يقول الزميل نبيل صالح محرر كتاب «رواية اسمها سورية» إن الهدف النهائي من هذا العمل الضخم (1600 صفحة) استقراء الحكايات الحلوة والمرة التي تشكل جزءاً كبيراً من ذاكرة السوريين. الكتاب لقي صدى واسعاً في الإعلام العربي منذ صدوره وحتى الآن، وهذا يعني أن احتفاء استثنائيا ناله خلال فترة قصيرة،

وإذا لم يترافق ذلك باحتفاء ثقافي مماثل فلربما كان ثمنه الباهظ، وعدم توفره بالمكتبات يحولان دون ذلك، حيث تبلغ قيمته أربعين دولاراً وهو رقم كبير ثمناً لكتاب حتى لو كان موسوعيا، كما أن عدم توفره بالمكتبات يعني أنه لم يسوق جيداً داخل سوريا، ولقد اضطررنا للانتظار عدة أيام ريثما يصل مرسلاً من دمشق إلى حلب.

كان لحصولي على «رواية اسمها سورية» متعة جميلة لأنني واحد من الذين تشكلت ذاكرتهم على أسماء تلك الشخصيات المئة التي ضمها الكتاب، ولكن تشكيل بسيط جدا، فقد درست يوسف العظمة بعبارات من التبجيل والبطولة ما حجب عني تفاصيل المعركة

أو كيف أستشهد وما هي ظروف البلاد آنذاك، لقد كانت مهمة الكتاب إضاءة ما عتم من مشاهد تجاوزتها كتب المدرسة لصالح التعبئة الوجدانية، وكذا الأمر بالنسبة لأبي خليل القباني الرائد المسرحي الذي نعرفه اسماً ونجهل ألحانه التي كان أبرزها (ياطيرة طيري ياحمامة).

تدفع كتب السير عادة ـ رغم ما فيها من أحداث ـ إلى الملل من الوقائع والتفاصيل الموغلة في شأنها الخاص واستطراداتها غير المشوقة للقارئ، لكن سيرة هؤلاء المئة الذين جرى اختيارهم بشكل رصين لم تترك مساحة للملل فقد كانت مركزة ،شديدة التوهج قليلة الاستطراد والانعطافات وإلى ذلك مليئة بالجديد الذي يجهله القارئ السوري أو العربي.

هؤلاء المئة ليسوا وعياً سورياً مطلقاً، إنهم وعي جماعي للعرب عموما فلا أحد منهم غارق بمحليته إلى درجة الجهل أو درجة انه غير معروف خليجياً أو مغاربياً، إنهم مئة شخصية بأبعاد عربية غير محددة، مثلاً الكواكبي كان أبرز من أن يقال له حلبي أو سوري فهو متنور نفتقد مصباحه هذه الأيام، جاب بلاد العرب والمسلمين ودخل أصقاع أوروبا وترك للعرب أثراً كأنهم يعيشونه اليوم «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».

إن هذا العمل الضخم جدير ان يكون بلغات أخرى ليست العربية فحسب، فهو مدخل أولي لفهم عقل المنطقة الذي تشكل حديثا، وعقل السوريين لا ينفصل في تشكيلته تلك عن وعي العرب، لذلك يمكن تصنيف هذا الكتاب «رواية اسمها سورية» ضمن الكتب السياسية وليس كتب السير والأعلام لأن هؤلاء الذين شكلوا وعينا اجتماعياً ووجدانياً وبالتالي سياسياً.. هم أكثر تنويراً من الحاضر رغم مسافة الزمن التي فصلتنا عنهم.

hussain@albayan.ae