول الرابطة بين أنماط الإنتاج الزراعي والصحة. سبق له ونشر العديد من الدراسات حول الموضوع. وهذا هو كتابه الأول. هل البدانة هي مستقبل البشر؟ هذا هو السؤال الذي يحاول المؤلف الإجابة عنه في «الجميع بدينون غدا» وما يؤكده بقوة هو أن البشر إذا لم يغيروا عاداتهم الغذائية فإنهم سوف يكدسون كميات أكبر من الدهون وسيصابون بالبدانة المفرطة، رغم أن كميات ما يتناولونه من أطعمة تتناقص أكثر فأكثر أيضا.
إن أسئلة كثيرة يتم طرحها من أجل تفسير الظاهرة، مثل: «كيف غيّر حليب الأم من تركيبه خلال أربعين عاما إلى درجة أنه يجعل الرضّع أكثر فأكثر بدانة؟» و«ما هي المحركات الاقتصادية الكامنة وراء التباين المقلق والتعاظم بين «الجينات» البشرية والأغذية؟ و«ما هي المصالح القوية التي جعلت الفكر الجاهز المتعلق بالتغذية يسيطر على العقول؟ الخ.
للإجابة عن هذه الأسئلة والعديد غيرها يقوم مؤلف الكتاب بمعالجة مسائل التغذية بطريقة فريدة تجمع للمرّة الأولى بين المعطيات العلمية والاقتصادية والبيئية وحتى السياسية، وذلك بالاعتماد على دراسات استمرّت طيلة عقد كامل من الزمن في ميدان التغذية. ولكن أيضاً بالاعتماد على معارف علمية «صلبة» في المجالات ذات العلاقة بأنماط التغذية الحديثة مثل مجالات «تغذية الحيوانات المكرّسة للاستهلاك الإنساني بعد تربيتها.
وهكذا يبيّن كيف أن المواد الأساسية الطبيعية الوفيرة في الأعشاب خلال فصل الربيع لها آثار حميدة مستدامة على الصحة الحيوانية وبالتالي على الصحة الإنسانية. لكن إذا كانت الآراء المقدّمة تذهب باتجاه مصلحة المستهلك وصحته فإنها بالمقابل تتعارض في أغلب الأحيان مع المصالح المالية والاقتصادية للصناعات الغذائية ـ الزراعية والصناعات الدوائية.
تتركز شروحات هذا الكتاب حول خمسة محاور أساسية؛ يخص الأول منها، الذي يبدو كمقدمة، تحديد الحالة الراهنة للبدانة المفرطة في العالم وحيث يؤكد المؤلف أن «الوباء يتقدم» إذ هناك اليوم في العالم أعداد متزايدة «أكثر فأكثر» من البدينين وبوقت مبكّر «أكثر فأكثر»، إذ أن الأطفال أنفسهم لم يعودوا بمنجاة من البدانة. ويقابل هذا كله فشل ذريع عرفته سياسات الوقاية كلها.
ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن البدانة المفرطة تشكل تحديا جديا تماما «مع أن وحدة قياسها تثير الابتسام»، إذ أنها تقاس بـ «الكيلوغرام في المتر المربع» وتسمّى «مؤشر الكتلة الجسدية». فمثلا إذا كان طول الشخص 170 سنتمترا ووزنه 80 كيلوغراما فإن «مؤشر كتلته الجسدية» هو 27,6 أي أنه ليس بدينا حيث يكون المؤشر اعتبارا من 30 وإنما يمتلك «وزنا زائدا». مفهوم «الوزن الزائد» المتفق عليه يبدأ اعتبارا من 25 بالنسبة لمؤشر الكتلة الجسدية.
اعتمادا على مثل هذه المعايير، لم تكن فرنسا تعرف حتى عام 1980 «البدانة المفرطة» كظاهرة جماعية واجتماعية وليدة. وإنما كان هناك أفراد «بدينون». لكن بنفس الفترة كانت نسبة 10 بالمئة من الأميركيين من البدينين مقابل 5 بالمئة في أستراليا. وكانت بريطانيا وهولندا وفنلندا قد بلغت هذا المستوى 5 بالمئة من البدينين بين مواطنيها البالغين اعتبارا من مطلع عقد الثمانينات. وفي عام 2006 بلغ عدد البدينين في فرنسا 5,9 ملايين نسمة مقابل 14 مليونا من ذوي الأوزان الزائدة. هذا يعني أن أكثر من 40 بالمئة من السكان هم بدينون أو ذوو وزن زائد حسب معاير «مؤشر الكتلة الجسدية».
وزيادة البدانة أدّت إلى تغيير «المقاسات» لدى صانعي الألبسة الجاهزة. وكانت المنظمة العالمية للصحة قد صنّفت البدانة كـ «وباء» على خلفية واقع وجود حوالي مليار شخص من ذوي «الوزن الزائد» و400 مليون «بدين» في العالم. إن «الوباء» يتقدم أيضاً بسرعة كبيرة في البلدان «الصاعدة» خاصة الصين. وفي فرنسا ازدادت نسبة البدانة ما بين عام 1997 و2006 حوال 64 بالمئة لدى النساء مقابل 40 بالمئة لدى الرجال. وتنتشر البدانة وزيادة الوزن لدى جميع شرائح السكان مع الإشارة إلى أنهما كانتا سابقا، أو في أمكنة أخرى، علامة خارجية على الثروة. الدلالة معكوسة اليوم، باختصار كان لهما دائما بعدهما الاجتماعي.
وتحت عنوان: «قل لي ماذا تأكل أقل لك من ستكون»، يشرح المؤلف كيف أن بعض الأغذية يمكن أن «توقظ الجينات النائمة». وكذلك من الممكن أن تتولد «نزاعات» بين «جيناتنا القديمة» التي لا تتغير مع كل جيل وبين «أغذيتنا الجديدة» التي تتطور بسرعة كبيرة. هنا يميّز المؤلف بين آليات «التخزين» التي لجأ لها الجسد الإنساني في أزمنة قديمة وحيث كانت ضرورية لبقائه بينما أصبحت هذه الآليات لا تتماشى مع الأزمنة الحالية الحديثة التي تتسم خاصة بالوفرة. بكل الحالات تقوم عملية «التخزين» على تناول كميات من الأطعمة أكثر من الحاجة المباشرة لها «فيزيولوجيا».
إن المؤلف يدرس في هذا السياق أيضاً التبدلات المناخية التي عرفتها الطبيعة خلال آلاف السنوات حيث أدّى اعتدال المناخ إلى زيادة كبيرة في عدد الطرائد ووفرة الحبوب والثمار على مدار السنة كلها تقريبا. لكن ذلك التطور ترافق أيضاً مع زيادة عدد البشر وبالتالي زيادة احتياجاتهم، وهكذا شبّت النزاعات بينهم أحيانا وأصبحت أسلحة الصيد أدوات للحرب. وفي هذا السياق جرى اختراع الزراعة وتنوعت بالتالي الأطعمة مما تتطلب بدوره التنبّه لمسألة «التوازن» في استهلاكها.
ثم بدأت بعد ذلك الدراسات العلمية حول العلاقة بين الصحة والبيئة. ويشير المؤلف أن مستشفيات فرنسا شهدت في مطلع عقد السبعينات الماضي توزيع «منشورات» بطريقة «شبه سرية» صادرة عن المعهد القومي الفرنسي للصحة والبحث الطبي تشير إلى وجود علاقة «عضوية» بين الأمراض المسماة «حديثة» مثل السرطان والسكري والذبحة القلبية وبين ما يأكله البشر وما «يدخنونه». وأظهرت دراسات عديدة أن أمراض السكري و«البدانة» تتزايد عندما يتغير الوسط المحيط.
الدراسات الإحصائية تؤكد نفس النتيجة، مثل تلك الدراسة التي أجريت على قبيلة «بيماس» الهندية في منطقة «اريزونا» والتي كان أبناؤها لا يعرفون زيادة الوزن ومرض السكّري عندما كانوا صيادين يعيشون مقترين واليوم 75 بالمئة من البالغين منهم يعانون من زيادة الوزن أو من البدانة و50 بالمئة منهم يعانون من مرض السكّري، اي ما يمثّل أعلى نسبة في العالم، وذلك عندما أدّى تغيير محيطهم بسبب «جفاف الينابيع» إلى «دخولهم» في القرن العشرين وعيشهم على المساعدات التي تقدمها الدولة.
وتحت عنوان: «قل لي ماذا تأكل أقل لك لماذا تتغير» يشرح المؤلف طبيعة «وجبات اليوم» المؤلفة من خليط يجمع بين الزراعة والصناعات الغذائية والصيدلة. إنه يبيّن الآليات التي تتم بها اليوم صناعات الأغذية التي يأكلها البشر وهو يدرس الدورة بكاملها من الأرض إلى المصنع ومن المصنع إلى طبق الطعام في إطار العولمة حيث يمكن للمادة الأولية أن تأتي من حقول غانا أو ماليزيا والمكوّن المساعد على التخمّر أو الحفظ من الصناعة الكيماوية في البلدان المتقدمة والمستهلك قد يكون في الصين أو غيرها. هنا يكرّس المؤلف عدة صفحات من الكتاب لدور زيوت النخيل والذرة وغيرها من الزيوت النباتية الأخرى. وقد أصبحت زيوت النخيل «الأرخص سعرا في العالم» هي الأكثر استهلاكا وزاد إنتاجها ستة أضعاف ما بين عام 1980 وعام 2000.
في المحصلة يؤدي استهلاك الدهون المشبعة المتزايد عبر زيادة استهلاك الزيوت النباتية «المعاملة كيماويا بالهيدروجين» إلى زيادة كبيرة في حجم الخلايا البشرية وما يتبع ذلك في نهاية المطاف من «بدانة» مفرطة. في المحور الأخير من الكتاب الذي وضعه المؤلف تحت عنوان: «ما هي الحلول، غدا؟» يرى المؤلف أنه لن يكون ممكنا فعل أي شيء «دون إعادة الاعتبار لمتعة الأكل»، وذلك عبر «وجبات» تحتوي على ما هو مطلوب من «حريرات ومتعة». إذ «ربما» أننا نأكل أكثر مما ينبغي، ونبالغ «بالتأكيد» غالبا في إيقاع وجباتنا.
مقابل هذا يؤكد المؤلف على متعة الطعام ونوعيته بالنسبة للجميع، ذلك أنه إذا لم يكن ممكنا تحسين «أشكال سلوكنا» فعلينا «تحسين منتوجاتنا». بهذا المعنى يريد أن يقدم حلولا واقعية عبر التأكيد على أهمية «تعلّم الاستهلاك بشكل جيد» تجنبا للبدانة غدا. كتاب عن قصة التغذية الإنسانية و«انحرافاتها» الحداثية وفي مقدمتها «وباء» البدانة.
*الكتاب:الجميع بدينون غدا - 40 عاما من الأكاذيب، 10 كيلوجرامات وزن زائد
*الناشر: بلون ـ باريس 2007
*الصفحات: 249 صفحة من القطع المتوسط
Tous gros demain?
40 ans de mensonges, 10 kilosde surpoids
Pierre Weill
Plon-Paris 2007
P. 249
