هذه المقابلة مع الروائي الأفغاني خالد حسيني أجراها الموقع الالكتروني لدار النشر البريطانية بلومزبري، بمناسبة صدور روايته الثانية «ألف شمس رائعة» التي توقف النقاد والقراء عندها طويلاً لقدرة مؤلفها المميزة على الجمع بين الخاص والعام، بين الحميمي والتاريخي في تقديمه لشخصيات من لحم ودم من قلب كابول، على الرغم من أنها جميعها وليدة الخيال، وقد ألقى الضوء على العالم الذي استمد منه روايته هذه وكيف تختلف عن روايته الأولى «اللاعب بالطائرة الورقية» والشخصيات النسائية فيهما وردود الأفعال التي يتوقعها من القراء حيال عمله الجديد. وفيما يلي نص المقابلة:

* ساعدت روايتك الأولى «اللاعب بالطائرة الورقية» على تغيير مفهوم العالم عن أفغانستان بإعطاء الملايين من القراء إحساسهم الأول الواقعي بالشعب الأفغاني وحياته اليومية. والرواية الجديدة «ألف شمس رائعة» تتضمن الأحداث الرئيسية في تاريخ أفغانستان على امتداد العقود الثلاثة الماضية، فهل تشعر بمسؤولية خاصة عن إبلاغ العالم بما يجرى في وطنك؟

ـ بالنسبة لي ككاتب، فإن القصة كانت لها الأولوية دائماً على أي شيء آخر، فأنا لم أجلس أبداً لأكتب وفي ذهني أفكار عريضة النطاق وذات طابع عمومي.

وبالتأكيد لم تكن لديّ أجندة محددة، فهو عبء ثقيل على الكاتب أن يحس بالمسؤولية عن تمثيل ثقافته وأن يعرف الآخرين بها. والأمر بالنسبة لي يبدأ دائماً من موضع شخصي وحميم للغاية، يدور حول الصلات الإنسانية، ثم يتوسع انطلاقاً من هناك. وما أثار اهتمامي فيما يتعلق بهذه الرواية الجديدة هو الآمال والأحلام وخيبات الأمل في حياة امرأتين تتصدران شخصيات الرواية، وحياتهما الداخلية، والظروف المحددة التي قربتهما إحداهما من الأخرى.

وتصميمها على مواصلة البقاء على قيد الحياة والحقيقة القائلة إن علاقتهما تتطور إلى شيء قوي وله معناه، حتى فيما العالم من حولهما يتفكك وينزلق إلى الفوضى والعماء. وقد رأيت هذه القصة وهي تتسع في نطاقها وتصبح أكثر طموحاً صفحة وراء أخرى، وتداخل الحميمي والشخصي على نحو لافكاك منه مع الشاسع والتاريخي، وهكذا فإن غليان أفغانستان وعذابها أصبحا أكثر بكثير من مجرد خلفية للرواية.

وتدريجياً أصبحت أفغانستان ـ أو كابول على وجه التحديد ـ شخصية من شخصيات الرواية، على نحو يفوق ما حدث في روايتي الأولى.و لكن ذلك كان من أجل القص، وليس من أجل المسؤولية الاجتماعية عن إبلاغ القارئ بما جرى في بلادي. ولسوف يسعدني أن يخرج القراء من قراءة روايتي الجديدة بقصة تمنحهم الشعور بالرضا وتعرفهم بالقليل مما جرى في أفغانستان خلال الأعوام الثلاثين الماضية.

* ما هي الاستجابة التي تتوقعها من القراء على رواية «ألف شمس رائعة»؟

ـ إنني آمل، بوصفي كاتباً، أن يكتشف القراء في هذه الرواية الأشياء نفسها التي أتطلع إليها عندما أقرأ الروايات، أي قصة تنقل القارئ إلى أجواء مختلفة، وشخصيات تنغمس في الحياة، وإحساس بالإضاءة، وبأن المرء قد تحول على نحو ما من خلال معايشة الشخصيات.

وآمل أن يستجيب القراء للعواطف الموجودة في هذه القصة، وأنه على الرغم من الاختلافات الثقافية الكبيرة فإنهم سيجدون أنفسهم في شخصيتي مريم وليلى وأحلامهما وآمالهما العادية ونضالهما في الحياة اليومية من أجل البقاء على قيد الحياة. وباعتباري أفغانياً، فإنني أرجو أن يخرج القراء من الكتاب بشعور بالتوحد مع الأفغان، وبصفة أكثر تحديداً مع النساء الأفغانيات، اللواتي كان تأثير الحرب والتطرف عليهن مريعاً ومدمراً. وأمل أن تجلب هذه الرواية عمقاً وعاطفة ونصاً انفعالياً فرعيا للصور المألوفة عن النسوة اللواتي يغطين رؤوسهن ووجوههن بالبراقع ويمشين في شوارع متربة.

* من أين استلهمت عنوان روايتك الجديدة؟

ـ لقد جاء هذا العنوان من قصيدة حول كابول نظمها صائب التبريزي، وهو شاعر فارس ينتمي إلى القرن السابع عشر الميلادي، وكان قد نظمها بعد زيارة للمدينة تركت خلالها أثراً عميقاً في نفسه. وقد كنت أبحث عن ترجمات إلى الانجليزية لقصائد عن كابول لاستخدامها في مشهد يحزن فيه أحد الأشخاص لمغادرة مدينته الحبيبة، فوجدت هذه القصيدة على وجه التحديد، وأدركت أنني لم أجد البيت المناسب للمشهد فقط، وإنما وجدت عنواناً ملهماً في عبارة «ألف شمس رائعة» التي تظهر في البيت قبل الأخير من القصيدة، وهذه القصيدة ترجمتها من الفارسية إلى الانجليزية دكتورة جوزيفين ديفيس.

* على أي نحو كانت كتابة «ألف شمس رائعة» مختلفة عن كتابه «اللاعب بالطائرة الورقية»؟

ـ عندما كنت عاكفاً على تأليف «اللاعب بالطائرة الورقية»، لم يكن أحد ينتظرها!

وصعوبة كتابة رواية ثانية ترتبط طرديا بمدى النجاح الذي أحرزته الرواية الأولى، حسبما يبدو لي. وبالنسبة لي، كانت هناك في البداية فترة من التردد والشك في النفس وكذلك الميل المتكرر إلى إعادة تقويم قدراتي الأدبية وضوابط هذه القدرات. وقد كان الأمر بالنسبة لي على هذه الحال بصفة خاصة مع وعي بالناس الذين ينتظرون بشغف كتابي، بما في ذلك ناشرون والمتعاملون في الكتب، وبالطبع جمهور القراء. وهذا أمر مدهش حيث ينتظر الكثيرون صدور كتابك الجديد، ومزعج أيضاً لأنك توضع موضع الرصد.

وعلى الرغم من أنني تعرضت لبعض هذه المخاوف، وتشهد زوجتي على ذلك، إلا أنني تعلمت بالتدريج النظر إليها كأمر طبيعي ولا يقتصر عليَّ أنا وحدي. ومع شروعي في الكتابة تسارع إيقاع القصة، ووجدت نفسي منغمساً في عالم مريم وليلى، واختفت هذه المخاوف من تلقاء نفسها. وأسرتني الرواية الآخذة في التطور ومكنتني من الانطلاق في التعامل مع تفاصيل العالم الذي أبدعه. وأعتقد كذلك أن «ألف شمس رائعة» هي من بعض الجوانب كتاب أكثر طموحاً من روايتي الأولى.

فالقصة تضم أجيالاً عديدة وتنطلق أحداثها عبر أكثر من 45 عاماً، وهناك حشد هائل من الشخصيات ومنظور مزدوج للأحداث وحروب واضطراب سياسي، وكل ذلك يتم التعرض له بتفصيل يزيد كثيراً عن «اللاعب بالطائرة الورقية». وهذا يعني أنني كنت أقوم بعملية توازن مستمرة في غمار الكتابة عن الحياة الداخلية والحميمة للشخصيات وتصوير العالم الخارجي الذي يمارس الضغط على هذه الشخصيات ويرغمها على المضي نحو قدرها المقدر لها.

* تضم هذه الرواية عدة شخصيات نسائية قوية. كيف أبدعتها؟ هل تقوم على أساس نساء تعرفهن في عائلتك وصديقاتك أو من خلال القراءة أو الخيال؟

ـ لم يتم استلهامهن من عائلتي أو من شخصيات أعرفها. وفي هذا الصدد فإن هذه الرواية أقل اتساماً بطابع السيرة الحياتية بكثير من «اللاعب بالطائرة الورقية». وهذه الشخصيات مستمدة إلى حد كبير من الخيال، وعلى الرغم من ذلك فإن لهن صلة بنساء رأيتهن في كابول في عام 2003.

* يجري تصوير فيلم مقتبس عن رواية «اللاعب بالطائرة الورقية» في الصين. متى سيكتمل هذا الفيلم؟ ما الذي يمكنك أن تحدثنا به عن هذا الفيلم وعن تجربة مشاهدة روايتك الأولى وهي تتحول إلى عمل سيعرض على الشاشة الفضية؟

ـ لقد انتهى تصوير الفيلم في ديسمبر 2006 بالفعل.

ومما فهمته فإنه سوف يعرض في خريف العام الحالي، وربما في شهر نوفمبر المقبل. ووجودي في موقع التصوير كان بمثابة تجربة سوريالية بالنسبة لي، فكتابة رواية تعد جهداً شخصياً ومنعزلاً إلى أبعد الحدود. أما تصوير فيلم فهو عمل جماعي أولاً وقبل كل شيء آخر.

وهكذا كان غريباً أن أرى عشرات الأشخاص ينطلقون راكضين في أرجاء موقع التصوير محاولين تحول هذا الإبداع الداخلي الذي قمت بتقديمه إلى تجربة بصرية بالنسبة لكل شخص آخر. وكانت تلك تجربة فريدة شاهدت في غمارها التفسير البصري لخواطري. وبالإضافة إلى ذلك فقد تعلمت أن أبعد نفسي عن المفهوم القائل إن كل ما وضعته على الورق سينتهي بأن يشق طريقه إلى الشاشة، فمن المحتم أن يكون هناك فاصل بين الكتاب والفيلم.

وبالنسبة لي فإن الفكرة ليست مدى قرب الاقتباس من الصور الأصلية ولكن كيف سيتمكن المخرج من الجمع بين الأفكار النثرية المكتوبة وقوة الصور المتحركة لإبداع سياق سردي يمكن أن يبرز اعتماداً على مقوماته الخاصة كعمل فني، ككيان منفصل عن سلفه الأدبي والذي يمكن أن يحظى بالإعجاب اعتماداً على ما يضمه من إبداع، بينما يظل مخلصاً للتجربة الانفعالية الجوهرية التي جعلت الكتاب عملاً جذاباً في المقام الأول.

* هل ترى أن هناك موضوعات مشتركة تتخلل الروايتين اللتين قدمتهما للقراء حتى الآن؟

ـ في هاتين الروايتين كلتيهما تمضي الشخصيات في أرض النيران المتقاطعة وتجتاحها قوى خارجية عارمة. وتتأثر الحياة الداخلية لهذه الشخصيات بعالم خارجي لا يعرف التسامح، والقرارات التي تتخذها حول حياتها تتأثر بأمور لا سيطرة لها عليها، مثل الثورة، الحروب، التطرف والطغيان، وأعتقد أن هذا ينطبق بشكل أكبر على رواية «ألف شمس رائعة».

وفي رواية «اللاعب بالطائرة الورقية» يمضي «أمير» سنوات عدة بعيداً عن أفغانستان كمهاجر إلى الولايات المتحدة، والفظاعات والمشاق التي ينجو منها تتعرض لها مريم وليلى، وبهذا المعنى فإن حياتهما تتشكل بصورة أكثر حدة بالأحداث في أفغانستان على نحو يفوق ما نجده في حياة أمير.

والروايتان كلتاهما عابرتان للأجيال وهكذا فإن العلاقات بين الأب والابن بكل ما فيها من تعقيدات وتناقضات تبرز كموضوع يفرض نفسه. وأنا لم أتعمد هذا، ولكن يبدو أنني مهتم إلى حد كبير بالطريقة التي يحب الآباء والأبناء بها بعضهم ويثيرون إحساس بعضهم بخيبة الأمل، وفي النهاية يكرم بعضهم بعضاً.

منى مدكور