مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة جوان شنايدر أستاذة علم التاريخ والآداب في جامعة ايسلندا. وهي تقدم هنا صورة عامة عن اندلاع إحدى أهم الحركات الفكرية والفنية والأدبية في الغرب إبان القرن التاسع عشر أي الحركة الرومانطيقية.

ومنذ البداية تقول بما معناه: إن الرومانطيقية هي تيار فني وفلسفي وأدبي وموسيقي ظهر في أوروبا الغربية في أواخر القرن الثامن عشر وازدهر كليا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد ظهر أولا في بريطانيا وألمانيا ثم انتقل إلى فرنسا وإيطاليا واسبانيا في القرن التاسع عشر. وقد ظهر هذا التيار كرد فعل الجفاف العقلاني الذي ساد عصر التنوير، وكذلك كرد فعل على القواعد الكلاسيكية الصارمة للفن. وهي قواعد أصبحت قسرية وإكراهية بل ومبتذلة أكثر من اللزوم.وأول شيء تتميز به الرومانطيقية هو التركيز على الأنا الشخصية أو الأنا الذاتية. ففي السابق كان الفنان أو الأديب يختفي وراء الأنا الجماعية للأمة أو للعشيرة أو للقبيلة. أما الآن فقد أصبح يتحدث باسمه الشخصي ويعبر عن عذابه الداخلي وعواطفه المجروحة بشكل غنائي مؤثر.

وتتميز الرومانطيقية أيضا بالرغبة في استكشاف كل إمكانيات الفن والأدب من أجل التعبير عن نشوة الحب أو جروحات القلب. وبالتالي فالرومانطيقية تعريفا هي رد فعل القلب على الفعل أو انتقام القلب من الفعل إذا جاز التعبير. فالكاتب الرومانطيقي أو الشاعر أو الفنان أو الرسام أو الموسيقار يعطي الأولوية لمشاعره الداخلية قبل كل شيء آخر ولا يهمه رأي المجتمع في ذلك سواء أكان راضيا عنه أم أنه ينتهك القواعد الاجتماعية الصارمة لكي يعبر عن مكنون صدره ويرخي العنان لمشاعره الهائجة.

ثم تردف المؤلفة قائلة:

إن الرومانطيقية هي عبارة عن حساسية سيكولوجية أولا وقبل كل شيء آخر. فالإنسان الرومانطيقي يبحث عن الهروب من الواقع والعيش في عالم الخيال والأحلام البهيجة. والإنسان الرومانطيقي حساس إلى أقصى الحدود. ولذلك فإن عالم الواقع بكل قساوته وإكراهاته وقيوده يجرحه ويخنق انطلاقته وحريته.

ولهذا السبب فإن كبار شعراء وفناني الرومانطيقية عبروا عن الانطلاقة والحرية بكل قوة وفرح وهيجان. يكفي أن نفكر هنا باسم الرسام الفرنسي الكبير: دولاكروا، أو باسم الشعراء الانجليز: كوليردج، ووردزورث، شيلي، بايرون، كيتس، الخ. كلهم كانوا من عشاق الحرية والتمرد.

وينبغي أن نذكر أيضا كبير أدباء ألمانيا: غوته. فقد وصل بالرومانطيقية إلى ذروتها العليا من خلال آلام فيرتر أو فاوست أو من خلال أشعاره الكبرى.ولكن غوته لم يكن فقط روائيا، أو شاعرا، أو أديبا وإنما كان مفكرا وعالما أيضا. وهكذا جمع في شخصه بين عدة أشياء دفعة واحدة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وتتميز الشخصية الرومانطيقية عادة بالنوستالجيا: أي الحنين إلى شيء مضى وانقضى ولن يعود. وأكبر مثال على ذلك المفكر السويسري أو الفرنسي الشهير: جان جاك روسو. فقد كان كاتبا نوستالجيا بامتياز. وكثيرا ما تنضح كتاباته واعترافاته بالحنين إلى الحبيبة الماضية أو الأيام المنصرمة أو الذكريات الملوعة.

ولهذا السبب قال غوته جملته الشهيرة: فولتير يغلق العالم القديم، وروسو يدشن العالم الجديد. وكان يقصد بذلك أن فولتير ختم العصر الكلاسيكي والعقلاني في الفن والأدب والفكر، وأن روسو افتتح العصر الجديد للحساسية الفكرية والأدبية: أي الرومانطيقية بالذات. نعم لقد كان روسو أول الرومانطيقيين لأنه كان يحب الطبيعة جدا ويرمي بنفسه في أحضانها وكأنها الأم الحنون. وهذه هي أيضا صفة أخرى من صفات الرومانطيقية.

فالشخص الرومانطيقي يحب الطبيعة ويناجيها ويبثها همومه ومشاعره وعواطفه وكأنها حبيبة أو عشيقة. وفي أدبه تكثر صور الأشجار والأنهار وخرير السواقي وصوت العندليب ونسمات الهواء العليل، الخ. هذا بالإضافة إلى ضوء القمر في الليالي الجميلة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي فرنسا يطلقون مصطلح الرومانطيقية على ذلك التيار الأدبي الذي ابتدأ حوالي عام 1820 واستمر حتى عام 1850 تقريبا. وكان على رأسه الشاعر الكبير فيكتور هيغو. ولكن كان من إعلامه أيضا كوكبة من كبار الكتاب والشعراء، نذكر من بينهم: الفريد دوموسيه، وفيني، وجيرار دونيرفال، ولامارتين، وسواهم عديدون.

وقد دخل الرومانطيقيون في معركة حقيقية من الكلاسيكيين عندما أصدر فيكتور هيغو مسرحيته الشهيرة باسم «هيرناني». وهي ما يعرف بمعركة هيرناني التي انتهت بانتصار التيار الرومانطيقي على التيار الكلاسيكي الذي ساد في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وبالتالي فالرومانطيقية كانت تمثل الحداثة في وقتها، والكلاسيكية كانت تمثل التيار التقليدي الراسخ الذي يمنع الفنان من التنفس بحرية والانطلاق.

وفي ألمانيا كان يقف على رأس المدرسة الرومانطيقية كلٌ من الشاعرين الكبيرين غوته وشيلر. ثم سار على نهجهما بعدئذ شعراء وفنانون كبار ليس أقلهم هولدرلين، ونوفاليس، والموسيقار الكبير فاغنر صديق نيتشه وأستاذه.

ويعتبر النقاد أن فاغنر يمثل ذروة الموسيقى الرومانطيقية. وأما على المستوى الفلسفي فيمكن اعتبار فيخته بمثابة الممثل الأعلى للفلسفة الرومانطيقية، أي فلسفة الحرية الذاتية للفرد. ومعلوم أنه هو الذي هيج الشعب الألماني وأيقظ نزعته القومية عن طريق خطاباته الملتهبة الموجهة إلى الأمة الألمانية. وقد أخذ القوميون العرب عنه ذلك لاحقا.

فقد ضرب نيخته على الوتر الحساس وعرف كيف يحرك مشاعر هذه الأمة ويذكرها بأمجادها ويعطيها الثقة بنفسها لكي تنطلق من جديد وتصنع المعجزات.

وبالتالي فالشعوب بحاجة أحيانا إلى مفكرين أحيانا إلى مفكرين رومانطيقيين ممتلئين حماسة للتغيير وصنع المستقبل والمغامرة في المجهول. وهذه هي أيضا إحدى سمات العقلية الرومانطيقية. فالرومانطيقي شخص يحب الأسرار والمجاهيل والانخراط في عملية استكشافها حتى لو أدى به ذلك إلى ما لا تحمد عقباه.

وأخيرا فإن الرومانطيقي وغير الشخص الواقعي. إنه لا يحسب حسابا للعقبات والصعاب. ولهذا السبب فإن الواقعية جاءت بعد الرومانطيقية مباشرة وليس قبلها. فبعد أن تعب الكتّاب والمفكرون من العقلية الرومانطيقية جاءت العقلية الواقعية لكي تحل محلها. وهذه هي حال التاريخ: مدٌ وجزر، صعود وهبوط. وكلما تعب الإنسان من شيء انتقل إلى نقيضه والعكس بالعكس. فالواقعية أيضا تعبوا منها لاحقا ولذلك جاءت بعدها مدرسة فنية جديدة هي مدرسة مانون الواقعية، أي السوريالية. وعلى هذا النحو تتعاقب المدارس الفنية والأدبية وراء بعضها البعض.

ثم تضيف المؤلفة قائلة:لقد أعطت الرومانطيقية للعالم بعضا من أجمل رواياته وأشعاره وسيمفونياته ولوحاته الفنية الكبرى. يكفي أن نذكر هنا اسم الفريد دوموسيه الذي كان يتجول في الطبيعة في غابة فونتنبلو القريبة من باريس والتي ألهمته إحدى أجمل قصائده: ذكرى أو ذكريات.

يكفي أن نذكر اسم موزار وبيتهوفن والسيمفونيات الخالدة، هذا دون أن ننسى فاغنر. يكفي أن نذكر رواية جان جاك روسو: هيلويز الجديدة، أو قصائد لامارتين عن فصل الخريف أو عن البحيرة التي كان يلاقي محبوبته على ضفافها. ثم ماتت المحبوبة بداء السل وهي في عز شبابها فراح يبكيها وحيدا على شاطئ البحيرة متذكرا أيامه الهنيئة معها. وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية العطاء الذي قدمته الحركة الرومانطيقية للآداب العالمية.

*الكتاب:عصر الرومانطيقية

*الناشر: غرينوود بريس ـ 2007

*الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير

The age of romantism

Joanne Shneider

Greenwood Press- Paris 2007

P. 19