ساهم في تأليف هذا الكتاب الجماعي ما لا يقل عن أربعين باحثا واختصاصيا في تاريخ المسيحية. فالبعض مختص بتاريخها القديم، والبعض بتاريخها الوسيط، والبعض بتاريخها الحديث. وهو أول كتاب من نوعه في اللغة الفرنسية. ومنذ البداية يقول المؤرخ المعروف الآن كوربان المشرف العام على المشروع ما يلي: إن المسيحية تطبع بطابعها الحياة اليومية للشعوب الأوروبية حتى ولو كانت جاهلة بها بعد أن أصبحت علمانية وبعيدة جدا عن الدين.
وبما أن الكثيرين أصبحوا جاهلين بتاريخ هذا الدين الذي سيطر على المجتمعات الأوروبية حتى أمد قريب: أي حتى بداية القرن العشرين بل وحتى منتصفه فإننا أردنا أن نقدم كتابا جامعا يعيد تعريفهم به. وهذا لا يعني العودة إلى العبادات أو العقائد أو الطقوس المسيحية، وإنما يعني التعريف بأبعادها التاريخية والثقافية والفنية والعمرانية والحضارية. ثم يردف البروفيسور الآن كوربان قائلا: ولذلك قسمنا الكتاب إلى أربعة أجزاء وكل جزء متفرع إلى عدة فصول. فالجزء الأول مثلا يتحدث عن بدايات التاريخ المسيحي ويشمل الفترة الممتدة من القرن الأول إلى القرن الخامس الميلادي.
وهنا يتحدث المختصون بإسهاب عن كيفية ظهور المسيح أو عيسى بن مريم عليه السلام في فلسطين، وعن الإنجيل، وعن الاضطهاد والذي لحق بالجماعات المسيحية في الفترات الأولى. ثم يتحدث الكتاب بعدئذ عن نهاية هذا الاضطهاد عندما اعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطينوس الديانة المسيحية في بداية القرن الرابع للميلاد. وبعدئذ أصبحت المسيحية دين دولة كبرى وأصبحت هي التي تضطهد الآخرين. أما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة تاريخ المسيحية في العصور الوسطى، أي ما بين القرن الخامس للميلاد والقرن الخامس عشر. وهذا يعني أن العصور الوسطى استمرت في الغرب مدة عشرة قرون متواصلة.
وخلال هذه القرون العشرة كانت المسيحية تسيطر سيطرة كاملة على العقول في فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا وكل الأقطار الأوروبي دون استثناء. وعندئذ ساد التعصب في بعض الفترات بل وحصلت الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش السيئة الذكر. أما الجزء الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة تاريخ المسيحية الأوروبي في العصور الحديثة. وهنا يتعرض المختصون لعدة مواضيع هامة: كالإصلاح الديني الذي اندلع في القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر وكالفن وسواهما. وبدءً من تلك اللحظة انقسمت المسيحية الأوروبية إلى قسمين متخاصمين: كاثوليكي تابع للفاتيكان وبابا روما، وبروتستانتي لا يعترف بالبابا أبدا بل يكرهه ويعاديه.
وبدءً من تلك اللحظة دخلت أوروبا المسيحية في صراعات طائفية ومذهبية استمرت عدة قرون، أي حتى انتصار الحداثة والعلمانية في القرن التاسع عشر أو بعد انتصار التنوير الفكري والعقلية الجديدة في القرن الثامن عشر. أما الجزء الرابع والأخير من الكتاب فمكرس لأهم فترة أي الفترة الحالية. والمقصود بها الفترة التي شهدت تأقلم المسيحية الأوروبية مع الحداثة. وهنا يتعرض مؤلفو الكتاب لعدة قضايا أساسية كالتفسير التاريخي للنصوص المقدسة والمعارضة الشديدة التي لاقاها من جهة الأصوليين المسيحيين. فهم يريدون أن يظل التفسير التقليدي سائدا لكيلا تتفتح العقول وتتحرر. كما ويتعرضون لمسألة التجديد اللاهوتي الذي فرض نفسه في القرنين التاسع عشر والعشرين بعد أن انتشرت النظريات العلمية والفلسفية بكثرة في مجتمعات الغرب.
وهنا يتعرض البروفيسور فيليب بوتري لموقف البابوات المتزمتين من الحداثة. وقد كان موقفا متشددا ومتزمتا ومعاديا في الغالب. ومن أشهرهم في القرن التاسع عشر البابا بيوس التاسع (1846-1878) الذي أطلق فتوى شهيرة بإدانة الحداثة. يقول هذا الباحث المختص ما يلي: في وسط القرن التاسع عشر نجد أن البابا بيوس التاسع الذي حكم الكنيسة أكثر من ثلاثين سنة كان من أشد البابوات عداء للعالم الحديث. فقد أصدر فتوى لاهوتية تدين الليبرالية، والفلسفة العقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، الخ. لقد قطع هذا البابا مع الليبرالية الدينية والفلسفية والأخلاقية والسياسية لزمنه بشكل راديكالي. ورفض كل قيم العالم الحديث جملة وتفصيلا. واعتبرها خروجا على الدين لا أكثر ولا أقل. لقد اعتبرها كفرا محضا وحذر المسيحيين من اتباعها.
وعندئذ انقسم المسيحيون في أوروبا إلى قسمين: قسم ليبرالي منفتح، وقسم أصولي متزمت. وجرت المعارك الفكرية بين الطرفين على صفحات الجرائد والكتب. فالقسم الأول أو بالأحرى التيار الأول دافع عن التقدم العلمي الذي ساد القرن التاسع عشر واعتبره بمثابة الخير العميم الذي سيقضي على الجهل والفقر والمرض والتخلف. وأما التيار الثاني فاعتبر التقدم بكل مخترعاته ونتائجه وكأنه رجس من عمل الشيطان أو بدعة شريرة تحرف الإنسان المسيحي عن دينه. ثم يردف الباحث قائلا: ويمكن اعتبار هذا الخلاف العقائدي بمثابة أكبر انشقاق شهده المسيحيون في العصور الحديثة. وقد انتهى أخيرا بانتصار التيار الليبرالي العقلاني المنفتح. ولكن هذا الانتصار لم يكن سهلا على الإطلاق.
فالتيار المتزمت الذي قاده البابا بيوس التاسع على مدار اثنين وثلاثين عاما من حكمه رفض كل نتائج العصور الحديثة. لقد رفض الإصلاح الديني البروتستانتي، وفلسفة التنوير، والثورة الفرنسية، والدولة الليبرالية الحديثة. كما ورفض حقوق الإنسان وكل الأنظمة السياسية التي تتبناها. وقال لا يوجد شيء اسمه حقوق الإنسان، توجد حقوق الله فقط. أما البروفيسور رينيه ريمون صاحب الكتب الشهيرة عن المسيحية وعميد معهد العلوم السياسية في باريس سابقا فقد كتب فصلا تحت عنوان: المسيحية والإيديولوجيات في القرن العشرين. وفيه يقول بأن المسيحية شهدت منافسة حامية لها من قبل الإيديولوجيات الكبرى التي سيطرت على القرن العشرين وبالأخص الإيديولوجيا الشيوعية أو الماركسية. ومعلوم أن الماركسية مارست جاذبية كبيرة على الشبيبة الأوروبية في تلك الفترة.
وقد تخلى الكثيرون عن المسيحية لكي يلتحقوا بها. وأصبحت المسيحية بالنسبة لهم عقيدة قديمة أو حتى رجعية. وعندئذ وجدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها في مأزق كبير فعلا. ولذلك ظهر تيار جديد داخل المسيحية يدعى باليسار المسيحي. وهو يقدم تفسيرا طبقيا أو ماركسيا عن رسالة الإنجيل. ولا يمكن أن نهمل أيضاً التيار الذي يركز على الشخص المسيحي الذي دشنه في القرن الماضي فيلسوف يدعى ايمانويل مونييه.
ومعلوم أنه أسس مجلة «إسبري» أي الروح أو الفكر في اللغة الفرنسية، وهي المجلة التي رفعت لواء المصالحة بين المسيحية والحداثة بعد طول عراك وخصام. وكان من أبرز الكتاب فيها الفيلسوف الكبير بول ريكور. وهؤلاء حاولوا التوفيق بين العلم والإيمان أو بين الدين والفلسفة. وقالوا إننا إذا ما فسّرنا الدين بشكل صحيح فإنه لا يتعارض أبدا مع العلم الحديث. فللدين مجاله وللعلم مجاله وهما يكملان بعضهما البعض. ثم قالوا بأن التفسير القديم والمتزمت للدين هو الذي يتعارض مع الحداثة.
ولكن هناك تفسيرا آخر ممكن غيره: هو التفسير الليبرالي العقلاني المستنير. وهو الذي ينبغي أن نأخذ به لكي نخرج من الورطة التي وقعنا فيها. وبالتالي فينبغي أن نحارب التفسير الرجعي للدين عن طريق التفسير التقدمي ذي النزعة الإنسانية. أما البروفيسور فيليب لوفيلان عضو المعهد الجامعي لفرنسا وأستاذ التاريخ المعاصر في جامعة نانتير بضواحي باريس فقد كتب فصلا شيقا بعنوان: الفاتيكان الثاني (1962-1965) وفيه يتحدث عن ذلك المجمع الكنسي الشهير الذي أدى إلى تصالح المسيحية الأوروبية مع الحداثة بعد طول صراع وعداء.
وفيه يقول بما معناه: لقد فهم الفاتيكان لأول مرة أنه لن يستطيع دعوة الناس للعودة إلى المسيحية إذا ما بقي مصرا على مواقفه السابقة وفتاواه الرجعية التي تدين الحداثة. ولذلك جمع كبار رجال الدين في مجمع كنسي مشهور باسم الفاتيكان الثاني وطالبهم بإصدار فتاوى لاهوتية جديدة ذات طابع تنويري أو تحريري. وعلى هذا النحو تصالحت المسيحية مع الحداثة أخيرا.
*الكتاب:تاريخ المسيحية
*الناشر: سويل ـ باريس 2007
*الصفحات: 473 صفحة من القطع الكبير
Histoire du Christianisme
Alain Corbin
Seuil- Paris 2007
p.473

