مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور دوغلاس ج. سيمبسون أستاذ الفلسفة في جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأميركية. وكان قد نشر عدة كتب عن جون ديوي وفلسفة التربية المعاصرة. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم لنا المؤلف لمحة تاريخية عامة عن أكبر فيلسوف أنجبته أميركا في تاريخها المعاصر: جون ديوي. وهو يقول منذ البداية ما معناه: ولد جون ديوي في منطقة فيرمون بالولايات المتحدة عام 1859 ومات في نيويورك عن عمر يناهز المئة تقريبا عام 1952. وقد أصبح فيما بعد أشهر فيلسوف أميركي في مجال علم التربية وعلم النفس التطبيقي. وأثر بذلك على البرامج الدراسية الأميركية وعلى أجيال متتالية من الطلاب والطالبات.
والواقع أنه كان أستاذا في جامعة شيكاغو التي تعتبر من أشهر الجامعات الأميركية. وكان يدرس في قسم الفلسفة داخلها وكذلك في قسم علم النفس والتربية. وقد أسس هناك مدرسة تجريبية تحت عنوان: المدرسة التجريبية لشيكاغو. وبين عامي 1896 ـ 1904 أسس مختبرا علميا للدراسات النفسية التطبيقية من أجل فهم التربية بشكل أفضل. وكان يعرّف التربية على النحو التالي: إنها علم النفس التطبيقي. فلا يمكن أن تربي الأجيال الجديدة بشكل صحيح إلا إذا فهمت النفسية البشرية وحاجياتها. وقد نقلت روسيا منهجيته التربوية إليها بين عامي 1900 ـ 1930 وطبقتها على برامجها التعليمية قبل أن تتخلى عنها تحت ضغط الشيوعيين.
والواقع أن جون ديوي كان متأثرا بالفيلسوف الألماني الكبير هيغل على الرغم من أن هذا الأخير لم يكن براغماتيا وإنما مثاليا. كما وتأثر كثيرا بأفكار تشارلز داروين الذي كان قد شغل القرن التاسع عشر بنظريته الشهيرة عن تطور الأنواع. وعموما فإن أفكار جون ديوي السياسية هي أقرب ما تكون إلى الاشتراكية.
ثم يردف المؤلف قائلا: كان ديوي يعتبر أن الروح البشرية هي عبارة عن أداة لا تنفك تتطور وتتيح للإنسان بأن يتأقلم مع المحيط السائد. وبفضل اللغة والتربية فإن الفرد يغتني بالتجارب الجديدة عن طريق احتكاكه بأشخاص آخرين أكبر منه سنا وتجربة. ولكن ينبغي على المعرفة التي يكتسبها الإنسان أن تنصهر في شخصيته وتجاربه الذاتية لكي تصبح فعالة وذات معنى. وبالتالي فإن جون ديوي كان يدين التعليم على هيئة التلقين والحفظ الببغائي عن ظهر قلب. فالتعليم لكي يكون مفيدا وناجعا ينبغي أن يلبي حاجيات الإنسان وتساؤلاته الشخصية.
والواقع أن أهمية جون ديوي تعود إلى أنه كان أول من طرح التساؤلات على التربية الديمقراطية الحديثة في أميركا. وقد ابتدأ يتساءل منذ بداية القرن العشرين قائلا: هل تتوافق مدارسنا مع المثال الأعلى للديمقراطية. إذا كانت تقدم للطلاب إمكانية الاعتراض عليها وعلى برامجها فإنها تكون فعلا ديمقراطية. أما إذا كانت ذات طابع تلقيني محض فإنها تكون عندئذ استبدادية.
ويرى المؤلف أن المدرسة الديمقراطية ضمن منظور جون ديوي هي تلك المدرسة التي تتيح للطلاب أن يطرحوا الأسئلة وأن يعترضوا على ما يدرسه الأساتذة لهم وأن يناقشوا مضامين البرامج الدراسية بكل حرية، الخ. أما المدرسة التي تكتفي بالتلقين والتدجين فإنها لا تخرج طلابا أحرارا أو مواطنين حقيقيين وإنما تخرج القطيع والبهائم. وبما أن طلاب اليوم هم مواطنو الغد فإنه يفضل أن تتبنى الدولة التربية الديمقراطية من أجل تخريج مواطنين صالحين.
ولكن إذا كان جون ديوي يقبل بأفكار أستاذه هيغل عن الديالكتيك، أي دراسة الصيرورة البشرية وقوانينها وعن كلية الوجود وتطور الأفكار وقوتها إلا أنه يفضل مصطلح العقل العلمي على المصطلح الهيغلي الخاص بالروح المطلقة. فجون ديوي يعتقد أن العلم هو وحده الذي يتطور من مرحلة إلى أخرى وهو وحده القادر على تغيير العالم ونقله من مرحلة متخلفة إلى مرحلة متقدمة. بالطبع فإنه يتفق مع هيغل على ضرورة الانتقال من مرحلة التعسف والاعتباط إلى مرحلة دولة القانون والحريات الديمقراطية الحديثة. وهنا لا يوجد أي خلاف بين الرجلين. فكلاهما مع الحداثة والعلمانية والفهم المستنير للدين.
ثم يردف المؤلف قائلا: بعد أن درّس جون ديوي الفلسفة وعلم التربية في جامعات ميتشيغان ومينيسوتا وشيكاغو انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك عام 1904. وكان ذلك يعتبر بمثابة ترفيع له بعد أن انتشرت سمعته أو شهرته في شتى أنحاء الولايات المتحدة الأميركية. فجامعة كولومبيا بنيويورك من أهم الجامعات الأميركية ولا تعادلها إلاّ جامعة هارفارد. وقد بقي يدرس في تلك الجامعة حتى إحالته على التقاعد عام 1930، أي بعد أن تجاوز السبعين من العمر. ثم عاش بعدئذ عشرين سنة أخرى أو أكثر قليلا.
وهكذا اخترق جون ديوي التاريخ الأميركي من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين وشهد بل ورافق كل القفزات النوعية والتطورات التي طرأت على الولايات المتحدة الأميركية. وأصبح هذا الفيلسوف العقلاني الحكيم رمزا على الحياة الأميركية ككل. نقول ذلك وبخاصة أنه جسّد قيم الحرية والديمقراطية ومعاداة التمييز العنصري الذي كان شائعا جدا في ذلك الزمان.
وهناك ميزة أخرى لجون ديوي هي أنه رفض دائما الانغلاق في اختصاصه الضيق كما يفعل أساتذة الجامعات عادة. على العكس، فإنه راح ينفتح على كافة الاختصاصات والعلوم الإنسانية. وكان يرى أن الفيلسوف ينبغي أن يكون ملما بعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم التاريخ وسواها لكي يصلح فيلسوفا حقيقيا. وبالتالي فقد كان فيلسوف الثقافة العامة الشاملة على طريقة نموذجه الأعلى هيغل.
ثم يطرح المؤلف مسألة العلاقة بين جون ديوي والفلسفة البراغماتية أو الذرائعية المسيطرة على أميركا. وهنا يقول بما معناه: كان جون ديوي براغماتيا على طريقته الخاصة. بمعنى أنه كان يقبل بمسلمات هذه الفلسفة التي تسود الولايات المتحدة مثلما تسود الديكارتية فرنسا.
وهذه المسلمات تقول ما يلي:
1 ـ لا يمكن للفلسفة أن تعيش لوحدها في برجها العاجي وتنعزل عن بقية العلوم أو عن هموم الحياة. فالفيلسوف ينبغي أن يكون منخرطا في هموم المجتمع وقضاياه وإلا فلا معنى له ولا لفلسفته.
2 ـ الحقيقة التي يكتشفها الفيلسوف ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع وفعالة ومثمرة وإلا فهي ترف فكري لا لزوم له. وهكذا تقيم الفلسفة البراغماتية مطابقة بين الحقيقة والمصلحة أو الحقيقة والمنفعة. فكل ما ينفع المجتمع صح وكل ما يضره غلط حتى ولو كان صحيحا. من هنا الطابع البراغماتي للسياسة الأميركية والحياة الأميركية ككل.
3 ـ الواقع لا وجود له إلا بالقياس إلى الإنسان. وبالتالي فالفلسفة البراغماتية أو الذرائعية لا تعترف إلا بالواقع المحسوس وترفض متاهات الميتافيزيقيا التي تتحدث عن الأشياء المطلقة واللانهائية.
4 ـ غاية الفلسفة إسعاد الإنسان على هذه الأرض وتشكيل مجتمع متقدم يلبي حاجيات كل أفراده. أما كل ما يتجاوز ذلك من تساؤلات غيبية عن الموت والحياة بعد الموت فلا يهم الفلسفة البراغماتية. فهذه الفلسفة تريد تحقيق الجنة على الأرض. وهي تعتبر أن المجتمع الأميركي حققها إلى حد كبير عندما أصبح أقوى مجتمع في العالم بفضل العلم والتكنولوجيا أساسا.
هذه هي المسلمات الأساسية للفلسفة البراغماتية التي كان يتبناها جون ديوي وسواه من كبار فلاسفة أميركا. ونلاحظ أن السياسية الأميركية ليست بعيدة عنها بالرغم من المغامرات الحمقاء التي قام بها المحافظون الجدد مؤخرا. فهي سياسة براغماتية عموما. ويتوقع المراقبون أن يعود القادة الأميركان إلى هذه الفلسفة التي أدت إلى نجاح أميركا وتفوقها على جميع أمم الأرض. فالبراغماتية هي فلسفة الناس الواقعيين الذين لا يؤمنون إلا بالتجربة المحسوسة والفعالية الفكرية وتحقيق التقدم المادي والحضاري. وبالتالي فالإنسان البراغماتي هو نقيض الإنسان المثالي الحالم الذي يعيش بعيدا عن الواقع.
*الكتاب: جون ديوي
*الناشر: بيتر لانغ للنشر - نيويورك 2006
*الصفحات: 159 صفحة من القطع الكبير
John Dewey
Douglas J. Simpson
Peter Lang Pub Inc - New York 2006
p.159
