أعادت دار ممدوح عدوان طباعة كتاب (النقد الذاتي بعد الهزيمة) للمفكر السوري الشهير صادق جلال العظم الذي خصّ الكتاب بمقدمة جديدة قال فيها: «عدت إلى الكتاب وقرأته فوجدت أنه شاخ بلا شك، ولكن ليس إلى الحد الذي كنت أظن وأتوقع»، تاركاً الحكم الأخير لكل قارئ وفق ظروفه وقناعاته واهتماماته وثقافته، خاصّاً بالذكر الجيل الذي لم يتعرّف على الهزيمة إلا سماعاً أو قراءة أو عبر ذاكرة الطفولة.

كما تصدّر الكتاب تقديم للأكاديمي المعروف د. فيصل دراج، إضافة إلى شهادات قيلت عنه سنة صدوره وهي بقلم الأديب الراحل غسان كنفاني، واللبناني إلياس شاكر، وجمال الشرقاوي من مصر. فضلاً عن شهادات لكتاب شباب لم يعاصروا الهزيمة، إذ أبدوا رأيهم فيها وفي الكتاب بعد مرور أربعين عاماً على كليهما.

والمؤلف كاتب سوري وأستاذ جامعي له مجموعة كتب أبرزها (نقد الفكر الديني، ذهنية التحريم، في الحب والحب العذري، ما العولمة).. كما أشعلت كتبه الكثير من المعارك النقدية. ينطلق الدكتور صادق جلال العظم في دراسته من رجاء «أن يكون التفكير العربي الواعي قد وصل إلى مرحلة تجاوز فيها اعتبار النقد مجرد عملية تجريح أو تعداد لعيوب ومثالب ونقائض لا تنتهي». والمسألة الأولى التي يعالجها هي الأساليب المختلفة التي حاول بها الكثيرون التنصل من مسؤولية الهزيمة، وإلقاء تبعتها على الغير، أو على ظروف خارجة عن إرادتهم أو أكبر منهم..

وهو يتطرق لبحث هذه الأساليب وتفنيدها بغرض كشف أي اتجاه يخفف من مسؤولية الأوضاع العربية باصطناع الأوهام وخداع النفس والبحث عن المحاذير غير الحقيقية.. باعتبار ذلك من شأنه عدم إدراك حقيقة المرض، ومن ثم عدم تشخيصه تشخيصاً سليماً يتيح فرص العلاج وعدم تكرار ما حدث مرة أخرى.

1) من هذه الأساليب وصف حرب يونيو مع إسرائيل بأنها عدوان، وعدوان اعتمد على عنصر الغدر والمفاجأة.

ويدعو د. العظم إلى الوقوف وتمحص هذه الأوصاف ومطابقتها للواقع، فقيام إسرائيل أصلا كان عدواناً على الأراضي العربية والسيادة الفلسطينية. وهذا العدوان قائم منذ زمن طويل، وهو لم تتغير طبيعته لأن إسرائيل لا تزال قائمة.. والعرب في حالة حرب دائمة مع إسرائيل منذ عام 1948، وهذه الحالة أيضاً لم تتغير لأن أسبابها لا تزال موجودة.

والمدهش أننا نردد ذلك صباح مساء، ونعتبره مسألة لا تقبل أي نوع من المساومة. ومع ذلك «فهل يوجد في الحقيقة ثمة شيء اسمه العدوان بيننا وبين طرف آخر نعتبر أنفسنا في حالة حرب دائمة معه؟».

ويستنتج المؤلف من إطلاق وصف العدوان على حرب يونيو أنه كان ينطوي على محاولة لإخفاء تقصير حقيقي كانت تستوجبه حالة الحرب القائمة فعلاً، ومحاولة إخفاء ذلك التقصير بالقول إن إسرائيل قد اعتدت علينا، وكأن الطبيعي أن ننتظر منها حسن الجوار والمعاملة الطيبة!ولا يقل خطأ ذلك عن إرجاع النصر الذي حققه العدو في الساعات الأولى إلى «غدر» اعتمد على المباغتة.

وفي رأي المؤلف، فإن هذا التصور الواهم للحرب يغفل أبسط مبادئ الحرب الحديثة. وهو الاعتماد على الهجوم المفاجئ. فضلاً عن ذلك، فإننا قد أعلنا دوماً أن جهودنا موجهة إلى الهدف الأكبر وهو معركة التحرير، وإننا لذلك لا يليق بنا أن نفاجئ بالنسبة لمعركة ظللنا دائماً نستعد لها.

2) ومن هذه الأساليب أيضاً إزاحة المسؤولية جملة وتفصيلاً وإسقاطها على الاستعمار، ويتساءل الدكتور العظم، ألم يكن العرب واعين تمام الوعي أن إسرائيل مرتبطة ارتباطاً عضوياً ووثيقاً بالاستعمار؟ ألم تفصح الولايات المتحدة ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ عن نواياها نحو العرب ومدى استعدادها لدعم إسرائيل والمحافظة عليها؟ فكيف تلام الذئاب إن هي تصرفت تصرف الذئاب؟

3) ثم هناك التعليل الشائع جداً الذي ينسب الهزائم العربية في وجه إسرائيل إلى سيطرة الصهيونية الدولية على العالم بأسره.ويعالج الدكتور جلال العظم هذه القضية من منظور مختلف، لكنه عقلاني وواقعي في آن.

وبعد أن يكشف صاحب كتاب «ذهنية التحريم» عن مغزى الوقوع في هذا الخطأ، ويرجعه إلى الرغبة في تبرير الهزيمة وإرجاع سببها إلى قوة خارجة عن إرادتنا وأكبر منا.. (فهل نلام نحن إذا لم نستطع الرد على التحدي الصهيوني إذا كنا نواجه قوة تتحكم بمصير وحياة الكتلة الرأسمالية والكتلة الشيوعية في العالم على أقل تقدير!!).. يقدم لنا نموذجين لهذا التضخيم من قوة العدو.

والنموذج الأول هو الأكثر سذاجة. وهو الذي يلجأ أصحابه إلى بروتوكولات حكماء صهيون.. ليبرهنوا أن اليهود يسيطرون سيطرة تامة عن طريق مؤامرة عالمية جهنمية على مجرى التاريخ الحديث. ووفقاً لهذا المنطق الخرافي يجتمع حكماء صهيون مرة على الأقل في كل قرن.

حيث يجرون مناقشات ودراسات لوضع خطتهم السرية المرعبة لاستعباد العالم. ويؤكد أصحاب هذه «النظرية» في تعليل الأحداث التاريخية أن مجرى التاريخ يسير دون أدنى شك وفقاً لمخططات المؤامرة المذكورة ولا يحيد عنها قيد أنملة بسبب دهاء القادة اليهود وذكائهم المفرط ونفوذهم غير المحدود مما يجعلهم قادرين على التخطيط والتنفيذ على امتداد قرن كامل ببراعة لا يحيط بها عقل.

أما النموذج الثاني فيميل إلى المعقولية حيث يرد النفوذ الضخم لليهود والصهيونية إلى سيطرة اليهود على الاقتصاد الأميركي ومن ثم يهيمنون على مجتمع أكبر بلد رأسمالي ويسيرون سياسته وفق مصالح إسرائيل.

وأثناء مناقشته لهذه المسألة يعود إلى كتاب (الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة) لمصطفى عبدالعزيز، الصادر عن مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 والذي يتضح من المعلومات الواردة فيه أن: «المصالح اليهودية لا تسيطر إلا على بعض النواحي المحدودة في الاقتصاد الأميركي الواقعة ضمن القطاع الأوسط فما دون من النشاط الاقتصادي العام في البلاد».

وفيما يلي أمثلة عن المجالات الاقتصادية الخاضعة للنفوذ اليهودي إما جزئياً أو كلياً: صناعة الملابس الرجالية والنسائية برمتها تقريباً، صناعة الفراء، تصميم الأزياء والماكياج، تجارة الجملة والمفرق بالنسبة لبعض البضائع، المجوهرات، البقالة، المشروبات الروحية، استيراد وتصدير، صناعة السينما والإعلام بصورة عامة بما في ذلك دور النشر. كما يتمتع اليهود بنفوذ قوي في ميدان وسطاء البورصة (وخاصة في نيويورك) وفي المجالات المهنية مثل المحاماة والطب وطب الأسنان والتدريس الجامعي.

وإذا كان ذلك ليس بالشيء الذي يستهان به. فإنه لا ينبغي من ناحية أخرى المبالغة في وزنه، فإن كافة هذه القطاعات الاقتصادية الواقعة تحت سيطرة اليهود ليست إلا نقطة في بحر بالقياس للقطاعات الأساسية التي تشكل العصب الحساس للاقتصاد الأميركي حيث نجد مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. لندرج بعض الأمثلة عن الشركات التي ينتعش بانتعاشها المجتمع الأميركي ويضعف بضعفها حقاً:

ستاندرد أويل وشبيهاتها، دوبون، شركات الفولاذ الكبرى من أكبرها حتى سادس شركة في الحجم، بنك أوف أميركا، شركات الطيران الكبرى المعروفة، شركات صنع السيارات الرئيسية. شركات الإعلان الكبرى، شركات الأغذية والأطعمة. ولا يوجد أدنى شك في أن اليهود لا نفوذ لهم في هذا القطاع الاقتصادي الرئيسي ولا يسمح لهم بالاقتراب منه أصلاً، فكيف بالسيطرة عليه!

ففي الصين أنشأت الحكومة بعد شهر واحد من انتصار الثورة عام 1949 الأكاديمية الصينية للعلوم ثم وجهت نداء إلى العلماء الصينيين العاملين في الجامعات الأجنبية لينضموا إليها.. ومن هؤلاء تكونت نواة النهضة العلمية الحديثة التي ظهرت آثارها في تفجير القنبلة الهيدروجينية الصينية قبل فرنسا ذات التراث العلمي والصناعي العريق..

وفي الاتحاد السوفييتي، فلقد كانت دعوة ستالين عام 1931 بضرورة «أن ندرس التكنولوجيا وأن نتمكن من العلم تماماً».. أثرها الواضح، الذي عبرت عنه مجلة تايم الأميركية عام 1957 في معرض نقدها لبعض نواحي الح+ياة العلمية في الولايات المتحدة بأن عدد المهندسين الذين تخرجهم جامعات الاتحاد السوفييتي ومعاهده بلغ ضعف عدد المهندسين الذين يتخرجون من معاهد الولايات المتحدة في العام الواحد.

كما بينت المجلة أن الحكومة السوفييتية تغدق المال بدون حساب تقريباً على تطور البحث العلمي النظري والتطبيقي باعتباره الشرط الضروري لنمو البلاد الاقتصادي ولقوتها الحربية والسياسية ومكانتها الدولية.ماذا كان رد الفعل الأميركي ـواذكروا دائماً أننا نتكلم عن أميركا! ـ إزاء هذه النكسة؟.

أُبيّ حسن

*الكتاب: النقد الذاتي بعد الهزيمة

*الناشر:دار ممدوح عدوان

دمشق 2007

*الصفحات:204 صفحات من القطع المتوسط