ألقى دون ديليلو، الروائي والكاتب المسرحي الأميركي البارز، الضوء على ما يعنيه له واقع سقوط الرجل الذي التقط المصور ريتشارد درو لقطة اندفاعه نحو الأرض متهاويا من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي بنيويورك، وذلك في حوار نادر أجراه معه جون فريمان المحرر الثقافي بصحيفة «إندبندنت» اللندنية في استثناء بارز من قاعدة التزامه الصمت ورفضه إجراء مقابلات صحافية معه.

ليس دون ديليلو بالمؤلف الذي يسهل رصده في شوارع نيويورك، ولا يرجع ذلك إلى أن صورته كمؤلف التي تنشر على كتبه تعود إلى عدة عقود مضت، وإنما هو يرجع بالأحرى إلى أن صورته لا توضح مدى ضآلة جسمه، ومدى نحافته.

وربما كان هذا هو السر في أنه في أصيل أحد الأيام، مؤخراً، حيل بين مبدع العديد من كلاسيكيات الأدب الأميركي المستقبلية وبين دخول مقر دار نشر كبرى في نيويورك بصورة مؤقتة. ويرجع ذلك، فيما يبدو، إلى أن ديليلو لم يبرز بطاقة هوية مناسبة، أو لم يبالغ في تأكيد حقه في الدخول إلى هناك.

وبعد جدال سمحت الحارسة للروائي البالغ السبعين من عمره بالدخول عبر البوابة في طريقة إلى المصعد. وفيما هو يجتاز البوابة، نظرت إليه وقد ارتفع حاجباها، وكأنها تقول: «انظر مدى الحزن والإزعاج الذي يسببه مثل هذا الشخص لنا!».

وكما تبين لاحقاً فإن ديليلو يفضل أن تمضي الأمور على هذا النحو، فبينما يفضل بعض الكتاب أن يكونوا في بؤرة الاهتمام، يؤثر الكاتب الشهير أن يبقى على هامش المجتمع، يرصد من دون أن يرصده أحد.

ومن المؤكد أن هذا لا يجعل إجراء حوار صحافي معه أمراً سهلاً، فبعد لحظات من اجتيازه المتاعب مع الحراس عند البوابة كان يجلس في مكتب خاو، في مقعد مقابل للجدار. وهذا الوضع يضمن أن يظل محتجباً بصورة جزئية بفعل وجود جهاز كمبيوتر، ويتناهى صوته همساً غير متجسد.

وعندما أسأله كيف يبقى مصغياً في غمار موجات الحياة الأميركية، فإنه يرد على السؤال بالمزيد من علامات الاستفهام: «ما الذي تراه حقاً؟ ما الذي تسمعه حقاً؟ هذا هو ما يميز نظرياً الكاتب عن أي شخص آخر، فأنت ترى وتسمع بوضوح أكبر».

ومؤخراً تعمق ديليلو في الإصغاء والاستماع، فقد كان هناك واقع يصعب عليه إلى أبعد الحدود مواجهته، وذلك هو الواقع الخاص لتلك الحيوات التي فقدت عندما تهاوى برجا المركز التجاري العالمي في نيويورك، وواقع الرجل الذي هوى هو نفسه.

ولأن الرجل الذي سقط في رواية «الرجل الذي هوى» ليس هو الذي نجده في صورة ريتشارد درو الشهيرة، فإنه يتعين الوقوف عنده طويلاً. وديليلو يرى في رجل ريتشارد درو تجسيداً مذهلاً للاغتراب، ولكن الرجل الذي هوى في روايته هو رجل يؤكد ويمحو، في آن، روح أميركا، فهو الوضع نفسه الذي اتخذه الرجل الذي صوره ريتشارد درو».

ذراعاه إلى جانبه، وإحدى ساقيه منثنية عند الركبة» وهو يصبح كما يقول ديليلو الرمز الأخير لاغتراب شخصيته. وينتقل ديليلو باهتمامه إلى عمل آخر له، ولكن من دون أن يبعده ذلك بالضرورة عن الحديث عن الموت، فنحن في مسرحيته الرابعة بعنوان «نزيف أكاذيب الحب»،

وهي مسرحية من ثلاثة فصول تدور حول رجل محتضر وصراع عائلته لتقرير ما إذا كانت ستبقيه على أجهزة دعم الحياة من عدمه. في هذه المسرحية، التي عرضت مطولاً في شيكاغو، نحن على موعد مع اليكس ماكلين رسام المشاهد الطبيعية الذي يتعرض لجلطة ثانية، ولم تكن مطلقته توانيت قد رأته منذ بعض الوقت،

وهي تعتقد أنه ينبغي تخليصه من بؤسه، غير أن ابنه شون ليس على هذه الدرجة من التأكد فيما يتعلق بما ينبغي القيام به، ومن هنا فإنه لا يتردد في القول للمرأة التي تحب اليكس الآن، ليا: «إنه ليس واعياً بك، أو بي أو بأي شيء آخر. وهو لا يستطيع التفكير. ولا يعرف ما تقولينه له. إنك لست ليا، وهو ليس اليكس».

وعلى الرغم من أن القارئ قد يتصور أن أحدث روايات ديليلو ومسرحيته الرابعة لابد أنهما تدوران في فلك السياسة بالضرورة، إلا أن ديليلو نفسه يحرص على أن يجعل السياسة خارج دائرة النقاش معه. وذلك هو النحو الذي ألف العملين في إطاره،

وهو يقول عن شخصياته: «إنها في حالة من العزلة الصارخة، خارج نطاق نفوذ المحامين، الأطباء، ورجال الدين. لقد أردتهم أن يتعاملوا مع مشاعرهم، انفعالاتهم ومآزقهم». وعلى سبيل المثال فإننا نجد في المسرحية أن اليكس يجلس على خشبة المسرح كشاهد صامت على محنته.

هذان العملان، بشكل أو بآخر، يرددان أصداء ذلك الشعور الرهيب الذي نجده في رواية ديليلو الصادرة عام 1985 والتي تحولت إلى فيلم شهير «الضجة البيضاء». ويروي ذلك الكتاب قصة أستاذ جامعي متخصص في الدراسات المتعلقة بهتلر في حرم جامعي في الغرب الأوسط من أميركا، والذي يجتاحه الرعب بفعل حادثة تتعلق بمادة سامة تنقل جواً.

هنا نجد أن الظل الناقص شخصي وكلما أوغلت الشخصيات في الحديث ازدادت بعداً عن الوضوح من منظورنا. وفي المسرحية، نجد أن ارتفاع الأحداث إلى ذروتها النهائية يطل في شكل رجوع إلى الوراء، حيث الانفعالات المدفونة تخرج من صدر اليكس لتتنبأ بموته، فنراه يقول لليا، قبل عام من تعرضه للسكتة الدماغية الأخيرة: «إنك أنت القداسة الوحيدة التي أعرفها. قداسة الجسم الأخيرة».

ولكن من هو حقاً الرجل الذي هوى؟

إن ديليلو يحرص على ألا يجيب عن هذا السؤال، ويرى أن الوحيد الذي يمكن أن ينحت ملامح الإجابة عن هذا السؤال هو القارئ نفسه. فالرجل الذي هوى ليس فنان الأداء الذي نراه في مواقع شتى من نيويورك،

كما أنه ليس طموحاً يجسد الاتصالات الإنسانية المقطوعة، وإنما هو «إنسان»، ومأساته ليست أنه جعل من الممكن بالنسبة للناس ألا يحبوا عائلاتهم، وإنما مأساته أنه أحب عائلته وأنها بالمقابل أحبته، وأن صلته بأفراد عائلته تستمر بعد مصرع الرجل الذي هوى في صورة ريتشارد درو، وأنها لا تطاق.

والموت يلقى بظلاله على أعمال ديليلو الأخيرة، ولكنه أقرب إلى تجريد، إلى فكرة. لكننا نجده في بعض هذه الأعمال واقعياً. وهو يقول: «أحسب أن هذه الأعمال تدور حول المعنى الحديث لنهاية الحياة. متى تنتهي؟ كيف تنتهي؟ كيف ينبغي أن تنتهي؟ ما هي قيمة الحياة؟ كيف نقيسها؟».

ويتواصل حديثه لبعض الوقت عبر هذه النوعية من الأسئلة، ثم ينزلق إلى استمرارية من الصمت، قبل أن يعود إلى همسه غير المتجسد: «بالأمس فحسب، تذكرت أنني في إحدى روايات الأولى واعتقد أنها رواية (شارع جريت جونز)، ما لم أكن قد حذفت ذلك المقطع في إطار تحريري للرواية،

هناك إشارة إلى مرضى في مستشفيات بريطانية خصصت لهم أسرة تحمل الحروف الأولى من عبارة «لا ينبغي انعاشهم». وعندما علمت بهذا في أوائل السبعينيات حدثت نفسي بأنه يبدو كأكثر المشاهد كآبة في رواية مستقبلية. والآن فإن هذا شيء شائع، أعني فكرة الناس الذين لا يتعين انعاشهم».

لم يضطر ديليلو قط إلى اتخاذ مثل هذا القرار. وهو يقول: «لو أنني اضطررت إلى ذلك لما تحدثت عنه علناً أبداً». وفيما هو يقول هذا فإن نظرته المحدقة تتوهج من وراء الكمبيوتر بحدة تحمل زخماً مفعماً بالتهديد.

وعبر نظارته الكبيرة، عتيقة الطراز بعض الشيء، تبدو عيناه كبيرتين، صارمتين من دون أن تحملا ضغينة. وفي اللحظة التي أحسب أنني وصلت إلى ما يكمن في أغوارهما، فإن التجاعيد حولهما تلين وترق، وينحى ناظريه بعيداً، وقد بدأ سعيداً لانتهاء الحوار.

ينسحب دون ديليلو على مهل من الحوار، حاجباً نفسه شيئاً فشيئا إلى أن أغدو عاجزاً عن التيقن من الموضوع الذي نتحدث عنه على وجه الدقة، أو كيف وصلنا إلى هذا الموضع من الحوار. وعندما تأتي وكيلية الأدبية لاصطحابه.

فإنه، يكون قد أصبح على وجه التقريب أقرب إلى عم أو خال مألوف، فيداعبها قائلاً بمرح إننا لم نجر مقابلة صحافية حقاً، وإنما تجاذبنا أطراف حديث بين صديقين، وقد اختفى معها وقد بدأ حديثه في هذا الصدد مقنعاً للغاية، إلى حد أن المرء يتوقع أن يجد شريط تسجيل الحوار خالياً من أي مادة مسجلة، فهو دائما الرابح في كل جولاته، أو هو على الأقل قادر على إقناعك بأن الأمر كذلك.

محطات في حياة ديليلو

*ولد الروائي والكاتب المسرحي الأميركي دون ديليلو لأبوين إيطاليين مهاجرين في حي برونكس بنيويورك في عام 1936، وبعد دراسة فنون الاتصال في جامعة فوردهام، عمل بمرآب للسيارات وبالكتابة الإبداعية للإعلانات قبل البدء بكتابة القصص القصيرة ثم الروايات والمسرحيات.

* أنجز ستة عشر عملاً روائياً يعد بعضها من عيون الأدب الأميركي الحديث، أبرزها أميركانا (1971)، الضجة البيضاء (1985)، العالم السفلي، (1997)، كوزموبوليس (2003) وأصدر أخيراً روايته «الرجل الذي هوى».

* قدم للمسرح الأميركي مجموعة من المسرحيات ذات النجاح المدوي، ومنها الغرفة النهارية (1986)، فالباريزو (1999)، نزيف أكاذيب الحب (2006).

* حولت روايات عديدة له إلى أعمال سينمائية، من أبرزها «الضجة البيضاء»، كما كتب سيناريو فيلم «اللعبة 6» الذي تم إنتاجه بعد أن ظل في أدراجه 15 عاماً كاملة.