لا يزال الكيان الصهيوني الذي زرع بالقوة العنفية، والقتل اليومي للفلسطينيين واحتلال أراضيهم منذ إعلان قيام إسرائيل في يونيو 1948، يشكل كياناً فريداً في العصر الحديث. وذلك باستمرار احتلاله للأراضي الفلسطينية العربية، وخرقه المتمادي للقانون الدولي، وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، واعتماده أسوأ نظام عنصري ديني وقومي وعرقي في العالم، وكونه يشكل بؤرة تهديد دائم للأمن والسلم الإقليمي والعالمي. ورغم ذلك فهو يتلقى الدعم المستمر من العالم الغربي «العالم الحر» منذ نشأته وحتى الآن، ويتم إظهاره كدولة ديمقراطية حرة يتم الاعتداء عليها من قبل جيرانها العرب.

ويأتي كتاب «إسرائيل والصراع المستمر» لمؤلفه ربيع داغر - وهو كاتب وصحفي لبناني، ورئيس نادي الحرية الفكرية في لبنان - كمحاولة جديدة لإظهار حقيقة الكيان الصهيوني، والدخول مفهومياً في الصراع العربي- الإسرائيلي من مختلف جوانبه، وتفهم الميزات التراكمية للمشروع الصهيوني من جهة، والتوازي العربي من جهة أخرى. وفضح الدور الأميركي ـ الغربي في دعم المشروع المعادي للعرب، والوقوف وراءه بكل الإمكانيات. وهي محاولة لتكريس الحصار المعنوي المتمثل بالرأي العام العربي والعالمي على إسرائيل.والمدخل إلى تفهم حقيقة الكيان الصهيوني هو الصهيونية، التي تعود جذورها إلى القرون الوسطى، إلا أنها برزت كحركة سياسية منظمة مع «تيودور هرتزل» الذي وضع أسسها في كتاب «الدولة اليهودية» عام 1896 المتضمن «الأسس العقائدية للصهيونية السياسية»، ثم في مؤتمر «بال» المنعقد في سويسرا عام 1897 الذي أعلن فيه أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. واتخذت الصهيونية منذ بدايتها نهجاً استعمارياً وعنصرياً له الطابع الديني اليهودي المنغلق.

والأسس التنظيرية للصهيونية هي: التعاليم التلمودية، والنظرية الداروينية، والمفهوم الرأسمالي التوسعي.والتلمود هو مجموعة الشرائع اليهودية التي نقلت شفهياً مقرونة بتفاسير رجال الدين، وكتبت في فلسطين وبابل، وهو ينقسم إلى قسمين : المشنة وهي النص وتحتوي على 63 مقالة، والجمارة: وهي التفسير مع تكملة النص.

ومن أهم تعاليم التلمودية دعوة اليهود إلى احتلال أراضي الغير وقتل أصحابها ونهب ثرواتها واعتبار ذلك لزاماً دينياً، وتعليماً نبوياً. وذلك اقتداءً بيشوع بن نون الذي اقتحم مدينة «أريحا» وقتل بحد السيف إكراما للرب جميع ما في المدينة من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير».

وكذلك تأويل التوراة لصفات الإله يهوه: فهو إله محب للدماء بطبيعته ومعاقب لمخالفيه بقسوة غير عادلة، ومتحايل على أعدائه للإيقاع بهم والانتقام منهم، وشهيته للقتل لا حد لها. وإن هذا الإله مخصص لليهود وداعم لهم ولأعمالهم وحدهم. وهذا الإله يشعر بالاضطهاد شخصياً عند اضطهاد أي يهودي، ويتألم مع آلامهم وهو «يبكي على ما حل باليهود، وكل يوم تسقط دموع من عينيه في البحر وتظهر البروق والرعود»، وتبعاً لذلك يحل لليهودي ما لا يحل في الشريعة أصلاً إرضاءً له ولمكانته في عيني الإله.

وأيضاً يركز التلمود على التفوق المطلق لليهودي «كفرد وكجماعة وكنوع» على كل الشعوب الأخرى، وواجبه في التسلط عليهم وإعلاء الدين اليهودي فوق كل الأديان الأخرى وأتباعها.ويعتبرون «اليهودي فقط هو الإنسان، وأبناء الشيطان أربعة: الحمار والكلب والخنزير والأغيار»، والأغيار بحسب التعبير التلمودي: كالبهائم.

وأما النظرية الداروينية (نسبة إلى داروين 1809 ـ 2881) التي استنتجت: الارتقاء الطبيعي للأنواع من الأجداد المشتركة. وحتمية بقاء الأقوى ، أو «البقاء للأصلح» بحسب قانون «الانتخاب الطبيعي». فقد أعطت الصهيونية لها بعداً عقائدياً في الميدان السياسي والاجتماعي.

وقسمت العالم إلى النوع اليهودي «كنوع إنساني مميز» ومتفوق، بينما الأغيار هم «حيوانات بليدة الأذهان» وتبعاً كذلك يجب أن تكون الأخيرة «عبيداً لليهود» و«آلات منفذ لأوامر اليهود ومخططاتهم» و «أدوات عمياء يحركها اليهود كيفما أرتأو». وهذا ما يمارسه الصهاينة في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن.

وكذلك اعتمدت الصهيونية على المفهوم الرأسمالي التوسعي وزبائنها من البرجوازية اليهودية العليا، وشركائها في الأوساط الامبريالية الأكثر رجعية.وقد كان ظهور الصهيونية محدداً بمطالب أقطاب البرجوازية اليهودية لتأسيس رقابة على جميع طبقات الشعب اليهودي، بتجديد الضمان لإثراء هذه الأقطاب بشتى الوسائل.

وإسرائيل هي نتاج التحالف الوثيق بين المطامع الصهيونية في احتلال فلسطين وبعض الأراضي العربية الأخرى واستيطانها باليهود، والمطامح الإمبريالية في :

ـ إرضاء دائني الدول الإمبريالية الغربية من كبار الرأسماليين اليهود ولاستدرار المزيد من الأموال.

ـ خلق كيان استعماري حليف للامبريالية يستنفد مقدرات البلاد العربية ويسخر طاقاتها وثرواتها لأهداف التوسع الاستيطاني الصهيوني من جهة والهيمنة الاقتصادية الغربية على الشرق الأوسط بأكمله من جهة ثانية.

ـ وحماية قناة السويس ومنابع النفط العربي من أي دخيل غير إمبريالي من جهة ثالثة.

فنشأة إسرائيل واستمراريتها وتعاقب مشاريعها ومخططاتها وممارساتها في المنطقة العربية، هي نتيجة للحلف الوثيق الذي لا يبرح يربط الصهيونية بالامبريالية العالمية من حيث : طبيعتهما وأصلهما وتطورهما وأهدافهما.

وإسرائيل دولة عرقية دينية وفق قانون أقره الكنيست عام 1985 «يحظر فيه طرح مشاريع قوانين تنفي وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي». ووفق المفهوم الدولي للعنصرية الذي يعتمد على: التمييز العنصري، والتفوق العنصري، والتعصب العنصري، والفصل العنصري.

والصهيونية تتبنى كل هذه المفاهيم وتمارسها منذ 1948 ضد الفلسطينيين. بالإضافة إلى قوانين عنصرية أخرى، مثل: قانون العودة وقانون الجيش، وقانون الدفاع وقوانين أحوال الغائبين، وقانون الطوارئ، وكذلك التمييز ضد العرب في الداخل الفلسطيني في كل المجالات الدينية والتربوية والاقتصادية.

ويكشف المؤلف زيف الادعاء الصهيوني بحقهم التاريخي بفلسطين. فالمعطيات التاريخية تؤكد أن فلسطين كانت مسكونة من قبل شعوب عديدة منذ الألف العاشر قبل الميلاد، وقبل أن يضع اليهود أول قدم لهم في المنطقة. وكذلك فإن هناك عدد كبير من اليهود مفكرين ومنظمات لا يوافقون الصهيونية بإدعائها حق اليهود في فلسطين.

بل يؤكدون أن هذا الحق كان أكبر خدعة في تاريخ اليهود على الإطلاق، ثم إن الصهاينة الأوائل كانوا يسعون إلى إقامة دولة في أي بقعة في العالم مثل: «قبرص، أوغندا، أستراليا، ليبيا، روسيا ...» وحتى هرتزل قال في كتاب «الدولة اليهودية» بأنه «يكفي أن يعطونا أي قطعة من الأرض تتناسب وحاجات شعبنا وتكون لنا السيادة عليها».إلا أن توافق المصالح بين الصهاينة والدول الامبريالية الاستعمارية هو الذي زرع إسرائيل وشرد الشعب الفلسطيني وحوّله إلى لاجئين.

وبعد أكثر من نصف قرن من الصراع العربي الإسرائيلي، برزت إسرائيل كأكبر قوة عسكرية في المنطقة، يقابلها أنظمة عربية مهزومة تخلت تدريجياً عن مسؤولية التصدي للمشروع الصهيوني. وفي النهاية وبعد سلسلة من الاتفاقيات المكشوفة والمستورة مع الكيان الصهيوني أصبح خيار «السلام الإستراتيجي» كخيار أوحد للأنظمة العربية، وهو بمثابة التسليم الرسمي العربي بالهزيمة ونتائجها المتعددة الجوانب. وأهمها التنازل عن الحقوق العربية المسلوبة بالقوة والغصب اللاشرعيين.

والرهان الوحيد في المستقبل هو على المقاومة الشعبية العربية وقواها الاجتماعية التحررية في فلسطين ولبنان وغيرهما التي تراكم الإنجازات تدريجياً ضد المشروع الأمريكي الصهيوني.وسيكون لها الدور الريادي والأساسي في الدفاع عن الأرض والشعوب العربية، واستعادة الحقوق المغتصبة، وحماية الأمن القطري والقومي للعرب.

مروان عبد الرزاق

*الكتاب: إسرائيل والصراع المستمر

*الناشر:شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ـ بيروت 2007

*الصفحات:208 صفحات من القطع الكبير