صدر للمؤلف الدكتور محمد فاتح زغل، الباحث بمركز زايد للتراث والتاريخ، الكتب التالية: مناهج توثيق التراث الشعبي (3) مجلدات 2000 م. وعلوم المكتبات 2001. الخطاب الأدبي في البث التلفزيوني العربي 2004 م. وأوراق من ذاكرة الاغتراب 2005 م. وحقق موضوعات شتى، وله مجموعات قصصية.

في هذا الكتاب «سلطة المثقف بين الاقتراب والاغتراب» يميز تجربة لسان الدين بن الخطيب التي جمعت بين السياسي والثقافي في سلطة امتدت على مرحلتين: الاقتراب 749 ـ 760 ه، وهي الفترة الأولى التي قضاها ابن الخطيب في السلطة عند رياسته لديوان الإنشاء، حيث منحه السلطان رتبة الوزارة وألقابها، وأغدق عليه من عطفه وكرمه، وآثره بثقته وجعله كاتب سره ولسانه، وهذه الفترة مليئة بالأحداث. والفترة الثانية وتسمّى الاغتراب الأول 760 ـ 763 ه، وهي الفترة التي آل فيها الحكم إلى إسماعيل بن يوسف وهو من ملوك بني نصر بن الأحمر في الأندلس، بعد انقلاب غرناطة 760 ه، حيث ألفى ابن الخطيب نفسه بين عشية وضحاها، مسلوب الحظوة والمنصب، بل قبض عليه وصودرت أملاكه وحجزت ثروته العريضة، لكن مساعي سلطان المغرب عثمان بن إدريس المريني، أخرجته من هذا الهلاك، فمضى إليه وعاش في كنفه، وتعد هذه من أخصب فترات حياته الفكرية.

الاقتراب الأخير 764 ـ 772 ه، وتتميز هذه المرحلة بعودته إلى الحكم وانهماكه فيه، مستفيداً من تجربته الأولى ومحاولاً إصلاح ما أمكن باتخاذ المواقف الصارمة، وفي هذا العهد استطاعت غرناطة استخلاص عدد من المدن من يد أعدائها، لكنه في هذه المرحلة أصبح هدفاً لخصومه والتآمر عليه فاستشعر ذلك ورغب في الزهد والاعتكاف، كما تمنى أن يترك الوزارة ويهاجر إلى المغرب.

الاغتراب الأخير: 773 ـ 776 ه، هرب لسان الدين إلى المغرب تاركاً الوزارة، واستقر في فاس التي قضى فيها آخر مراحل حياته، لكن خصومه لاحقوه واتهموه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، بتحريض من ابن زمرك وابن الجذامي قاضي الجماعة بغرناطة، فاعتقل وألقي به في السجن، ووجهت إليه التهم القديمة، ووقع التشاور على أمر قتله بفتوى بعض الفقهاء المتعصبين، فدس عليه الوزير سليمان بن داود بعضاً من حاشيته وجماعة ابن زمرك، فطرقوا سجنه ليلاً وقتلوه خنقاً في سجنه.

إنّ سيرة هذا الرجل وتجربته في الحكم تغري الباحث لأن يقطع هذه المسافة التاريخية من حياته، والتي يصعب عبورها لما فيها من أحداث وشخصيات كان لها أثر بارز في هذه المحاور، وقد حاول الكاتب جهده كي يقدم أنموذجاً للالتباس القاسي والمدمر الذي يصيب مثقف السلطة في محاولته لتحقيق العدالة.

وقد يكون ابن الخطيب قد حصل على ثقافة عالية وتعليم جيد، ولكنه كان حاملاً لها، ولم يبتدع الثقافة التي تحمل أفكاراً معينة يسعى إلى تطبيقها واستخدامها، وأمثال هؤلاء المثقفين قد شغلوا مواقع عالية في المناصب السياسية والإدارية، والمتتبع للفترات التاريخية في تاريخ العرب والمسلمين يلحظ ذلك.

ولكن هؤلاء المثقفين لم ينتجوا ثقافة التحول، ولم يستطع ابن الخطيب توظيف ثقافته، لكن قسماً منها ومقاطع منها وظف باستمرار، ونسج جزء منها داخل السلطة.

إذا كانت الحرية ( على إطلاقها ) شرطاً أساسياً للإبداع الإنساني، فإنها في هذه الحالة، تصبح نقيض الخوف، لأن الخوف يعطل أية إمكانية للإبداع فهو يشغل العقل وإمكاناته وطاقاته بهدف البحث عن السبل التي توفّر منجاة للخائف. وممارسة التخويف تجتذب كل الوسائل الكفيلة بإبعاد التهديد، وبهذا ينشغل الإنسان ببناء شبكة حماية، أو بإعادة التوازن إلى علاقته بالمجتمع والمكان نفسه أيضاً، وهذا كله يحول دون الإبداع إلا في إبداع وسائل الحماية، وفيها التزلف والنفاق والرشوة والهجرة واللجوء وغيرها.

يدرس الكاتب في الفصل الأول، محددات السلطة في عهد بني الأحمر ويخص بالذكر مملكة غرناطة، فيدرسها داخلياً وخارجياً وفي حياتها العامة، يأخذ بالجانب السياسي والاجتماعي والفكري، ليشكل نسيجاً حضارياً لمملكة غرناطة في عهد بني الأحمر ثم أثرها على فكر ابن الخطيب.

في الفصل الثاني يدرس المؤثرات الحياتية والثقافية في شخصية ابن الخطيب وفنون نثره، تأثره بالأدب العربي وبالآداب غير العربية، كما يدرس تأثره بالثقافة الهندية وعلاقته بالصوفية. ويدرس تأثير لسان الدين على تلامذته، كما يستعرض مؤلفاته في هذا الفصل.

في الفصل الثالث قراءة في مواقف لسان الدين بن الخطيب من السلطة، من الوزارة حتى باب المحروق، ونكبة ابن الخطيب، وفي الفصل الرابع يتناول أدب مرايا الأمراء وتجليات الخوف عند ابن الخطيب وبعض شعراء الأندلس.

في النهاية خاتمة نستخلص منها أن ابن الخطيب السياسي والأديب الذي عاش في القرن الثامن الهجري، القرن الذي امتلأ بألوان الصراع مع العالم الأوروبي.

وهو رجل بذل جهوداً مضنية في تسيير شؤون غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وقد تبنى الكاتب في ذلك الظرف السياسي المأزوم، مشروع الدعوة إلى وحدة إسلامية متماسكة لمواجهة زحوف أوروبا التي كانت تهدد العالم الإسلامي عهدئذ بالخطر الداهم، إلى أن حبكت له التهم السياسية والدينية من خصومه، وسوف يظل معلمة شامخة تذكر الناس بهذا المصير المؤلم الذي انتهى بلسان الدين بن الخطيب قتيل السياسة والثقافة.

فيصل خرتش

*الكتاب: سلطة المثقف بين الاقتراب والاغتراب

*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2006

*الصفحات: 207 صفحات من القطع الكبير