مؤلّف الكتاب اسكندر نجّار هو كاتب فرنكوفوني من مواليد بيروت عام 1967، كان قد نشر سابقاً العديد من الروايات التاريخية والسير الذاتية، ومن أبرز مؤلفاته: «مدرسة الحرب»، «الفلكي»، «دروب الهجرة ـ من بلاد الشركس والشيشان إلى الشرق الأوسط».لأن الجميع يتفق على استحقاق جبران خليل جبران لرواية سيرته.
ولأن قرّاء العربية لم يطّلعوا بشكل وافٍ على هذه السيرة، يأتي هذا الكتاب الذي يكشف فيه نجّار عن وثائق تُنشر للمرة الأولى في اللغة العربية، كالرسائل التي تبادلها جبران مع ناشره الفريد نوف وزوجته بلانش، ومع أصدقائه: الشاعر ويتر باينر والشاعرة مدلين مايزن مانهايم مترجمة «النبي» إلى الفرنسية، وشارلوت تايلر وهيلانة غسطين.كما يشير إلى الدور الذي لعبته مساعدته بربارة يونغ وصديقه باينر، في منع نشر عملين له بعد وفاته.هذه الرسائل والوثائق التي حصّل نجار بعضها بجهد خاص وبعضها من أرشيف الجامعات الأميركية، إضافة إلى الوثائق الرسمية التي حصل عليها من بعض الإدارات الرسمية اللبنانية، تسلّط الضوء على جبران في تعاملاته اليومية: جبران المريض الذي يخفي مرضه عن أصدقائه، جبران المتألّم لظروف وطنه والخائف من العودة إلى لبنان كي لا تلاحقه ديون أبيه، جبران العاشق غير الجموح، جبران المفاوض في شؤون النشر والمتابع لأدقّ تفاصيل إصدار أعماله الجديدة.
كما تطرح أسئلة عديدة حول طبيعة العلاقات التي كانت تربط جبران بمن تبادل معهم هذه الرسائل: هل كانت هيلانة غسطين حبيبته أم صديقته؟ ولمَ خاطب باينر (صاحب الميول الجنسية الخاصة) ب«حبيبي»، وهل قال ذلك تحبّباً على الطريقة الشرقية، أم ثمة علاقة ما جمعته به؟
يمكننا وصف الكتاب إذاً بأنه السيرة الرسمية + ملحقاتها. السيرة الرسمية أصبحت معروفة تقريباً من الجميع، لكن الملحقات تدحض بعض المزاعم، وتؤدي بالتالي إلى انزياحات في تلك السيرة.
فمولد جبران لم يكن في السادس من ديسمبر من العام 1883 بل كان في السادس من يناير من العام نفسه، كما أكّد في رسالة إلى بلانش كنوبف (11 مارس 1928)، وهو لم يطلب من ماري هاسكل، ملاكه الحارس، الزواج من باب ردّ الجميل، بل لأنه أغرم بها حقاً.
إلى جانب هذه التصحيحات في السيرة، يكشف نجّار عن بعض الحقائق من مثل عمل جبران الشاب كموديل لدى الرسّام فريد هولاند داي، أو عدم انجراره في حبّ حلا الضاهر كما صوّر البعض بسبب إدراكه صعوبة علاقات الحب في ذلك المجتمع المغلق حينها والتباين الاجتماعي بينهما، متناولاً شخصيته من النواحي كافة: الكاتب، الرسّام، المهتمّ بالشأن السياسي، والعاشق الباحث عن أمّه بين النساء.
منذ وصل جبران إلى ألّيس آيلند في 17 يونيو من العام 1895، وحتى لفظ أنفاسه وحيداً في 10 ابريل من العام 1931، رحلة ذهاب وعودة، بين الولايات المتحدة ولبنان، وباريس وبوسطن ونيويورك، وتذبذبٍ بين أسماء نسائية كثيرة: ماري وميشلين وهيلانة وحلا وسلطانة وشارلوت وبربارة... فبعد استقرار العائلة في بوسطن، بدأ جبران يخطّ حياةً أخرى، لن تجعل منه بائع «كشّة» أو تاجراً، بل كاتبا.
لقد أدرك ذلك منذ البداية، فالتحق بمدرسة كوينسي المجانية في الحيّ السوري من المدينة، حيث يتجاور العرب واليهود والصينيون ومهاجرو أوروبا الشرقية، ما أدى إلى ترسّخ قيم التسامح لديه. موهبة جبران، أثارت انتباه أساتذته، بل القدر أيضاً الذي وضع في طريقه أشخاصاً مثل فريد هولاند داي، وجيسي فريمونت بيل، وماري هاسكل وغيرهم، فكانت بدايته من خلال الرسم الذي زيّن معظم أعماله في ما بعد، وانصهر مع أدبه.
عن جبران الرسام، يسأل نجار، الذي سعى إلى الحفاظ على موضوعيته في ما خصّ هذه السيرة: هل يعتبر رسّاماً كبيراً؟ ثم ينقل قول البعض إنه لم يكن مجدداً بل طالما كرّر نفسه، ثم يقول إن أعمال جبران التصويرية وثيقة الصلة بكتاباته، على غرار أعمال بلايك. وعليه، يستحيل علينا إطلاق أحكام على أعماله التصويرية بمعزل عن فكره.
أما عن جبران السياسي، فيؤكد نجار أنه لم ينخرط سياسياً بالمعنى الصحيح، على الرغم من تأسيسه جمعية «الحلقة الذهبية» للدفاع عن قضايا البلدان العربية إثر عودته من باريس إلى بوسطن في العام 1911، وتحذيره العرب في بعض المقالات الصاخبة: «إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوّه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء».
وعن الجانب الصوفي لدى جبران، فثمة بعض الحوادث غير المعروفة التي يكشف عنها نجار، مثل لقائه عبد البهاء في 15 ابريل من العام 1912، ابن بهاء الله، منشئ الحركة البهائية في إيران، وإنجازه رسماً له، ودعوته إلى إلقاء محاضرة أمام أعضاء «الحلقة الذهبية».
سنة 1931، قال جبران عن «النبي» إن إنجاز هذا الكتاب الصغير استغرق حياته بأكملها، لكن؟ هل قصد الكتاب حقاً، أم أنه كان يتحدّث عن نفسه؟
*الكتاب:جبران خليل جبران
*الناشر:دار النهار ـ بيروت 2007
*الصفحات:200 صفحة من القطع المتوسط
ماهر شرف الدين

