أمضى فريدريك مارتل عدة سنوات من حياته ملحقا ثقافيا لفرنسا في الولايات المتحدة الأميركية، وهكذا عرف الثقافة الأميركية عن قرب وكتب عنها العديد من الدراسات وعدة كتب من آخرها «حول انحطاط المسرح في أميركا». «عن الثقافة في أميركا» هو كتاب عن الثقافة الأميركية من وجهة نظر أوروبية.
ويبدأ المؤلف تحليلاته بالإشارة إلى مفارقة أوروبية كبيرة تتمثل في «الإعابة» على الولايات المتحدة الأميركية أنها، من جهة تمارس نوعا من «الإمبريالية الثقافية»، ويتم وصفها من جهة ثانية أنها «معدومة الثقافة». بل ولا يتردد الكثير من الأوروبيين في وصف الأميركيين أنهم «شعب جاهل».
ومن أجل تقديم إجابات مقنعة حول هذه المفارقة، قام مؤلف الكتاب ب«تحقيق ميداني» لا سابق له، ذلك أنه أعاد توصيف الواقع الثقافي الأميركي من خلال العودة إلى كم كبير من الأرشيف التي لم يتم التنقيب فيها من قبل. وكذلك أجرى ما يقارب ال700 مقابلة في 36 ولاية أميركية. كان هدفه المحدد هو تحديد التوجهات التي اتبعتها الإدارات الأميركية المختلفة من جون كندي حتى جورج دبليو بوش. بتعبير آخر تشكل «السياسة الثقافية» الأميركية الموضوع الحقيقي لهذا العمل.
إن المؤلف يبحث عن رسم لوحة عيانية متكاملة إلى أقصى درجة ممكنة لواقع الثقافة في الولايات المتحدة عبر دراسة آليات عمل المؤسسات الثقافية نفسها، وهي كبيرة العدد، وأيضا حسب أنماط السلوك التي ينتهجها أصحاب المجموعات الإعلامية التي تهتم بعالم الثقافة، وكذلك يولي أهمية خاصة لتحليل الدور الثقافي الذي تلعبه الجامعات والحكومات المحلية في شتى الولايات الأميركية.
الملاحظة الجوهرية الأولى التي يصيغها المؤلف تتمثل في تأكيده أن الثقافة «موجودة في كل مكان» في الولايات المتحدة الأميركية، هذا على رغم الغياب الكامل لوزارة الثقافة، على المستوى الفدرالي العام كما على مستوى الولايات. لكنه يؤكد في الوقت نفسه على أن الحضور الثقافي الكبير يتم من خلال منظومة هي من جهة شديدة التعقيد ومن جهة أخرى شديدة الفعالية أيضا.
ولكنها في الوقت نفسه منظومة «مجهولة» بالنسبة للأغلبية بما في ذلك المختصين. ولعل أكثر ما يثير المفاجأة في التحليلات المقدّمة، تأكيد المؤلف على أن الثقافة في أميركا خاضعة بدرجة أقل بكثير مما يقال ويتردد بأشكال مختلفة، في أميركا وخارجها، عن سيطرة المال على الثقافة. أما الدور الأكبر فهو يعود إلى ارتباطه الوثيق بالسلطات العامة على مختلف مستوياتها، لاسيما داخل الجامعات.
بل ويتم التأكيد في السياق نفسه على أن المنظومة الثقافية الأميركية تسود العالم بفعل واقع أنها ترتبط ب«السلطات العامة» أكثر مما يقال. هذا فضلا عن أنها منظومة تشهد حالة مستمرة تقريبا من القبول والتحديث مما يكسبها حيوية كبيرة متجددة. ذلك أن هذه المنظومة «تغذي حياة ثقافية ديمقراطية بعمق»، حسب قول المؤلف.
وتؤكد الشروح المقدّمة في الكتاب أن المنظومة الثقافية الأميركية تتسم بقدر كبير من التنوع، وذلك من خلال أنها تتمحور أساسا حول نشاطات يرعاها قطاع ذو طبيعة «عامة» ولا يهدف أساسا إلى تحقيق مرابح مادية كبيرة، هذا فضلا عن أنه يتلقى الكثير من المساعدات والمعونات المختلفة «غير المباشرة» من السلطات الرسمية، كما أن آلاف المؤسسات الخاصة التابعة لمراكز الأبحاث أو المرتبطة مباشرة بالجامعات تلعب دورا داعما بقوة في دعم القطاع المعني.
ويشير المؤلف ضمن الإطار نفسه إلى أن الأميركيين من ذوي الأصول الإفريقية السوداء ومن ذوي الأصول الاسبانية، خاصة القادمين من المكسيك أو من دول أخرى في أميركا اللاتينية، يلعبون أيضاً دورا رافدا فعالا في تدعيم أسس المنظومة الثقافية الأميركية.
لكن المؤلف، وإلى جانب تأكيده على واقع التنوع الكبير الذي تتسم به المنظومة الثقافية الأميركية، فإنه يؤكد أيضاً على أن هذه المنظومة تشهد أيضاً حالة من التوترات العديدة التي تهزّها أحيانا إلى درجة قوية من الداخل والعائدة بشكل أساسي إلى التباين الكبير، وأحيانا التصادم، بين الوجه الثقافي والفني، والإبداعي عامة، وبين أصحاب «الصناعة الثقافية» الذين تتمحور نشاطاتهم حول مفهوم الربح والكسب المادي بصورة أساسية.
إذا كان المؤلف يركز في تحليلاته على «غنى» النموذج الثقافي الأميركي، فإنه يركز أيضاً وبالقوة نفسها على مدى الجهل الكبير الذي يعرفه العالم الخارجي عامة، والعالم الأوروبي خاصة رغم انتمائه إلى «الحاضنة» الثقافية نفسها، فيما يخص حقيقة الثقافة الأميركية.
إنه يشير الى أن «الآخرين» يظنون دائما أنهم يعرفون بشكل جيد هذه الثقافة فهم يختزلونها إلى مجموعة من المعطيات، إلى مجموعة من «العناوين» العريضة كي تصبح مرادفا لهووليود وموسيقى الروك ومسرح برودواي وصناعة «التسلية» الثقافية التي تشكل سوقا كبيرة.
النموذج الثقافي الأميركي حسبما تقدمه الصورة الشائعة هو «نموذج استهلاكي» يمكن للمرء أن يأخذه أو يرفضه. ثم هو نموذج «أنتجته» الصناعة الثقافية نفسها وعلى أساس الأسس نفسها التي قامت عليها الصناعات الأخرى من التبغ وحتى الصواريخ والأسلحة الأخرى. ما يؤكده المؤلف هو صورة مختلفة تماما. فالمال «المكرّس للثقافة»، أي «المال الثقافي»، إذا صحّ التعبير يتمثل مصدره الأساسي في الهبات المتنوعة التي يقوم بها أفراد غالبا وتترواح بين عشرة دولارات وعدة ملايين أحيانا.
كما تدل لغة الأرقام نفسها إلى أن بعض المؤسسات الثقافية الأميركية تتمتع بميزانيات «ثقافية» تفوق بكثير ميزانية بعض البلدان، وليس في إفريقيا أو آسيا، وإنما في القارة الأوروبية نفسها. هذا إلى جانب الميزات الكبيرة التي تتمتع بها فيما يخص السياسات الضرائبية «المتساهلة كثيرا» في ميدان الثقافة.
ولعلّ مصدر القوة الكبير الذي يتسم به هذا الكتاب يأتي من واقع أنه تحقيق ميداني أكثر مما هو معالجة نظرية ل«المنظومة الثقافية» الأميركية. ومن خلال هذا «التحقيق» يخرج المؤلف بعدة نتائج ليس أقلها إثارة للدهشة تأكيده على أن الثقافة في الولايات المتحدة هي حوار بين المبدع والمواطن، وهو حوار لا مكان للدولة فيه وليس لها ما تقوله.
لكنها تقدّم التسهيلات الضرورية لتشجيعه وإغنائه. ويقدم المؤلف في هذا السياق العديد من شهادات المبدعين الأميركيين الذين يريدون تجنب الوقوع في فخ «الفن الرسمي» عبر جعل الثقافة تعيش على المال العام. وينقل الروائي الأميركي الشهير «جون ابديك» قوله: «إنني أخشى من وجود الأموال العامة في الفنون إذ لا بد لها إلا وأن تلهي الفنانين عن مسؤولياتهم المتمثلة في أن يجدوا سوقا حقيقية لإنتاجهم أو جمهورا حقيقيا لمشاهدة عروضهم».
الأموال العامة يتم «ضخّها» مع ذلك، في الثقافة الأميركية وإنما بصورة خفيّة ومعقدة، ب«غير ضجيج» حسب تعبير الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي. وهي أموال تأتي غالبا بصورة غير مباشرة لاسيما عبر الضرائبية. هذا ما يعبّر عنه المؤلف نفسه بالقول: «إن السياسة الثقافية الأميركية، هي بجزء كبير منها، سياسة ضرائبية».
الأمثلة التي يقدمها المؤلف على المعونة الضرائبية للثقافة عديدة. منها مثلا واقع أن ولاية ماساشوستس تفرض ضريبة مآلها إلى القطاع الثقافي على ألعاب الحظ. بينما تفرض ولاية تنيسي ضريبة مماثلة على السيارات. أما مدينة نيويورك فقد فرضت نوعا من الضريبة على الأبنية الجديدة من أجل إشادة أماكن ثقافية وبحيث تصل قيمتها خلال سنوات 2006 ـ 2009 إلى ما يزيد على 800 مليون دولار.
في المحصلة تدل الأرقام المقدمة على أن كمية المال العام الذي يتم استثماره في الثقافة بأميركا سنويا ما بين 26 و50 مليار دولار كما يؤكد المؤلف. ويضيف: «إن الميزانية الثقافية العامة في الولايات المتحدة بالنسبة للفرد تساوي، بل تزيد على نظيرتها في فرنسا». أما قيمة الأموال الخاصة «الممنوحة» للثقافة في أميركا فيتم تقديرها سنويا ب5 ,13 مليار دولار. هذا ناهيك عن مساهمات مؤسسات ثقافية شهيرة مثل مؤسسات روكفلر وفورد وكارنيجي وغيرها.
وهناك أرقام أخرى بليغة مثل وجود 700 متحف في الجامعات و110 دور للنشر و3500 مكتبة عامة تملك 65 مكتبة منها ما يزيد على 5,2 مليون مجلّد، ثم إن الجامعات هي «رب العمل» الأول في «توظيف» أكبر نسبة من المليوني فنان الذين قامت وزارة العمل الأميركية بـ «إحصائهم». وفي الكلمات الأخيرة من الكتاب نقرأ: «لا شك أن الموديل الثقافي الأميركي غير قابل للتصدير. لكن مرونته الاستثنائية تعطيه امتيازات كبيرة في العالم الثقافي المتبدل. بكل الأحوال ينبغي التوقف عن التقليل من قيمته».
*الكتاب:عن الثقافة في أميركا
*الناشر:غاليمار ـ باريس 2007
*الصفحات: 620 صفحة من القطع المتوسط
De la culture en Amérique
Gallimard - paris 2007
p.620

