ليس من الصعب فهم السر في أن «اللاعب بالطائرة الورقية»، وهي رواية خالد حسيني الأولى قد حققت النجاح الذي كفل لها أن تندرج في قوائم أفضل الروايات مبيعاً ومن ثم أن تشق طريقها إلى الشاشة الفضية، فهذه الرواية تبدو للقارئ وكأنها صيغة عصرية من رواية «لورد جيم» لكونراد.

حيث يقضي البطل حياته في التوبة عن عمل يتسم بالجبن وخيانة اقترفها في صدر حياته، وهي لا تتيح للقارئ إلقاء نظرة حميمية على أفغانستان وصعوبات الحياة هناك فقط، ولكنها أيضاً تفصح عن موهبة كاتبها في السرد الروائي على الطريقة القديمة وميله إلى خيوط الحبكة الميلودرامية التي تدعمها شخصيات تجمع بين اللونين الأبيض والأسود والمشاعر الجارفة.

وبينما تركز هذه الرواية الأولى على الآباء والأبناء والصداقة التي تنشأ بين الرجال فإن روايته الجديدة «ألف شمس رائعة تركز على الأمهات والبنات والصداقة بين النساء.وعلى حين تنطلق الرواية الأولى من بداية تجذب القارئ وتتعثر في النزعة العاطفية في نصفها الثاني، فإن الرواية الجديدة تبدأ بشكل منهاجي وتزداد في سرعتها وقوتها العاطفية في غمار انطلاقها ووصولها إلى النهاية على مهل.

يكتب خالد حسيني، الذي ولد في كابول، وانتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة في عام 1980 نثراً متدفقاً، هادراً، يوظف على نحو عملي، ويبدع شخصيات تتمتع بالبساطة والألوان الانفعالية الواضحة للشخصيات في الحكايات الخرافية أو القصص الرمزية. والتعاطف الذي يحسه نحو هذه الشخصيات ينبع من الظروف التي تجد نفسها فيها بأكثر مما يصدر عن كتاباتها كشخصيات.

ولا يستغرق القارئ كثيرا لكي يدرك أن المؤلف يقدم بانوراما هائلة للمحن التي تعيشها النساء في أفغانستان، ففي الصفحات الأولى تتحدث أم إحدى الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية عن «نصيبنا في الحياة»، نصيب النساء الفقيرات وغير المتعلمات اللواتي يتعين عليهن تحمل مشاق الحياة ومتاعب الرجال وكراهية المجتمع.

هذه البداية التي تحمل بصمة المؤلف ثقيلة وواضحة سرعان ما نفسح المجال لأحداث أقرب إلى أجواء ما يسمى بالأوبرا الصابونية، فالأم تنتحر وابنتها المراهقة مريم، وهي ابنة غير شرعية ولدتها لرجل غني وتخجل من وجودها ذاته، يتم تزويجها من صانع أحذية عجوز يدعى رشيد، يرى من العار أن يفقد الرجل سيطرته على زوجته ومن ثم يتصرف في بيته على هذا الأساس.

يرغم رشيد مريم على وضع البرقع ويعاملها بازدراء لا يحاول أن يخفيه، ولا يكف عن أن يكيل لها ركاماً لا ينتهي من الاتهامات والهزء والسخرية، ويمر بها وكأنها لا وجود لها، وتحيا مريم في ظل خوف مقيم من تقلباته المزاجية ونزوعه إلى الصدام بمناسبة وبغير مناسبة، وهو ما يتوج عادة بالصفعات واللكمات والرفسات، ويحاول احياناً مصالحتها، وهو ما يحجم عنه في معظم الأحيان.

بطلة الرواية الأخرى، ليلى، التي تصبح زوجة رشيد الثانية، تأخذ منعطفاً أكثر حدة واسراعاً باتجاه الدمار، فعلى الرغم من أنها ابنة رجل مثقف يشجعها على أن تتعلم إلا أنها تجد حياتها وقد تعرضت للدمار عندما يقع صاروخ أطلقته قوات أحد زعماء الحرب المتصارعين على السيطرة على كابول بعد انسحاب السوفييت على دارها ويقضي على أبويها كليهما.

ولما كان صديقها الأثير، طارق، قد ترك كابول إلى أفغانستان مع عائلته فإنها تجد نفسها يتيمة بلا موارد ولا معارف ولا أصدقاء، وعندما تكتشف أنها حبلى بابن طارق الذي تعتقد أنه مات توافق على الزواج من رشيد لاقتناعها بأنها وجنينها لن يقدر لهما البقاء على قيد الحياة في كابول.

في البداية تنظر مريم إلى ليلى على أنها منافسة لها، وتتهمها بسرقة زوجها، ولكن عندما ترى وليدة ليلى، عزيزة، النور فإن موقف مريم منها يلين وتدريجياً تصبحان صديقتين، وتحاول كل منهما أن تحمي الأخرى من عواصف غضب رشيد ومطالبه التي لا تنتهي.

في الفصول الأولى من هذه الرواية تبدو الشخصيات أحادية البعد إلى حد أنها تبدو للقارئ أقرب إلى الرسوم الكرتونية منها إلى أي شيء آخر، غير أنه تدريجياً تبقى اليد العليا لبراعة خالد حسيني في السرد، حيث يتغلب على اعتراضات القارئ من خلال قوة الدفع الهائلة للسرد الروائي الذي يقدمه.

هكذا فإنه ينجح في جعل الواقع الانفعالي لحياتي مريم وليلى ملموساً بالنسبة للقراء، ومن خلال الاستحضار المذهل لتفاصيل وجزئيات حياتهما اليومية فإنه يتمكن من أن يقدم لنا إحساساً قوياً بما تعنيه الحياة اليومية في كابول قبل حكم طالبان وخلاله وبعد انقضائه.

وفي غمار ذلك سنرى تلك الدوريات التي تنطلق في الشوارع بسيارات شحن من طراز تويوتا حاملة رجالاً يرون مهمتهم إعادة تشكل ملامح الحياة وفق رؤيتهم، وسنرى المستشفيات وهي ترفض استقبال نساء في المخاض لان هناك مستشفيات للرجال وأخرى للنساء، وستدهشنا حمى «السفينة تايتانك» التي سيطرت على كابول في صيف عام 2000 عندما تسربت نسخ مقرصنة من الفيلم الشهير إلى المدينة، فأخرج أبناؤها أجهزتهم المدفونة تحت الأرض وشرعوا في مشاهدة الفيلم في أوقات متأخرة من الليل، بينما بدأ الباعة في الشوارع في بيع سجاجيد تايتانك، ومعجون اسنان تايتانك، وبرقع تايتانك.

في نهاية المطاف يدرك القارئ أن هذه اللمحات من الحياة اليومية في أفغانستان هي التي تجعل هذه الرواية، شأن الرواية الأولى للمؤلف، شيئاً جديراً بالتوقف عنده طويلاً، وفي غضون ذلك تشتت انتباه الجميع عن العيوب الفنية في الرواية،و هي عيوب لا يمكن وصفها إلا بأنها عديدة.

*الكتاب: ألف شمس رائعة

*الناشر:بلومزبري ـ لندن 2007

*الصفحات:400 صفحة من القطع المتوسط

A Thousand Splendid Suns

Khaled Hosseini

Bloomsbury- London 2007

P.400