سوزان ناتان، هي سيدة إنجليزية الأصل والمولد، قررت وهي في السادسة والخمسين من عمرها أن تقيم في إسرائيل. إنها يهودية وتربّت على القبول بتعاليم الصهيونية وكان لإسرائيل صورة إيجابية دائما في ذهنها.كانت تلك هي الأفكار التي حملتها عندما غادرت بريطانيا نحو مقر إقامتها الجديد. لقد اكتشفت أن الواقع شيء آخر تماما غير الصورة التي كانت مرسومة في ذهنها.

وأدركت أن حوالي مليون عربي فلسطيني، عايشهم وخبرتهم عن قرب، يحملون الجنسية الإسرائيلية، «إنهم مواطنون إسرائيليون» كما تقول، لكنهم لا يتمتعون أبدا بالحقوق نفسها التي يتمتع بها السكان اليهود، بل وكانت صاحبة هذا الكتاب ـ الشهادة الحيّة قد قررت أن تعرف أكثر عن أولئك الذين يطلقون عليهم تسمية «العرب الإسرائيليين»، أسر الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948.

فما كان منها إلا أن أقامت في بلدة «تمراه» التي يقطنها حوالي 000 25 فلسطيني، وكانت هي اليهودية الوحيدة فيها. إن تجربة حياتها منذ وصولها إلى إسرائيل هي موضوع هذا الكتاب.ما تؤكد عليه المؤلفة على مدى صفحات هذا الكتاب وبأشكال مختلفة اعتمادا على تجربتها وعلى الصلات «الحميمة» التي استطاعت نسجها مع الكثير من الأسر العربية الفلسطينية التي فتحت لها أبواب بيوتها وقلوبها، هو أن العرب الفلسطينيين «مواطنون من الدرجة الثانية».

هذا ما يبدو بوضوح من خلال الأمثلة الكثيرة التي تقدمها بخصوص المعاملة التي يلقونها من السلطات الإسرائيلية في مختلف المجالات، لاسيما الأكثر حساسية والأكثر «ضرورية» منها كالتربية والسكن والعمل.إنها تؤكد أن «كل شيء صعب» بالنسبة لهم، ولا تحلم الغالبية القصوى منهم بإمكانية عودتهم إلى أراضيهم التي كانوا يمتلكونها قبل عام 1948 والتي قام اليهود الوافدون من مختلف أنحاء العالم بمصادرتها قبل طردهم منها.

ولا يحلم هؤلاء العرب الفلسطينيون أيضا أن ينالوا أبسط الحقوق «الدستورية» التي تمنحها لهم «المواطنة» وبحيث أن أغلبية بلداتهم، بما فيهم تلك التي أقامت بها المؤلفة لفترة طويلة، إنما هي أقرب إلى «مخيمات اللاجئين» مما هي كبلدات حقيقية من حيث البنى الأساسية التي تمتلك عليها.

ومنذ الجمل الأولى من الكتاب تدل صاحبته على واقع «التمييز» الذي تمارسه إسرائيل إذ نقرأ: «الطريق المؤدية إلى الجانب الآخر من إسرائيل تفتقر إلى دلالات التوجه. إنه مكان لا يتم الحديث عنه سوى نادرا في الصحف والتلفزة، بل هو مكان غير مرئي تقريبا بالنسبة لمعظم الإسرائيليين».

وتشير المؤلفة منذ البداية أيضا إلى مدى «الدهشة» بل و«الذهول» الذي أصاب جميع أصدقائها من «اليساريين» الإسرائيليين عندما أخبرتهم عام 2002 ـ شهر نوفمبر ـ أنها تنوي الإقامة في بلدة جميع سكانها من العرب. لقد أصيبوا جميعهم بالذهول «بلا استثناء».

كما تدقق القول مشيرة في الوقت نفسه إلى «غضبهم» حيال «جهلها» الكبير بـ «حقيقة الأوضاع في الشرق الأوسط»، بل ورأوا في قرارها «محاولة طفولية من أجل جذب الانتباه». ولم يتردد البعض في تحذيرها قائلين: «سوف يقتلونك هناك»، وقال آخرون: «إن العرب ودودون في البداية لكنهم سوف ينقلبون ضدك فيما بعد». وكانت هناك تعليقات أخرى من نوع «سوف يغتصبك الرجال هناك».

أقامت سوزان ناتان في بداية إقامتها «بين العرب» عند أسرة فلسطينية تتألف من ستة أشخاص. ومنذ البداية تؤكد القول أيضا: «لم أعتبر أبدا شقتي في البلدة كسكن مؤقّت أو كموضع للتجربة. إنه منزلي مثلما كان الأمر بالنسبة للمنزل الذي أقمت به في تل ابيب عند وصولي إلى إسرائيل قبل ست سنوات أو مثل منزلي في لندن قبل ذلك. هنا قررت وأنا عمري 56 سنة أن أقيم وأن تكون جذوري».

إن المؤلّفة تكرّس في هذا السياق عددا من الصفحات الجميلة، ربما من «أجمل الصفحات»، من أجل توصيف «بلدتها» الفلسطينية ببيوتها النظيفة وشوارعها وإطلالاتها وأشرطتها الكهربائية الموزعة دون أي نظام في كل مكان، وسمائها الصافية ونجومها المتلألئة ليلا.

كذلك يجد القارئ في هذا السياق أيضا صفحات أخرى عن توصيف حياة «امرأة» وجدها في ذلك الوسط. نقرأ: «إن الإقامة بين مجموعة عربية يستدعي إعادة تعريف مفهوم الحياة الخاصة. إذ لا يمكن للمرء أن يعيش هنا مجهولا من الآخرين مثلما هو الحال في تل ابيب ونيويورك ولندن».

ثم تشير كيف رأت حرص الأسرة التي تسكن معها على أن لا تتأخر كـ «تدخل» في حياتها، لكنها أدركت ميزات ذلك فيما بعد وأن ذلك الحرص مصدره الاطمئنان عليها وعلى أمنها. بالطبع نظر لها البعض على أنها «جاسوسة» لحساب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المعتادة على مثل تلك الممارسات.

وهنا، عبر ما سمعته من روايات حول تاريخ المنطقة خاصة من بعض الطاعنين والطاعنات في السن. تقوم المؤلفة بنوع من «التأريخ» للحياة الاجتماعية والاقتصادية، بل والسياسية لفلسطين وللفلسطينيين من خلال تجارب حياة معاشة بالطبع، وليس من خلال دراسات أكاديمية.

بالمقارنة تعود المؤلفة أيضا إلى «مراجعة» تلك الأفكار الرومانسية التي كانت تمتلكها عن الصهيونية وعن الدولة اليهودية قبل وصولها إلى إسرائيل عام 1999. لقد كانت تؤمن، كما أدخلوا في روعها، أن فلسطين كانت أرضا فارغة لا أحد فيها «لقد كانت أرضا بلا شعب من أجل شعب بلا أرض».

بالتالي قام اليهود بـ «جعل الصحراء حقلا من الزهور» و... وأشياء كثيرة أخرى تصب كلها في المنحنى نفسه الذي يجعل من اليهود «روّادا» بنوا «حضارة» في أحد «بوادي» الشرق الأوسط. على قاعدة مثل تلك الأفكار لم يكن الفلسطينيون «موجودين» بالنسبة لها، كما بالنسبة لجميع اليهود تقريبا.

تقول: «كانت ثقافتهم ومجتمعهم وتاريخهم ضربا من الأسرار الخفيّة». وما تؤكده المؤلفة هو أنها «اكتشفت» أولئك «العرب الإسرائيليين» أثناء قيام الانتفاضة الفلسطينية في شهر سبتمبر 2000. تقول: «لم تكن الدولة اليهودية إذن صافية عرقيا إلى الدرجة التي كانوا قد دفعوني للاعتقاد بها».

وتتحدث المؤلفة عن الآلية التي جعلتها ترى تدريجيا «الموقف الاستعماري» لأصدقائها الإسرائيليين من اليسار، وحيث كان يتكوّن في أعماقها تدريجيا أيضا الإحساس بضرورة الابتعاد عنهم، لاسيما أن حرية الرأي «الفردية» ليست مقبولة لديهم و«لا أحد يحق له الابتعاد عن الإجماع أو أن يشكك به لأن هذا يُضعف المجموعة كلها».

لقد صدم ذلك تعريفها لمعنى الإنسان نفسه. تقول: «الكائنات الإنسانية أهم كثيرا بالنسبة لي من المقولات الجاهزة والمؤسسات». من هنا كان اختيارها العيش وسط الفلسطينيين. نقرأ أيضا «أنني باختياري العيش، وأنها اليهودية، في مدينة صغيرة جلّ سكانها من المسلمين، كان يحدوني الأمل في البرهان على الخوف الذي يفرّقنا لا أساس له.

وهو خوف يعتمد على الجهل، على جهل أن دولة إسرائيل تشجع مثل ذلك الخوف بين المواطنين اليهود كي تقطعهم عن جيرانهم العرب». إن أمثلة عديدة تقدمها المؤلفة هنا كي تثبت بالحجة والدليل صدقية رأيها، تحت عنوان عريض هو «نهاية قصة حب»، إنها قصتها مع الصهيونية.

وتحت عنوان عريض آخر هو «مواطنون من الدرجة الثانية» تقدم سوزان ناتان «جردا تفصيليا» عن أشكال المعاناة التي يعاني منها العرب الفلسطينيون الذين لما يغادروا فلسطين بعد حرب عام 1948 واكتسبوا بالتالي «الجنسية الإسرائيلية».

إنهم مواطنون من الدرجة الثانية عندما يسافرون عبر ما يواجهونه من إجراءات أمنية في مطار بن غوريون وغيره، وعندما يجدون أنفسهم أمام ضرورة القيام بأية إجراءات إدارية خاصة بالتربية أو الصحة أو السكن أو الانتقال من مدينة إلى أخرى، الخ. وبكل الحالات يبقى المرجع الوحيد الذي يمكن للمواطن العربي ـ اللجوء إليه هو المحاكم، وبالتالي الدخول في معركة طويلة وباهظة الكلفة ودون جدوى في أغلب الأحيان، كما تقول المؤلفة.

إن المواطنين العرب في إسرائيل ليسوا «مواطنين من الدرجة الثانية» فحسب، وإنما يواجهون في الواقع حالة من التمييز العنصري ـ الابرتهايد ـ على شاكلة نظام جنوب إفريقيا البائد، كما تشرح المؤلفة على مدى العديد من صفحات الكتاب.

وتؤكد في الوقت نفسه أن الطبقة السياسية الإسرائيلية يمينها بالطبع، ولكن أيضا وأساسا يسارها، تغذّي مثل الواقع. وفي المحصلة تقدّم المؤلفة صورة للمجتمع الإسرائيلي بأنه يعاني حالة من العطالة. وإنه يسير في الطريق المسدود.

وتريد سوزان ناتان أن تكون شهادتها هذه دعوة للتعايش والسلام، دعوة تتجاوز «الحواجز الاسمنتية»، ذلك أن الحواجز قد أوجدناها في رؤوسنا من أجل أن نحمي أنفسنا من الحقيقة، كما تقول. ثم تضيف في الكلمات الأخيرة من كتابها: «علينا أن ننظر باستقامة إلى الأمكنة التي نقطنها ونعتبرها ملكنا ونفهم الماضي ونواجه الجرائم المقترفة باسمنا. عندها سنكون نحن اليهود على استعداد لنسامح أنفسنا وأن نمدّ يدنا فوق ذلك الحاجز. ذلك من أجل أن نستقبل الآخر، الذي هو في الواقع نحن أنفسنا».

*الكتاب: الجانب الآخر من إسرائيل

*الناشر:هاربر كولنز ـ لندن 2006

*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط

The other side of Israel

Harper Collins - london 2006

P.288