المساهم الرئيسي والمشرف على إنجاز هذا الكتاب روبرت ليغفولد هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية، وهو مختص بالعلاقات الدولية لروسيا وبقية جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا.
له العديد من المؤلفات من بينها: جورجيا بعد الثورة الزهرية والفكر الإستراتيجي: مراكز القوة للأمن في بيلوروسيا واوكرانيا وروسيا والغرب وما بعد الاتحاد السوفييتي: من الإمبراطورية إلى الأمم والسياسة السوفييتية في إفريقيا الغربية. هذه الكتب فيها مؤلفون آخرون.
السياسة الخارجية لروسيا في القرن الحادي والعشرين وظلال الماضي، هو كتاب جماعي تنقسم تحليلاته عمليا بين فترتين، ما قبل تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وما بعدها. وتشير مختلف المساهمات التي يتضمنها هذا الكتاب إلى أن مفهوما جديدا للعلاقات الروسية-الأميركية قد برز في منظور التقارب وتحت العنوان العريض المتمثل في مكافحة الإرهاب.
ذلك أن تبدلا عميقا في العلاقات الروسية-الأميركية أصبح ممكنا بفضل الانعطاف الذي شهدته السياسة الخارجية الروسية من جهة، ولكن أيضا بفضل التحول الذي عرفته السياسة الخارجية الأميركية نفسها، بعد تلك التفجيرات، وأخذ باعتباره الموقف الجديد لروسيا. وكان قد بدا لفترة من الوقت، على الأقل، أن ذلك التقارب يمكن أن يؤدي إلى نوع من الشراكة.
وهنا يتم التأكيد على الأهمية الكبيرة التي تكتسيها مسألة المشروع الأميركي لبناء منظومة مضادة للصواريخ في أوروبا. ومن المطلوب في هذا الإطار الوصول إلى نوع من الاتفاق الإستراتيجي الذي يقبل به الطرفان من أجل أن تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ مشروعها.
ولكن هذا ما لا تزال روسيا تتردد كثيرا في قبوله، بل وتُبدي، حتى الآن، الكثير من الاعتراضات عليه. هذا مع التأكيد المستمر في هذا الكتاب أن رسم إطار إستراتيجي شرط لا بد منه لأي تقارب روسي ـ أميركي على صعيد السياسة الخارجية.
ومن المسائل، أو بالأصح المشاكل الأخرى التي ستكون عاملا حاسما في رسم معالم السياسة الخارجية الروسية على الصعيد العالمي، يتم تحديد مشكلة الأمن الأوروبي. هذه المشكلة التي يترتب عليها في واقع الأمر، بحث العديد من الملفات المرتبطة بها، وليس أقلها شأنا، ملف الحلف الأطلسي وإشكاليات توسيعه كي يصل إلى تخوم روسيا الأوروبية.
ويتم التأكيد أن هذا الملف يمكن أن يكون أحد مصادر الخلاف الكبرى، لاسيما وأن العديد من القادة الروس يرون في السعي الأميركي الواضح من أجل توسيع إطار الحلف الأطلسي كي يضم دول البلطيق، التي كانت حتى الأمس القريب جمهوريات سوفييتية، إنما يشكل عملا عدائيا يستهدف أولا وأساسا محاصرة روسيا.
ويتم التأكيد أيضا في التحليلات المقدّمة على أن القادة الروس، وفي مقدمتهم الرئيس فلاديمير بوتين، يسعون عبر منهجهم المتبّع على صعيد السياسة الخارجية التأكيد على أن روسيا قوة كبرى وبالتالي لها مسؤولياتها فيما يخص إدارة شؤون العالم، وخاصة أن لها كلمتها فيما يخص الأمن الإقليمي والعالمي.
ويبدو هذا السعي الروسي واضحا فيما يخص قضايا العالم الخارجي، وفي مقدمتها قضية الشرق الأوسط حيث تريد القيادة الروسية الجديدة أن تتابع الدور المركزي الذي كان يطّلع به الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن دون التصريح علنا بذلك.
وتتمثل إحدى العقبات التي تواجهها الإستراتيجية الروسية في ميدان السياسة الخارجية بالواقع الاقتصادي الذي تواجهه البلاد، هذا في ظل إدراك القادة الروس على مدى تواضع حصة روسيا في إجمالي الإنتاج الاقتصادي العالمي بالقياس إلى إنتاج الولايات المتحدة الأميركية. هكذا يشكل الواقع الاقتصادي أحد نقاط الضعف التي تعاني منها روسيا من أجل زيادة نفوذها على مسرح السياسة الدولية.
كذلك تتم الإشارة، بأشكال مختلفة، إلى أن المجال الجيوسياسي الذي يعطي لروسيا أهميتها يتمثل في مدى نفوذها على الدول المجاورة، والتي كان العديد منها جمهوريات سوفييتية سابقة. بهذا المعنى يبدو النفوذ الروسي على الصعيد الدبلوماسي الدولي كبيرا بشكل يتناسب مع النوفذ الروسي على الجوار، ولكن يتناسب أيضا مع مدى قوة هذا الحوار نفسه.
لذلك يريد القادة الروس، والنخب في روسيا، على قاعدة إدراكهم لهذا الواقع، أن يكون لهم دور مركزي في الأحداث التي تعرفها آسيا الوسطى والقوقاز وأوكرانيا وبيلوروسيا ومولدافيا. فمثل هذا الدور يشكل مفتاحا حقيقيا من أجل تعزيز أهمية روسيا على الصعيد الدولي.
وتتمثل إحدى النقاط التي يتم التعرض لها بشكل مسهب في تحليلات هذا الكتاب بالملف النووي. يتم التأكيد في هذا الإطار إلى أن الإدارة الأميركية الحالية ترفض بشكل قاطع الدخول في المنطق الذي حدده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه عندما
قال تعليقا على العرض الاميركي وحيد الجانب بتقليص الترسانة النووية الأميركية ما مفاده: ينبغي أن يندرج أي اتفاق في إطار معاهدة تتضمن بنودا تؤكد على ضرورة التفتيش الدولي من أجل مراقبة ما جرى الاتفاق عليه.
كذلك يتم التأكيد في هذا السياق أن الأميركيين يريدون تجنب أية مفاوضات يمكن أن تؤدي إلى عقد معاهدة، بينما أن الرئيس الروسي قد يقبل الذهاب إلى حد السماح لواشنطن بإقامة دقاع محدود مضاد للصواريخ والقيام بالتجارب الضرورية من أجل الوصول إلى ذلك.
لكنه يصر على ضرورة أن يتم الوصول إلى مثل ذلك الاتفاق عبر التفاوض بين الأطراف المعنية وأن تتم قنونته بصيغة معاهدة. وهذا ما يرد عليه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بالقول: دعونا نتبادل الثقة بيننا فنحن لم نعد أعداء، ولم يعد الأمر يتطلب من الآن فصاعدا المرور بمعاهدات.
لكن فلاديمير بوتين يرد على ذلك بالقول: حتى الأصدقاء يوقعون عقودا فيما بينهم عندما يعقدون صفقات. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن موقف بوتين بخصوص الوصول إلى عقد معاهدات يلقى الدعم من قبل الصين والاتحاد الأوروبي والأغلبية الساحقة من دول العالم المعنية، لكن الولايات المتحدة تتصرف وكأنها لا تسمع ولا ترى أي شيء من ذلك.
ويتم التأكيد في التحليلات المقدمة على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشكل مركز القوة الحقيقية في بلاده حيال العسكريين كما حيال البرلمانيين في مجلس الدوما أو حيال المؤسسة السياسية كلها، بما في ذلك المعارضة.
بالتالي ليس هناك أي مجال للمراهنة أنه يمكن، وبسبب هشاشة سياسية مفترضة، أن يقدم تنازلات للأميركيين. مع ذلك تتم الإشارة إلى وجود بعض الاستياء لدى القيادات العسكرية الروسية من السياسة الخارجية لروسيا في العهد الحالي،
لاسيما التوجهات الخاصة في مجال الدفاع المضاد للصواريخ، أو فيما يتعلق بسياسة فلاديمير بوتين المتساهلة حيال نشر قوات أميركية في آسيا الوسطى، لاسيما في اوزبكستان وربما في طاجيكستان.
لكن تبقى نقطة التباين الكبرى بين بوتين والقيادات العسكرية تخص مسألة التراجع غير المفهوم إلى حد ما، أمام الأوروبيين والأميركيين بشأن توسيع إطار الحلف الأطلسي. لكن في المحصلة يتم التأكيد على أن مواقف العسكريين لا تمثل أي تهديد جدّي لسلطة فلاديمير بوتين.
وكان فلاديمير بوتين قد أدلى، منذ بداية عهده، أهمية خاصة لحضور روسيا على المسرح الدولي. هكذا تعددت وتواترت الزيارات التي قام بها إلى الخارج محاولا أن ينسج علاقات مثمرة مع أغلبية قادة العالم الكبار، وكانت أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في مقدمة اهتماماته.
في المحصلة يتم التركيز على القول أنه بمقدار ما يتعزز توجه روسيا نحو المعسكر الغربي ونحو الانخراط في المؤسسات الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية سوف يتعزز الحضور الروسي على الساحة السياسية الدولية خلال القرن الحادي والعشرين.
*الكتاب: السياسة الخارجية الروسية في القرن الحادي والعشرين وظلال الماضي
*الناشر: جامعة كولومبيا 2007
*الصفحات: 534 صفحة من القطع المتوسط
Russian foreign policy in the twenty first century and the shadow of the past
Columbia University press 2007
P. 534
