«أنا كاتب لبناني وفرنسي وكلمة « فرانكوفونية » لا أحبها ولم أستطع أن أنحاز في الحرب إلى أي طرف ولو لم تقع ـ أي الحرب الأهلية اللبنانية ـ لكتبت باللغة العربية». هكذا تحدّث الكاتب العربي اللبناني أمين معلوف في لقاء صحافي. وهو من مواليد 1949، غادر لبنان إلى فرنسا سنة 1967 بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وأقام هناك منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم وهو يكتب باللغة الفرنسية.
حاز معلوف على جائزة الصداقة العربية الفرنسية سنة 1986 عن روايته «ليون الإفريقي»، كما حاز على جائزة جونكور عن روايته «صخرة طانيوس» سنة 1993. وفضلا عن هذين المؤلفين له عدة أعمال روائية أهمها: الحروب الصليبية كما رآها العرب، سمرقند، حدائق النور، القرن الأول بعد بياترس، الهويات القاتلة، الحب عن بعد، بدايات، موانئ الشرق، رحلة بالداسار. تدور معظم أحداث روايات معلوف في الزمن الماضي الذي يرجع إلى عدة قرون خلت ومنها روايته «رحلة بالداسار». موضوع بحثنا هذا، حيث تدور أحداثها في القرن السابع عشر ولأنها كتبت باللغة الفرنسية نجد أنها تُرجمت إلى اللغة العربية على يد روز مخلوف. وهناك رابط قوي ومهم يبرز في جُل روايات معلوف ويربط ذلك الماضي بالحاضر اليوم حيث أن معلوف رصد ملاحظة مهمة وهي أن الشرق والغرب التقيا قديماً مدللاً على ذلك بالتاريخ وبشواهده الروائية. ومن ذلك يتولد سؤال كبير ومهم وهو: لماذا لا يلتقيان اليوم؟!.
تبدأ الرواية عن حديث الناس المفرط عن عام الوحش والعلامات المنذرة به والتنبؤات فيه حتى بات الناس في هَوَس عن نهاية العالم. كان ذلك العام يؤرخ لسنة 1666 ميلادية. ويبرز هنا بالداسار ذلك الرجل الأربعيني الذي يعيش في جبيل هو وآباؤه منذ أن قدموا من جنوة بإيطاليا قبل عدة أجيال واستقروا فيها. وهنا يدير بالداسار محلاً لبيع الكتب يساعده فيه ولدا أخته بليزانس.
وها هو بالداسار أمبرياتشو يتذكر كيف جاءه إفدوكيم، وهو حاج من موسكوفيا سنة 1648 أي قبل سبعة عشر عاماً وسأله عن والده. يومها وقف منتصباً وقال:
«اسمي بالداسار وأنا الذي أخلف والدي». أبدى إفدوكيم تفهمه وأمر خادمه بفتح الصندوق الذي يحمله، وأخرج منه كتاباً وقال: «يُعلن هذا الكتاب بأن نهاية العالم على الأبواب.. وكُتب هنا بالنَص الكامل بأن المسيح الدجال طبقاً للكتاب المقّدس سيظهر في عام 1666 بالتقويم البابوي».
ولأن بالداسار أدرك أنه بفتوره يتسبب بإغاظة إفدوكيم ويشي بجهله وزندقته معاً ردَّ: «في الحقيقة كل هذا غريب ومثير للقلق». ذلك حدا بإفدوكيم إلى الولوج إلى صلب هدفه مباشرة وهو البحث عن كتاب المازندراني المعنون «الاسم المئة»، فالاسم المئة هو الاسم الفائق للرب، ويكفي النطق به لإبعاد كل الأخطار والحصول على أي نعمة من السماء!
وتشاء الصدف ويجد بالداسار كتاب «الاسم المئة» عند الحاج ادريس، ذلك الرجل الفقير الذي حلّ ببلدة جبيل من زمن ويعيش على الكفاف، والأغرب أن الحاج ادريس قبل موته بقليل قدّم له الكتاب هدية لأنه ساعده يوماً. وبينما كان بالداسار يهيئ نفسه لقراءة كتاب المئة في محله زاره الفارس هوغ دي مارمونتيل رسول البلاط الفرنسي، ذلك الرجل الواسع الثقافة وبعد أن شاهد الكتاب في المحل صدفة سأل:
«ألم تقل لي يوماً بأن هذا الكتاب غير موجود برأيك». ثم سأل عن الثمن الذي يطلبه مقابل الكتاب، ولم يقتنع مارمونتيل من أن الكتاب يعود للحاج ادريس وأن ذلك الرجل معتوه لأنه يطلب فيه ثمناً غالياً جداً. أصرّ مارمونتيل على معرفة ذلك الثمن. وحين غالى بالداسار بالثمن وطلب ألفاً وخمسمئة ميدناً كان يعتقد أن ذلك كافياً لكي يعزف مارمونتيل عن الشراء، لكن مارمونتيل فاجأه بدفع الثمن حتى دون مساومة وعلى عجل لأنه على وشك الرحيل إلى طرابلس ومن هناك يبحر إلى القسطنطينية.
بومة الذي علم بالأمر بات يبكي ويعاتب خاله على ذلك التصرف. بالداسار لام نفسه أيضاً: «أنا لا أفهم لماذا تصرفت على ذلك النحو في لحظة ضعف، فقدت دفعة واحدة ـ الاسم المئة ـ !».. بومة أصرّ على اللحاق بمارمونتيل حتى القسطنطينية وانضم إليه أخوه حبيب. وهكذا انطلق بالداسار برحلته مصطحباً معه ابنيّ اخته وتابعه حاتم.
انضمت إلى الرحلة فيما بعد امرأة من جبيل تدعى مارتا وهي امرأة متزوجة من رجل نزق تركها ورحل وبقيت معلقة، وكانت فرصتها أن تصحبهم للبحث عن زوجها التي دارت شائعات حول جرائمه واعدامه في القسطنطينية. كان بالداسار معجباً بها ويتمناها لنفسه وكان سعيداً أن رفقاءه في الرحلة أجمعوا على الزعم أمام الآخرين بأنها زوجته مما أحيا حبه القديم لها بعد أن بات يختلي بها حتى وإن بالحرام.
وكان من الطبيعي أن يساعدها في البحث عن زوجها ما أوقعه فريسة لابتزاز الموظفين وغيرهم من الذين ماطلوه في معرفة حقيقة إعدام زوجها. ويتفاجأ بالداسار من ظهور رجل يدعى ساباتاي يدّعي علناً أنه المسيح ويعلن عن نهاية العالم سنة 1666 يحميه اليهود ويتغاضى عنه الباب العالي.
ومن مدينة إلى مدينة يسافر بالداسار بحثاً عن كتاب «الاسم المئة» في رحلة شاقة وطويلة، ويضطر إلى السفر إلى جنوة ومن هناك إلى لندن بعد أن يبتعد مرغماً عن الآخرين فيسافر وحيداً إلى لندن مقتفياً أثر مارمونتيل ومدوناً يوميات رحلته الطويلة بطريقة حكايات ألف ليلة وليلة. يجد الكتاب بعد أن يعلم بغرق مارمونتيل.
ويشهد في لندن حريقها الذي التهم كل شيء تقريباً في رحلة لا تخلو من المفارقات أهمها علاقته ببيس، المرأة التي آوته وأحبته في غربته لكنه رحل عنها مرغماً مع اندلاع حريق لندن. يعود بالداسار أمبرياتشو إلى جنوة أرض أجداده وهناك يتزوج جياكومينيتا ابنه غريغوريو الرجل الذي أثرى من تهريب صمغ المصطكى والمعجب بآل أمبرياتشو حيث تجري أنبل الدماء كما يعتقد.
هناك في جنوة تنتهي رحلة بالداسار التي استمرت أكثر من عام، مضى خلالها ما عرف بعام الوحش وأشرقت شمس عام جديد آخر وأيقن فيها بالداسار بأن الخالق ما كان ليودعه اسمه الفائق، وبات يردد في صلواته: «إلهي، لا تبتعد كثيراً عني، ولكن، لا تقترب كثيراً مني». وبعد أن بات كتاب «الاسم المئة» إلى جانب بالداسار يلقي بالتشويش على أفكاره بين الحين والآخر والذي يعتقد أنه لم يستحقه كفايةً والذي خاف أكثر مما يجب من اكتشاف ما يخبئه.. لكنه آمن أيضاً أنه ربما لم يكن يخفي شيئاً !

