ذكر غونتر غراس، الشاعر والروائي والمسرحي والنحات الألماني خلال خطابه لدى استلامه جائزة نوبل للأدب عام 1999، «فازت بحوث العديد من مختبرات الحيوانات بجائزة نوبل.. وهنا عليّ أن أشير إلى قلة الجوائز التي منحت لمشاريع أبحاث المختبرات التي هدفت وحققت حلا جذريا للمأساة الإنسانية الكبرى المتمثلة في المجاعة».
كان والد غراس الذي ولد عام 1927 في مدينة دانتسيغ بولنديا، أما والدته فهي من الكاشوبيين المنحدرين من أصول سلافية. وفي عام 1930 انضم إلى منظمة شبيبة هتلر وجُند في الجيش وهو في السادسة عشر من عمره، وجرح عام 1945 وتم أسره من قبل الحلفاء في تشيكوسلوفاكيا سابقا ليطلق سراحه في العام التالي.
أعال نفسه بعد ذلك من خلال عمله في المزارع والمناجم وكعامل في أحد المحاجر. وفي عام 1948 سجل نفسه كطالب في الرسم والنحت في أكاديمية الفن في دوسلدروف ثم درس الفنون التشكيلية في برلين الغربية عام 1953، وسافر بعدها في جولة إلى كل من إيطاليا وفرنسا واسبانيا.
وخلال تواجده في دوسلدروف وبرلين كتب الشعر، ثم عمل كنحات في باريس من عام 1956 إلى عام 1960. أما نجاحه الواسع كروائي فقد كان مع نشره لروايته «طبل الصفيح» عام 1959. ومعظم نتاجه في أواخر الخمسينات تمثل في كتابة المسرحيات والقصائد التي حققت نجاحا متواضعا.
بعد ترسيخ مكانته كأديب من خلال ثلاثيته دانتسيغ المتمثلة في كل من «طبل الصفيح» و«القط والفأر» ونشرت عام 1961، والجزء الثالث «سنوات الكلاب» ونشر 1963، تحول غراس إلى ناشط سياسي في الحزب الديمقراطي الاشتراكي، لتتوسع اهتماماته بعدها إلى مواضيع خارج إطار تاريخ ألمانيا مثل الحركة النسائية وفن الطبخ وعلم الطبيعة والبيئة.
وفي عام 1972 نشر كتابه «مذكرات حلزون» ورصد فيه تاريخ حركة الحزب الديمقراطي الاشتراكي الحثيثة من خلال شخصية هيرمان أوت جامع الحلزون ويرمز من خلاله إلى بطء وأناة حركة الحزب. وجدير بالذكر أنه حصل على عدة شهادات دكتوراه شرفية من كبرى الجامعات مثل هارفارد وكينون وغيرها، ولا يزال حاضرا بأفكاره ومقالاته مثيرا زوابع فعالة في الأوساط الفكرية والسياسية. كما يعتبر من الأعضاء الناشطين في حركة السلام وحماية البيئة.
ورواية «طبل الصفيح» التي تعتبر من روائع الأدب على الصعيد التاريخي وأدب الخيال، تحكي قصة طفل من عهد النازية، قرر عدم الانتقال إلى عالم الكبار. وبإصراره على البقاء طفلا توقف نموه واكتسب عوضا عنه صوتا حادا قويا، إذ تكفي صرخة واحدة منه لتحطيم الزجاج.
وهي حكاية خيالية عن سيرة حياة أوسكار ماتزيراث، الذي يتعرف عليه القارئ وهو في الثلاثين من عمره ولدى كتابته لسيرته الذاتية داخل مصحة عقلية في دوسلدروف. حصل أوسكار حينما كان في الثالثة من عمره على طبل كهدية من والدته أغنس، وبعد ما رصده هذا الطفل (الذي تجتمع فيه مختلف الاهتمامات والغايات) في عالم الكبار، قرر أن لا يكبر كي لا ينتمي إلى عالمهم.
ومع تطويره لإحدى طبقات صوته العالية، تمكن من استخدام تلك الموهبة في حالات عديدة، مثل الدفاع عن طبله الذي لم يفارقه مطلقا، والاقتحام لدخول عصابة لمكاتب الحكومة وكذلك التأثير على الجمهور. تبدأ قصته من خلال سيرة عائلته وتاريخها منذ بداية القرن العشرين وتستمر حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتتمثل البداية بحكايات جدته المرأة العاملة التي ترتدي خمس طبقات من التنانير التي تتناوب في كونها الظاهرة للعيان على مدار أيام الأسبوع، والتي أخفت تحتها يوما أحد الفارين من الشرطة في حقل البطاطا، والذي أصبح لاحقا زوجا لها وهما من عرق الكاشوبيين. ومنهم ورث أوسكار روحه المتمردة الثائرة.
ويتمحور الجزء الأول من العمل حول مجموعة مالكي المخازن في جزء من دانتسيغ، لينتقل بعدها إلى عهد والدته أغنيس التي تتزوج من رجل يدعى ألفريد ماتزيراث مع استمرار علاقتها العاطفية بابن عمها جان برونسكي. كما رفض أوسكار الذهاب إلى المدرسة معتمدا على تعليم نفسه بمفرده، وهذا يشير إلى ملامح شخصيته. وواجه سنوات الحرب في دانتسيغ وهي أول مدينة تم احتلالها من قبل النازيين.
ومع وفاة والدته قبل بدء الحرب العالمية الثانية، يتزوج والده من من ماريا تروسزينسكي معتقدا بأنه تسبب في حملها، وإن كان أوسكار هو والد الطفل فقد كانت ماريا حبه الأول. تضع ماريا ابن أوسكار الذي يسميه كورت والذي يعاند والده بصورة دائمة سيما في اقتنائه لطبل من الصفيح.
ينضم أوسكار خلال الحرب لمجموعة من المهرجين الرحل بقيادة المعلمة بيبرا. ويؤدي عروضه في الفرقة بالعزف على الطبل وإطلاق صرخاته المبهرة، وليكون شاهدا على المآسي التي ترتكبها النازية. وكانت شخصيته في تلك الأثناء تتأرجح ما بين الشر والخير.
بعد مقتل والده في نهاية الحرب أخذ ماريا وابنه إلى دوسلدروف ليكافح الثلاثة لإعالة أنفسهم. وعمل في الأيام العصيبة كنموذج للطلبة في كلية الفن، ثم كون مع صديقه كليب فرقة جاز وعزفا في ناد ليلي.
بعد موت صاحب النادي عرض على أوسكار عقد خاص بعزفه المنفرد على طبله من قبل شركة تسجيل موسيقية وبذا أصبح من الأثرياء. وبعدما اكتشف بأن الشركة مملوكة من قبل بيبرا تتوطد أواصر الصداقة بينهما ليتوقف عن العزف نهائيا بعد وفاتها.
وفي أحد الأيام وحينما كان يتمشى خارج دوسلدروف يعثر على أصبع مقطوعة لامرأة هي الممرضة دوروثيا، ونظرا لما يكنه لها من حب فقد احتفظ بالإصبع. وبعد حين يلتقي بفيتلار الذي يصبح صديقه الأقرب. ونزولا عند رغبة أوسكار يسلمه فيتلار إلى الشرطة بصفته قاتل دوروثيا.
يدان أوسكار من قبل المحكمة ويجبر على العيش في المصحة حيث يبدأ بكتابة مذكراته، مذكرات الطفل الذي يجسد براءة العالم من البالغين المشوهين بالأطماع والأحقاد والشهوة للسلطة.

