الدكتور حسين إبراهيم العطار أستاذ جامعي مصري، باحث في التاريخ الحديث والمعاصر. له مجموعة من المقالات والدراسات المنشورة في الصحف والدوريات العربية، من كتبه:(الصراع على الكويت في عهدي التبعية والاستقلال - العلاقات البريطانية / السعودية (1945 - 1971) - العرب والصعود الصيني في مطلع القرن الحادي والعشرين - المتاحف / عمارة وفن وإدارة - مصر والقضية الفلسطينية في كامب ديفيد) وفي كتابه الجديد (السياسة الأميركية تجاه الملك والثورة في مصر 1945 - 1952) يتناول الباحث بالشرح والتحليل العديد من العناصر المترابطة التي تشكّل في مجملها مادة خصبة وغنية لإعطاء صورة واضحة لمسببات ومقدمات ثورة 23 يوليو وعلاقة الولايات المتحدة بهذه المقدمات.

وهو يرصد الحالة العامة الدولية والحالة العامة في مصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتطلع الولايات المتحدة إلى مصر والشرق الأوسط، وأثر حرب فلسطين على المجتمع والجيش المصري، وتدهور العلاقات المصرية البريطانية على اثر إلغاء مصر لمعاهدة سنة 1936 وتأزم الوضع الداخلي في مصر نتيجة لحادث حريق القاهرة، واهتمام الولايات المتحدة بنشاط الضباط الأحرار حتى قيام الثورة وتأييد الولايات المتحدة لها. يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول. فعن (السياسة الأميركية وتوجهاتها تجاه مصر ومنطقة الشرق الأوسط) يشير الباحث إلى قيام العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأميركية على أساس قنصلي من سنة 1832 إلى سنة 1922 ثم كان التمثيل على أساس مفوضية من سنة 1922 إلى سنة 1946 واقتصر النشاط الأميركي في مصر ومنطقة الشرق الأوسط طوال هذه الفترة على النواحي الثقافية والدينية والاقتصادية.

ونظراً للظروف الدولية التي واكبت الحرب العالمية الثانية، وما لاقته كل من بريطانيا وفرنسا من هزائم على يد ألمانيا وإيطاليا في بدايات هذه الحرب، وحاجتيهما إلى مساندة حليف قوي كان في ذلك الوقت هو الولايات المتحدة التي كانت تسعى إلى مدّ وتوسيع نفوذها ونشاطها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط ، فأضافت إلى أنشطتها الثقافية والدينية والاقتصادية الاهتمام بالأمور السياسية الاستراتيجية وكانت الولايات المتحدة تهدف من وراء ذلك إلى ترسيخ أقدامها في المنطقة وزحزحة النفوذ البريطاني في كل من مصر والعراق وفلسطين وغيرها وأيضا زحزحة النفوذ الفرنسي من كل من سورية ولبنان.

وعن أحوال مصر السياسية وانغماس الولايات المتحدة فيها يرى الباحث أن مصر تطلعت إلى المجتمع الدولي الجديد المتولّد عن الحرب العالمية الثانية 1939 - 1945 من أجل الحصول على استقلالها وسيادتها التامة على إنجلترا. فقد رأت القوى الوطنية المصرية انه لم يعد ثمة مبرر الآن لاستمرار الاحتلال والتواجد العسكري البريطاني على أرض مصر، فأخذت تنادي بالحرية والاستقلال وتضغط على الحكومة لاستغلال هذا الوضع الدولي الجديد المتولّد عن الحرب والفوز باستقلال البلاد، لا سيما وان هناك عوامل مشجعة على ذلك منها:

1 ـ خروج بريطانيا من الحرب وهي في المرتبة الثانية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بعد الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن تخلّيها عن الكثير من مستعمراتها ومناطق نفوذها، مما أعطى لمصر الأمل في تحقيق مطالبها الوطنية.

2 ـ إعلان الحكومة البريطانية عن سياستها الجديدة، التي كانت تقضي بتحويل كل مستعمراتها إلى كومنولث بريطاني، بعد حصول هذه المستعمرات على الاستقلال.

3 ـ رغبة الولايات المتحدة بالقيام بدورها الإيجابي في حفظ السلم والأمن الدوليين، فقد أوحى للقوى الوطنية المصرية بأن في مقدور الولايات المتحدة أن تمارس ضغطها على بريطانيا للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وبخاصة مصر. وعن الولايات المتحدة وعلاقاتها بكل من الملك والضباط الأحرار. يوضح الباحث موقف عبدالناصر الذي أخبر روزفلت عن طريق ضباطه أنهم جميعاً لن ينسوا ذلك الانكسار والإذلال الذي لاقوه على أيدي الإسرائيليين سنة 1948، إلا أن نقمتهم ستنصبّ بالدرجة الأولى على كبار ضباط الجيش المصري، ثم على بقية الحكام العرب والبريطانيين، وأخيراً على الإسرائيليين. وكان روزفلت قد أدرك الحقيقة نفسها من خلال محادثاته معهم، وأيضا من خلال محادثاته مع الزعماء المدنيين في مصر ومن بينهم الملك فاروق نفسه.

كما أن السفير الأميركي جيفرسون كافري كان قد توصل بدوره الى إدراك هذه الحقيقة. ويذكر الباحث التقرير الذي قدمه كيرميت روزفلت بعد أن عاد إلى واشنطن، في مايو 1952 إلى وزير الخارجية الأمريكية دين آتشيسون والذي يكشف موقف الولايات المتحدة من الثورة والملك بشكل واضح من خلال النقاط التالية:

1 ـ لم تعد الثورة الشعبية التي كان يسعى إليها كل من الأخوان المسلمين والشيوعيين - وتخشاها وزارة الخارجية الأميركية - واردة في الحساب .

2 ـ لم يعد هناك أي أمل في إبعاد الجيش عن القيام بانقلاب قريب، وإثنائه عن عزمه على استلام السلطة، رغم كل التحفظات التي كان يبديها واضعو مخططاتها في واشنطن، من أن تكون النتائج مشابهة لما جرى في سوريا على أيدي العسكريين.

3 ـ إن قادة الانقلاب المحتمل، يرفعون شعارات قياسية تخالف ما اقترحه كثير من المراقبين الدبلوماسيين، وتجعل منهم، وهم في السلطة طرفاً ليناً ومرناً في أية مفاوضات تخوضها معهم، كما أنها تزيد من فرصتهم في النجاح.

4 ـ يجب أن توافق الحكومة الأميركية على إقصاء الملك فاروق، وربما دفن النظام الملكي نهائياً في مصر. ولا يمنع هذا من اتباع بعض الشكليات الدبلوماسية، مثل إرسال مذكرة احتجاج رقيقة تفسح المجال أمام السفير كافري لإظهار قلقه المصطنع على سلامة الملك فاروق.

5 ـ على الحكومة الأميركية ألا تفكر على الإطلاق ببذل أية محاولة بعد وقوع الانقلاب لإقناع العسكريين بإعادة الحياة الدستورية وإجراء الانتخابات وما إلى ذلك.. وعليها أن تبني علاقاتها مع العهد الجديد على أساس أن الحياة الديمقراطية ومؤسساتها يجب إعادة بنائها من جذورها.

6 ـ من المستحسن ألاّ يحاول أي من المسؤولين الأميركيين ان يفكر بأن الانقلاب انقلاباً، بل انه مجرد حدث داخلي متحرّر الى حدّ ما من نفوذنا، وكل ما علينا ان نقدمه من مساعدة وتأييد هو عدم وقوفنا في طريقه. وأما بشأن الحاجة إلى عدو يلتقي الجميع على كراهيته والخوف منه، فإن هذا العدو لن يكون إسرائيل، بل طبقة السياسيين القدماء والإقطاعيين في مصر ثم البريطانيين سواء رضينا أم أبينا.

د. وانيس باندك

*الكتاب: السياسة الأميركية تجاه الملك والثورة في مصر (1945 - 1952)

*الناشر:مطبعة النجاح الحديثة - القاهرة 2007

*الصفحات: 282 صفحة من القطع الكبير