عندما نشرت رواية «اللاعبون» لدون ديليلو في عام 1977، كانت إحدى شخصياتها، وهي بامي، تعمل في المركز التجاري العالمي حديث البناء آنذاك. وقد أحست بأن «البرجان لم يبديا دائمين، وإنما ظلا مجرد مفهومين، وعلى الرغم من حجمهما الهائل فإن ذلك لم يقلل من طابعهما الزائل الذي يجعلهما أقرب إلى تشويه روتيني للضوء».

تبدأ رواية ديليلو الجديدة «الرجل الذي هوى» بعد ذلك بأربع وعشرين سنة، مع وقوف كيث نيوديكر في أحد شوارع نيويورك وقد كساه الرماد ونثار الزجاج والدم وقد أمسك بحقيبة أوراق شخص آخر، بينما تحقق ذلك الحدس بزوال البناء وسط هدير يبعث على الغثيان خلفه.

في ذلك اليوم، يعود كيث، وهو نصف عائلة كلاسيكية حسنة التعليم من إبداع ديليلو، إلى ليان، التي كان قد انفصل عنها، وإلى ابنهما جوستين. ويعرف كيث وليان إن تلك هي لحظة نهوض كيث من موته الذي كان مقدراً له، كما نهض لعازر من قبره،

وذلك على الرغم من أن ديليلو يبقى حتى نهاية الرواية ذلك المشهد الذي يصف هرب كيث من البرج الأول، وكذلك اللحظات الأخيرة من حياة أحد الخاطفين. يحدث التصالح بين كيث وليان فيما يكاد يكون نوعاً من اللاوعي المصدوم، ولا يدخل الاثنان الا بالكاد في الحوارات الساخرة الحافلة بالمضايقات المألوفة بين الأزواج في روايات ديليلو.

وتنطلق ليان في مرحلة من جنون الارتياب المفعم بالغضب من كل شيء. ويجتذب كيث، المنتمي إلى وسط شرق أميركا، إلى ناحية أخرى، هي نينا، أم ليان، ويعكر صفاء قصة حبها لمارتن اليساري الألماني التي دامت عشرين عاماً.

ويتخلى كيث عن اشتغاله بالمحاماة ليصبح لاعب بوكر محترفاً، وينغمس جوستين في لعبة طفل، تشمل الاستعانة بمنظار ميداني لرصد طائرة في السماء، انتظاراً لرجل يدعوه «بيل لوتون».

من منظور بعض النقاد فإن رواية ديليلو التي سبقت رواية «الرجل الذي هوى»، أي رواية «كوزموبوليس» كانت مثيرة للشعور بخيبة الأمل لأنها تستند إلى الموقف وتخلو من نبضات القلب.

وبالمقابل فإن روايته الجديدة هي بمثابة عودة إلى أفضل أعماله، فما من روائي آخر كان يمكن أن يقدم عملاً روائياً يشمل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على نحو ما يفعل ديليلو هنا. وقد كان من الطبيعي أن تثير هذه الرواية سلسلة هائلة من ردود الأفعال، سواء من جانب المطبوعات المتخصصة في النقد الأدبي أو من جانب الصحف والمجلات بصفة عامة.

ها هي مطبوعة «لايبراري جورنال» المتخصصة تبادر إلى تحية الروائي والرواية معاً بإيجاز بليغ عبر القول: «يخرج رجل من ركام البرجين التوأم ويمضي إلى شمال نيويورك ليعيد اتصاله بزوجته السابقة وابنه. إذا كان بمقدور روائي أن ينصف أحداث الحادي عشر من سبتمبر فإن هذا الروائي لن يكون إلا ديليلو».

وفي الإطار نفسه من التقدير للعمل وللروائي الذي أنجزه تقول مجلة «إسكواير» في ايجاز بليغ أيضاً: «ليس هناك في أدبنا من قام بجهد أكبر ليحرز الحق في الكتابة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر من دون ديليلو، فهذا اليوم هو يوم كان يمكن له هو نفسه أن يكون مؤلفاً له ينسجه من بنات أفكاره».

وبدورها ترى صحيفة «إندبندنت» اللندنية إن هذه الرواية تبدو أكثر إدهاشاً مما نتوقع لأن مؤلفها كان جيداً في انجاز هذه النوعية من الأعمال في السابق. وهي تعيد إلى الأذهان أصداء مقال كان ديليلو قد كتبه بعد شهرين من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونشره في مجلة «هاربرز»،

وأشار فيه إلى مشكلة لم يعالجها أي كاتب آخر بصورة مرضية، وهي أن هذه الكارثة منذ لحظاتها الأولى ذاتها امتلكت صورتها الخاصة، وأصبحت رمزها الذاتي، فهي تبدو تماماً على النحو الذي حدث، وهو انهيار برج شاهق.

وبروح التقدير ذاتها تشيد صحيفة «صنداي تايمز» في مقال مطول بعنوان «بعد السقوط» بالرواية وبالروائي، وتشير إلى أنها ترى أن الرجل الذي هوى المشار إليه في العنوان ليس كيث أو أياً ممن كانوا معه في البرجين، وإنما هو الخاطف الذي تصوره هذه الرواية، التي تصفها بأنها لا تنسى.

وحدها صحيفة «أوبزرفر» اللندنية تنفرد بمقال كتبه آدم مارس - جونز في ملحقها الأدبي والفني الأسبوعي على صفحة كاملة بانتقاد صارم لما تراه أوجه نقص وقصور في الرواية.

بداية تشيد «الأوبزرفر» بديليلو باعتباره روائياً أكثر نضجاً ممن سبقوه إلى تناول نسيج العمل نفسه، لكنها تشدد على عمق الصعوبات والمشكلات التي تبرز في غمار معالجته لهذا الموضوع، فهو يتخذ قراراً شكلانياً وتعسفياً بدفع نجاة كيث من البرج إلى نهاية الرواية خروجاً من مكانها الطبيعي وهو بدايتها.

وتعدد الأصوات، أو البوليفينية، في الرواية يعاني من تشققات تهدد العمل بكامله بالسقوط والتهاوي كالبرجين نفسيهما. وثمة تساؤل، لا تنقصه الوجاهة، عما إذا كانت هذه الرواية هي رواية التحلل أم النقيض، بحيث أن «الرجل الذي هوى» تعطي الانطباع بأنها طبقات متتابعة لا تضم جوهراً حقيقياً بداخلها.

مثل هذه الانتقادات لا تقلل بحال من قيمة رواية ديليلو، وانما هي على العكس تدفعنا إلى المزيد من التعمق في قراءتها، وهي تثور في المقام الأول لأننا أمام عمل شديد الثراء يستحق - عن جدارة - التوقف أمامه طويلاً، بالتساؤل ومحاولة الفهم.

عالم من رماد

«لم يعد شارعاً بعد، وإنما غدا عالماً، زماناً ومكاناً من رماد متساقط وليلاً يدنو. كان يمضي شمالاً عبر الحطام والطين وكان هناك أناس يركضون مجتازينه وقد وضعوا فوطاً على وجوههم أو سترات فوق رؤوسهم.

كانوا قد وضعوا مناديل مضغوطة على أفواههم. وفي أيديهم أحذية، وقد أمسكت امرأة بفردة حذاء في كل يد من يديها، وانطلقت راكضة متجاوزة إياه. ركضوا وسقطوا، بعضهم، وقد تشوشوا على نحو لم يغنموا معه شيئاً، والحطام يتساقط حولهم، وثمة أناس يحتمون أسفل السيارات.

كان الدوي الهائل لا يزال في الهواء، الدمدمة المتهاوية للسقوط. كان هذا هو العالم الآن. انهال الدخان والرماد عبر الشوارع، مندفعين في المنعطفات، ومجتازين إياها، موجات سيزمية من الدخان وورق المكاتب يلتمع في اندفاعه، صفحات قياسية ذات حافة قاطعة، متدفقة، مقرقعة، أشياء تنتمي إلى عالم آخر في غبش الصباح.

كان يرتدي بدلة، ويحمل حقيبة أوراق. كان هناك زجاج في شعر ووجهه، حبيبات من الدم والضوء. سار مجتازا لافتة «بريكفاست سبيشال». وانطلقوا يعدون قربه. رجال شرطة المدينة وحراس أمن، يركضون، وقد ضغطت الأيدي على كعوب البنادق لإبقائها ثابتة».

*الكتاب:الرجل الذي هوى

*الناشر:سكريبنر ـ نيويورك 2007

*الصفحات:246 صفحة من القطع المتوسط

Falling Man

7002 .Y.N -renbircS

642.p