مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي والكاتب السياسي الفرنسي فرانسوا دورسيفال. وهو يتعاون مع عدة مجلات فرنسية هامة كالفيغارو ماغازين وسواهما. وبحكم علاقاته مع الرؤساء ورجال السلطة المتعاقبين فإنه أحد العارفين بقصر الاليزيه لأنه يتردد عليه منذ ثلاثين سنة على الأقل.

وهو يقول بهذا الصدد ما يلي: وراء جدران الاليزيه الصامتة يخفق قلب فرنسا. وفي البداية كان هذا القصر المتواضع الحجم ملكا لعشيقة الملك لويس الخامس عشر مدام دو بومبادور، ثم لملك فرنسا نفسه، ثم لنابليون بونابرت الذي أخذ فيه آخر حمام بعد هزيمة واترلو الشهيرة، ثم أصبح أخيرا مقرا لرؤساء جمهوريات فرنسا وقلب السلطة الفرنسية.

ثم يردف المؤلف قائلا: لقد قابلت مطولا مدام شيراك لكي تكون الدليل الهادي لنا في أرجاء قصر الاليزيه حيث عرفتنا على كل صالوناته الراقية ومكاتبه الفخمة وحيث تحدثت لنا عن ذكرياتها فيه. فأول مرة دخلت زوجة جاك شيراك قصر الاليزيه كان في عهد الجنرال ديغول أو بالأحرى أواخر عهده. وكان زوجها، جاك شيراك، قد عين للتو نائب وزير في حكومة يترأسها جورج بومبيدو.

وقد دعاهما الجنرال ديغول إلى الغداء في الاليزيه للتعرف على زوجها لأنه لم يكن قد رآه سابقا. وكان شيراك آنذاك شابا صغيرا لا يتجاوز الثالثة والثلاثين في حين أن الجنرال كان في عمر والده على الأقل.

وقد خافت مدام شيراك من الجنرال الذي وضعها إلى جانبه أثناء حفل الغداء لأن شخصيته التاريخية كانت تخيف حتى الرجال الكبار فما بالك بالنساء؟ ولكن الجنرال ديغول بذل الكثير من الجهد واللطف لكي يخفف على السيدة برناديت شيراك من هول الصدمة إذ تجلس إلى جانب قائد فرنسا الحرة لأول مرة.

ولكنها في الواقع كانت تعرف عنه الكثير لأن والدها كان سكرتيره الشخصي في لندن إبان الحرب العالمية الثانية حيث كان الجنرال يقود المقاومة ضد الألمان. وربما كانت الدعوة بسبب ذلك أيضا. ثم أصبح والدها سفيرا في عهد ديغول وشخصية مرموقة سنوات طويلة. وبالتالي فهي تنتمي إلى عائلة ديغولية.

ثم تقول مدام شيراك إنها عندما خرجت من القصر بعد انتهاء حفل الغداء لم تكن تتوقع على الإطلاق أن يصبح زوجها رئيسا للجمهورية يوما ما وأن تعود هي إلى هذا القصر لكي تسكنه لمدة اثني عشر عاما بصفتها سيدة فرنسا الأولى. فسبحان مغير الأحوال.

ولكنها عادت إلى الاليزيه مرات عديدة بعدئذ وقبل أن يصبح زوجها رئيسا بكثير. لقد عادت إليه في عهد جورج بومبيدو الذي كان المعلم الأكبر لشيراك. فقد كان يدعوهما مرارا وتكرارا إلى الغداء أو العشاء أو الحفلات الرسمية. وعندئذ لم تكن تشعر بالخوف أمام الرئيس أو بالهيبة الساحقة لأن بومبيدو ليس شارل ديغول.

وبهذا الصدد يروي أحد الوزراء السابقين الحكاية التالية: وهي أنه عندما كان يدخل على ديغول في مكتبه بالاليزيه كان يشعر بالرعب إلى درجة أنه لا يستطيع أن يبلع ريقه لعدة لحظات متتالية. وهذا شيء لم يحصل له مع أي شخص آخر في التاريخ. وبالتالي فهيبة ديغول كانت بالفعل ساحقة ومدام شيراك معذورة إذ خافت منه بعد أن وضعها إلى يمينه على وجبة الغداء.

ثم يتحدث المؤلف عن كيفية وصول الجنرال ديغول إلى قصر الاليزيه عام 1958 وكيف استقبله رئيس الجمهورية آنذاك، رينيه كوتي. وعلى الرغم من أن هذا الأخير لم يكن من حزبه أو جماعته إلا أنه استقبله بهذه العبارة التي ذهبت مثلا: الآن أصبح أعظم الفرنسيين الرجل الأول في فرنسا!

بمعنى أنه يقبل بأن يتخلى له عن السلطة لكي ينقذ البلاد من مأزق الجزائر حيث تجري حرب تحرير طاحنة شوهت سمعة فرنسا وجيشها. وعندئذ قال له الرئيس رينيه كوتي أو الذي لن يبقى رئيسا أكثر من بضع ساعات بعد ذلك: سيدي الجنرال. البلاد بحاجة إليكم وأنتم الشخص الوحيد الذي يستطيع إخراجها من هذه المحنة الرهيبة التي تعصف بها.

وعندئذ قال له ديغول: يا فخامة الرئيس أنا بحاجة إلى سلطة كاملة طيلة الستة أشهر الأولى لكي أواجه المشكلة الجزائرية ولكي أزود البلاد بدستور جديد قادر على قيادتها نحو درب الخلاص. أنا لن أعود إلى السلطة إلا بهذه الشروط. فوافقه رينيه كوتي على ذلك لأن الحالة مستعجلة ولا تحتمل أي تأخير.

وهكذا تخلى رئيس الجمهورية طوعا عن منصبه وقدمه هدية للجنرال ديغول. لماذا؟ لأن الشخصيات السياسية الحقيقية تقدم مصلحة الأمة على مصالحها الخاصة. فرينيه كوتي كان يعرف أن ديغول بهيبته التاريخية هو وحده القادر على إنقاذ فرنسا من المستنقع الجزائري مثلما أنقذها سابقا من الاحتلال الألماني.

إنه الوحيد القادر على إقناع الفرنسيين بالقبول بفكرة استقلال الجزائر وانفصالها عن فرنسا. لا توجد أي شخصية سياسية أخرى قادرة على ذلك. ومع هذا حاول اليمين المتطرف الفاشي التطاول عليه واغتياله أكثر من مرة.

ولكن العناية الإلهية حمته منهم واستطاع أن يقود الأمور إلى باب النجاة حتى آخر لحظة. ثم يردف المؤلف قائلا: وبعدئذ استقر الجنرال ديغول مع زوجته ايفون في قصر الاليزيه لمدة عشر سنوات متواصلة. وزود البلاد بدستور جديد ومؤسسات جديدة هي هذه التي تحكمها حتى الآن. كما أسس الجمهورية الخامسة التي لا تزال قائمة والتي استلم مقاليدها نيكولا ساركوزي مؤخرا بعد انتهاء ولاية شيراك.

وبالتالي فديغول لم ينقذ فرنسا فقط من مأزق الحرب الاستعمارية في الجزائر وإنما فتح صفحة جديدة في التاريخ السياسي الفرنسي لا تقل أهمية عن صفحة نابليون أو حتى لويس الرابع عشر. وهكذا أصبح أحد أهم الشخصيات في تاريخ فرنسا.

وللدلالة على نزاهة ديغول بالقياس إلى بقية الرؤساء هي أنه كان يدفع من جيبه مصروف الكهرباء في الاليزيه، أقصد مصروف شقته الخاصة داخل القصر حيث يسكن مع زوجته! وهذا شيء لم يحصل في التاريخ أبدا.

فعادة تكون نفقة الرئيس على حساب الدولة. وهذا أمر طبيعي. ولكنه قال لوزرائه: خففوا من نفقاتكم فمصاريفكم كلها على حساب الشعب الفرنسي. ولا أريد أي بذخ أو تبذير أو إهدار لأموال الدولة أو استغلال شخصي لها.

ثم رفض ديغول أن يسود نظام الوساطة في عهده. فلم يستفد أبناء إخوته أو أخواته شيئا من كونه رئيسا لجمهورية فرنسا. ولا حتى ابنه الأميرال فيليب ديغول لم يستفد شيئا بل كان يعاقبه بدلا من أن يكافئه!

وكان يقول: لا تنجح الدول إلا إذا وضعنا الرجل المناسب في المكان المناسب. أما إذا وضعنا أولادنا وأولاد أعمامنا وقرابتنا في المناصب الحساسة لكي يستفيدوا منها فإن الدولة سوف تخرب. كل الدول القائمة على الرشوة والفساد والمحسوبية والعلاقات الشخصية والوسائط تدهورت أوضاعها وخربت.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: وعلى هذا النحو استطاع الجنرال ديغول أن يبني دولة حقيقية تحظى بالاحترام من قبل دول العالم كافة. وأمّن لفرنسا سيادتها ومستقبلها واستقلالها عن أميركا وزودها بالسلاح الذري والقوة الضاربة.

كما وازدهرت أحوال الناس اقتصاديا في عهده إلى درجة أن البطالة كانت معدومة تقريبا في حين أنها الآن عشرة بالمئة. وعندما يتحدث الناس الآن عن عهده يقولون: كانت تلك فترة السنوات المجيدة فترة الازدهار والرفاهية والعيش الرغيد. هذا ما حققه الجنرال ديغول لفرنسا عندما حكمها من قصر الاليزيه. وللأسف قد لا يمكن القول إن أسلافه وبخاصة شيراك وميتران كانا في نفس النزاهة الشخصية.

*الكتاب:حكاية الاليزيه

*الناشر: روشيه ـ باريس 2007

*الصفحات :428 صفحة من القطع الكبير

Le roman de l'Elysée

Editions du Rocher -Paris 2007

p.428