تستعرض الدكتورة بغداد عبدالمنعم في كتابها «الماء في التراث العربي الإسلامي» أهمية الماء في تاريخ العرب والمسلمين، ومدى اهتمامهم بموضوع ومشاكل الثروة المائية والحلول المقترحة لها.
بغداد عبدالمنعم مهندسة مدنية، حاصلة على دكتوراه في هندسة المياه الجوفية في التراث العلمي العربي والإسلامي، صدر لها كتاب «أنباط المياه الخفية» وكتاب «حلب في أحاديث الماء والجمال» و«حلب مدينة أم أغنية» و«حوارية مع ابن شداد».
ترى الباحثة بأن تأريخ العلوم العربية للماء هو عملية حضارية تحتاج إلى أدوات علمية دقيقة، وتحتاج إلى استيعابات لأبعاد عديدة منها بعد قراءة النص التراثي العلمي، ومنها بعد تحليله، وكذلك التقييم الموضوعي والزمني.
كما استعرضت المؤلفة تعدد مفهوم الماء قديماً، والذي كان في الحضارة الكلدانية التي عرفت عددا من الخبرات والمعلومات مثل الأدوات والوسائل المستخدمة في حفر الآبار وتصنيع مواد البناء والمنشآت المائية وطرق استخدامها، واتجاه هذه الخبرات الهندسية إلى دجلة والفرات ومصر واليمن.
تطرقت الكاتبة إلى الماء والظواهر الهيدرولوجية في التراث اليوناني الذي درس الماء وظواهره بحيث ظهر ذلك في دراسات أرسطو في كتابه «في السماء والآثار العلوية» مبرزاً التحولات الحاصلة بين عناصر «النار والهواء والماء والأرض» ويوضح أرسطو آلية التحول ودور الحرارة في أحداث ظاهرتي التبخر والتكاثف.
وفي السياق نفسه أشارت عبدالمنعم إلى المنشآت المائية في العهود اليونانية ـ الرومانية، والتي تمثلت في إنشاء قناة تصل بين البحرين المتوسط والأحمر، بناء المجاري المائية، التكنولوجيا المائية، جر المياه بالأنابيب، شبكات تصريف مياه المستنقعات وأساليب جديدة في هندسة القنوات،
وتنتقل الباحثة في دراستها إلى تطور نظريات هيدرولوجية مهمة في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي وذلك من خلال المؤلفات المختصة التي نقلت النظريات إلى خدمة الواقع الهندسي وتطبيقاته المختلفة، والذي بدأ بجابر بن حيان ثم الجندي ثم الكرجي والبيروني وإخوان الصفا وابن سينا.
فقد استمرت لديهم فكرة «الماء عنصر من العناصر الأربعة» وتمت ملاحظة بعض الظواهر الهيدرولوجية وتبلورت الدورة الهيدرولوجية وأخذت بالتكامل، وظهور مفهومات هندسية مائية وهيدرولوجية واضحة ولا سيما عند الكرجي «الماء السكان ـ ماء التوآب ـ الحواجز الجيولوجية الداخلية وتأثيرها على الماء الجوفي».
وسلطت المؤلفة الضوء على الماء في التأريخ المعجمي العربي والتي سجلت في نصوص بأسلوب تصنيفي موضوعي وكان منها كتاب البئر لابن الأعرابي والفصول المائية من كتاب«فقه اللغة وسر العربية» للثعالبي.
وتعتبر عبدالمنعم بأن كتاب البئر لابن الأعرابي جاء بمفهومات أساسية في المياه الجوفية والآبار بحيث أوجد مفهومات حديثة علمية ومفهومات تتعلق بتلوث الماء وأفاد في اقتراح بعض المصطلحات الأصلية التي تخدم مفهوماً مائياً حديثاً.
وأشارت الباحثة إلى الماء في «فقه اللغة وسر العربية » للثعالبي الذي وضع تصنيفات وتعريفات بخواص الماء وفعالياته وأشكال وجوده في الطبيعة. وفي دراسته لهيدرولوجية الآبار التي تربط الجريان في الآبار والهبوط في المستوى المائي أثبت وجود نوعين من الجريان، الجريان الثابت المتوازن، الجريان غير الثابت ومن جهة أخرى الجريان السطحي والجريان تحت السطحي.
كما صنف الثعالبي الماء من خلال مجموعة من الصفات التي تقيم الماء من حيث صلاحيته للشرب الإنساني وقسمه إلى مياه عذبة، مياه متوسطة الملوحة، مياه مالحة، مياه مالحة جداً. وعن محاولة الرؤية العربية في التراث العربي ذهبت الكتابة إلى أنها قد أفضت إلى بعض الإضاءات البحثية وبضع رؤى في دراسة التراث العربي وسبره.
وأكدت على أن قراءة النصوص التراثية قراءة جديدة تعد من المهمات الأمامية والأصلية باعتبارها تعمل في طياتها ثراء وأبعاد لا حدود لها تحتاج إلى إعادة استكشاف وتحليل بعد أن مرت بمرحلة النشر الأولى منذ بدايات هذا القرن.
ومن جهة أخرى تطرقت عبدالمنعم إلى محاور من التأريخ التشريعي للماء، فكان التشريع المائي جزءا من القاعدة التشريعية الدقيقة للحضارة الإسلامية وبالتالي شكل مجالا لاجتهادات عديدة ونوعية هدفت إلى التعبير الحقوقي عن تنظيم الممارسات المائية وتنظيم علاقات المستثمرين بمصادر المياه وحماية الموارد المائية، ومتابعة مواصفات المياه المستعملة في كافة الفعاليات.
وأشارت الباحثة إلى التشريعات المائية في الإسلام والتي تتعلق بحماية مصادر المياه السطحية والجوفية، فقيدت السحب المفرط منها وذلك بإبعاد حدود يتم بها حماية المصادر، كما اعتمدت هذه التشريعات فيما بعد على نظريات وإجراءات هندسية هدفت إلى تحديد تصور واقعي لأشكال التكوينات المائية داخل الأرض وآلية حركتها ونوعية التربة الحاوية لها والمحيطة بها.
وفي الإطار نفسه استعرضت المؤلفة الاستراتيجية الإسلامية الناظمة للحقوق المائية المتمثلة في الحضور الإسلامي بمكوناته وأسباب وجوده، من القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس والاجتهاد أيضاً، وذلك بالتوجهات الإنسانية الشاملة ذات الطابع الكوني والأرضي
بحيث أقر القرآن الكريم بما للماء من أهمية وقيمة لكوكب الأرض ومخلوقاته وذلك في 58 موضعاً من أربعين سورة ذكر فيها الماء في أهميته الأساسية للخلق فهو مادة الحياة وفي أهميته الأرضية ودخوله في تشكيل بنية هذه الكواكب وطبقاته، وكذلك في ديمومته ودوريته «الدورة الهيدرولوجية» المؤدية للفعاليات المناخية المختلفة.
وأعدت الباحثة على تضمين هذه الاستراتيجية المحافظة على البيئة المائية وحماية المصادر المائية الجوفية من استنزاف وتنظيم التباعد بني الآباء والقنوات لإلغاء ظاهرة التداخل. وأشارت المؤلفة إلى ضرورة وجود المقاربات البحثية الحداثية في البحث التراثي باعتباره يساهم في تأصيل واستمرارية الثقافة العربية والإسلامية بالإضافة إلى كونه حاجة عربية عالمية جديدة.
وترى الكاتبة أن المياه أصبحت في الوقت الحاضر مشكلة الأرض وذلك بسبب التجاوزات والاختراقات الكثيرة لمبادئ تتعلق بحماية المياه من التلوث والاستنزاف، وعدم احتكار الثروة المائية وشراكة الأرض كلها بهذه الثروة، عدد المنشآت المائية والتباعد بينها،
مؤكدة على ضرورة اتباع التشريعات الإسلامية في صياغة الحقوق المائية وتفصيلها في اجتهادات مائية نوعية.وفي هذا السياق تدعو الباحثة إلى متابعة البحث والتحليل في هذا الإرث التشريعي المائي الإسلامي وتحريره بشكل كامل ليقدم كحلقة تاريخية مهمة في التشريعات المائية الدولية المعاصرة.
ناهد رضوان
*الكتاب:الماء في التراث العربي الإسلامي
*الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2006
*الصفحات:158 صفحة من القطع المتوسط

