الدكتور باقر النجار باحث وأستاذ جامعي من البحرين صدر له عن دار الساقي (صراع التعليم والمجتمع في الخليج العربي)، و(الحركات الإسلامية في الخليج العربي)، وله عشرات الأبحاث والدراسات المنشورة في مجلات علمية محكمة وغيرها.

كتابه الجديد (الحركات الدينية في الخليج العربي)، الذي صدر حديثاً، يرصد ظاهرة هامة، وخطيرة تتعرض لها المجتمعات الخليجية، والعربية أيضاً، تلك هي محاولة الحركات الدينية «أسلمة الدولة، وتسلم السلطة»، ويتناول بالضد موقف السلطة من هذه التيارات تاريخياً، وحديثاً،

أو كما يقول د. باقر النجار (انتقالها من طور الرافض لقوى الإسلام السياسي، في الستينات، والسبعينات من القرن الماضي إلى طور المهادن لها، وإشراك بعضها في السلطة في بعض دول المنطقة).

يتابع النجار الحركات الإسلامية منذ بداياتها، وإشكالها عند تأسيسها، وخلوها من توجهات سياسية عند التكوين، بل كان معظمها يتجه نحو الوعظ، والإصلاح الديني، ويشير بعد ذلك إلى أثر ظهور الإسلام السياسي في مصر وبقية أرجاء الوطن العربي، وتأثر هذه الجماعات،

أو الجمعيات خاصة بعد نزوح قادة الإخوان المسلمين من مصر في الفترة الناصرية والبعثية، وقد تناول النجار بشكل تفصيلي هذه الجمعيات منذ تأسيسها وتحولاتها الأيديولوجية، ونموها، وأثرها اللاحق في الحياة اليومية في الخليج عموماً، والبحرين خاصة،

وقد شمل هذا الرصد كافة أو معظم هذه الجمعيات سنية منها أو شيعية على السواء، كذلك نقل لنا دور السلطة في احتضان هذه الجمعيات في البداية ثم تحولها بما يتناسب والتحولات التي مرت بها هذه الجمعية، ووصول التحول إلى تضييق السلطات في البحرين مثلاً الخناق على الجماعات، وتحول هذه المجموعات إلى العمل السري خاصة بالنسبة للشيعة إثر ثورة عام 1979 الإيرانية.

ثم ينتقل الباحث إلى الإسلام السياسي السني من التحالف إلى الانقلاب على السلطة ويتابع مسار التحركات الإسلامية السنية ابتداءً من ظهورها، وفصائل تشكيلاتها المحددة في فصلين رئيسيين كما يذهب الباحث لتحديد تشكيلاتها، ويقصد بهما الإخوان المسلمين، والسلفيين،

وبعض الفرق الصغيرة كالرفاعية والأشعرية، ويذهب الباحث أيضاً في تحول بعض جماعات السلف إلى قوى إرهابية خاصة فيما حدث في المملكة العربية السعودية تحديداً، وأثر ذلك على علاقة السلطة لا بالسلف فحسب، بل بالإخوان المسلمين وينقل لنا صورة للإخوان المسلمين في تنظيمهم الذي يسميه بالمعتدل،

ويرصد حركاتهم من بداية تأسيسهم في أواسط الستينات، وظهورهم على الساحة من خلال الجمعيات الدينية، وهو يرصد ظهورهم وتطورهم في العديد من أقطار الخليج العربي، مثل البحرين، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، التي ظهر فيها الإخوان في منتصف القرن الماضي تقريباً،

ولعل الباحث يعطي تفاصيل كثيرة ودقيقة لتطور هذه الحركة وأثرها في الحياة السياسية والمجتمعية في الكويت. ثم يعرج الباحث على رصد الحركات الإسلامية في البحرين، وتطور ظهورها، وخطابها السياسي، وتداخلات حركتها وارتباطها مع الحركات الإسلامية الأم في مصر مثلاً، وينقلنا تالياً إلى نشاطها الذي ظهر على شكل لجان، مثل اللجنة الثقافية، اللجنة الاجتماعية، لجنة المساجد، لجنة الشباب والرياضة.

ويستشهد الباحث بمقولة علي شريعتي، ليشير إلى حجم التطور في هذه الحركة. إذ يقول شريعتي (إن أكبر إنجاز حققته الحركة الثقافية هو تحويل الإسلام من ثقافة إلى أيديولوجيا)، ويواصل الباحث في تتبع حركة الشيعة السياسية،وفق التحولات الجيو ـ سياسية التي شهدتها منطقة الخليج منذ السبعينات،

وضمور قوى اليسار السياسي والتنظيمات القومية، وعلى أثر ذلك بروز منظمات الإسلام السياسي الشيعي في الخليج العربي، والزيادة في توضيح أثر المنظمات يقدم لنا قراءة الحالة البحرينية كنموذج لحركة الإسلام الشيعي في المنطقة لوجود أكبر لطائفة الشيعة في البحرين نسبة إلى دول الخليج الأخرى،

ثم يتطرق إلى الجمعيات الدينية، ويشير بالتفصيل إلى جمعية الوفاق الوطني الإسلامية كنموذج للمعارضة الشيعية، يقول الدكتور النجار: (لا يخفى عن كثيرين أن حركة الإسلام السياسي الشيعي في البحرين،

والخليج العربي، منذ تأسيسها في الستينات إلى الآن، مثلت في شعاراتها، ومحور قضاياها الرئيسية امتداداً لصراع الأيدلويوجيات بين المراجع، أو بتعبير آخر أن مضمون خطابها السياسي والاجتماعي ليس إلا امتداداً لتلك التيارات السياسية الشيعية في كل من العراق وإيران ولبنان).

بعدها ينتقل الباحث إلى طبيعة العمل الداخلي لهذه الحركات الدينية، وإن اختلفت مسمياتها، أو طوائفها ومذاهبها، فقد أشار البحث إلى العديد من هذه القواسم مثل الأنشطة الداخلية، لجان الزكاة، الأنشطة الثقافية-الدينية، المساعدات الخيرية، الأنشطة الترفيهية، المساعدات الخارجية،

اللجان النسائية، الموارد المالية لهذه المنظمات، أنشطة الأسابيع التضامنية..الخ. ويقول الباحث النجار إن هذه الحركات، وإن اختلفت بين شيعية أو سنية (لا تنفي حقيقة التقاء هذه التنظيمات على بعض السمات، قد يكون أولاها الالتقاء الكبير في مضامين خطابها ذي الطبيعة الشمولية،

أو في تبني بعضها العنف كآلية في النضال ضد الآخر والدولة، والتي برغم عدول البعض عنها ما زال البعض الآخر يجد فيها آلية سياسية في النضال من أجل إقامة دولة الخلافة الإسلامية). و يضعنا النجار في واجهة ضرورة تفهم الأمور في سياقها العام، بما في ذلك النتائج التي تظهر بين الحين والآخر، والتي سميناها بالإرهاب الذي يفسره النجار.

ويبحث في طبيعة تكوين هذه الخلايا الإرهابية، التي لم يخص بها الحركات الإسلامية وحدها إنما عممها على العديد من الحركات الأخرى، وبلدان العالم مثل اليابان، وألمانيا، وإيطاليا، وحركات التطرف في هذه البلدان وغيرها،

وقد ذهب أيضاً إلى كيفية ظهور الأجنحة الراديكالية في التنظيمات الإسلامية،،أثر سقوط شاه إيران، والوضع في أفغانستان، والعراق، وهو يقول (إن الوضع غير المستقر في العراق، وارتباط بعض التنظيمات الخليجية الإسلاموية بمسألة دعم الجهاد في العراق إضافة إلى خوف دول عربية،

وإيران من الشكل الذي سيكون عليه النظام الجديد في العراق، هذه كلها أمور شكلت الحالة العراقية الجديدة، وتمثل كذلك المتغيرات الفاعلة في التشكيل الداخلي الجديد لمنظمات الإسلام السياسي الخليجية ليس من حيث مواقفها السياسية المعلنة، وإنما من حيث بروز ثقافة سياسية جديدة مناهضة لأنظمة الحكم القائم في الخليج).

وأخيراً ينتقل النجار إلى الإسلام الحركي في غلبة السياسة على الدين، وفي هذا الفصل يتحدث الباحث بجرأة ووضوح عن الشكل الديني، والمحتوى السياسي لهذه الحركات، إلى جانب سماتها وأنشطتها واختلافاتها مع المؤسسات الأهلية المدنية، وقدرتها على الظهور في المجالس النيابية، وبعض الحكومات الخليجية ومؤسسات الدولة،

وينتقل إلى الحالة العراقية خاصة بعد مجيء حكومة شيعية، وسيطرة الشيعة على جنوب العراق، وأوجه المقارنة بين التحركات السنية أو الشيعية، وارتباط كلا المذهبين بنفس أسس الحكم، إلى جانب أثر الحالة العراقية في الخليج عبر التكوينات الطائفية لكل المذاهب،

ويخلص الباحث إلى القول (إن جماعات الإسلام السياسي في الخليج العربي بشقيها السني والشيعي كما هو حال القوى والجماعات السياسية، والاجتماعية الحداثية، والعلمانيون ستأخذ دورتها في الصعود ثم الهبوط، واعتقد أنها وصلت إلى قمة الهرم، وأن أفولها قد يأخذ بعض الوقت، علماً أن ما أصاب غيرها من القوى السياسية والاجتماعية من وهن سيصيبها هذه كذلك).

عبد الإله عبد القادر

*الكتاب: الحركات الدينية في الخليج العربي.

*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2007

*الصفحات: 122 صفحة من القطع المتوسط