مارك بودن هو محلل سياسي أميركي من مواليد عام 1951. أنجز دراساته العليا في جامعتي سان لويس في ولاية ميسوري ولولا في ماريلاند. حاز على عدة جوائز من بينها الجائزة القومية الأميركية للكتاب عام 1999 عن كتابه الخاص بـ «تاريخ الحرب الحديثة» وجائزة الجمعية الأميركية للعلوم عام 1980.

للمؤلف العديد من المؤلفات من بينها «يومنا الجميل، 6 يونيو 1944»، أي المقصود بداية التدخل الأميركي في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية و«قصة الرجل الذي وجد مليون دولار» و«القصة الحقيقية لمذبحة بايلو»، الخ. ويساهم المؤلف أيضا في العديد من الدوريات الأميركية من بينها «المجلة الأطلسية».

«نزلاء لدى آية الله» كتاب عن قضية الرهائن الأميركيين الذين كان الطلبة الثوريون الإيرانيون قد احتجزوهم عند قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وأمضوا رهن الاحتجاز 444 يوما.

وكانت عملية إذلال حقيقية للولايات المتحدة الأميركية، لاسيما بعد القرار الذي كان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر قد اتخذه للقيام بعملية ترمي إلى تحرير الرهائن. لكنها كانت عملية فاشلة تماما، ولم يتم إطلاق سراح الرهائن إلا بعد وصول الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة الأميركية.

إن مؤلف هذا الكتاب يقوم بنوع من القراءة الجديدة لتلك الأزمة الكبرى «المعركة الأولى» التي كانت بداية سلسلة صدامات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و«الشيطان الأكبر» الأميركي حسب التوصيفات إيران الثورية للقوة العظمى الأميركية.

ويعتبر المؤلف أن عام 1979 كان «عام الخوف» و«عام المنعطف»، وهو العام الذي انتصر به آية الله الخميني على شاه إيران، الصديق الأكبر لواشنطن آنذاك في المنطقة. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن الإدارات الأميركية المتعاقبة قد «نسيت» تلك الأزمة «الزاخرة بالدروس» خاصة فيما يتعلق بفهم الأحداث الكبرى التي تلتها.

ويعود المؤلف إلى الحديث عن السياسة الأميركية حيال إيران خلال الفترة التي سبقت قيام الثورة الإسلامية عام 1979. إنه يؤكد على أن جميع الضباط الأميركيين الذين خدموا آنذاك في طهران، أي في فترة ما قبل الثورة، لم يكن بينهم أي شخص إيراني. هذا مع الإشارة إلى أنه كان لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في طهران مكتب كبير ويعمل فيه عدد كبير من العناصر.

ولم تستطع الأجهزة الأميركية أن تمنع وقوع 52 من الأميركيين بينهم عدد من الدبلوماسيين الذين كانوا يعملون في السفارة ومن ضباط الأمن ومن جنود المارينز الأميركيين رهائن بيد الطلبة «الذين كانوا ينضوون في النهج الذي حدده الإمام الخميني».

ويؤكد المؤلف في هذا الإطار أنها قد أسيئت معاملتهم. وقد كان عدد الرهائن في الأصل 66 رهينة وإنما كان قد جرى إطلاق 14 منهم قبل نهاية الأزمة. كما يشير المؤلف هنا إلى أن ثلاثة من الرهائن كانوا محتجزين لدى وزارة الخارجية الإيرانية وبالتالي كانوا يتمتعون بصفة «النزلاء» لدى آية الله.

ويدل العنوان الفرعي للكتاب: «المعركة الأولى لأميركا مع الإسلام المناضل» على أن المؤلف يعتبر عملية احتجاز الرهائن الأميركيين في إيران عام 1979 هي الحدث الأول الأكبر في سلسلة بدأت من هناك وصولا إلى العراق ومرورا في أفغانستان.

كما يحدد المؤلف عمليات التفجير التي شهدتها نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001 تندرج في إطار المنطق نفسه وحيث يضع احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران وتفجيرات نيويورك وواشنطن تحت خانة «التطرف الشمولي» للحركات الإسلامية السياسية المتطرفة.

بل ويؤكد على عملية احتجاز الرهائن باعتبارها «لحظة تأسيسية» في مسيرة التطرف اللاحقة والتي اعتبرت القيام بعمليات عنف ضد المصالح الغربية عامة والأميركية خاصة بمثابة «نشاط مشروع». كما يتم التأكيد على وجود نوع من التنافس بين الحركات المعنية على قاعدة انتماءاتها المذهبية المختلفة، وذلك من أجل الفوز بقدر أكبر من «الشرعية».

ويقول مؤلف الكتاب في القراءة الجديدة التي يقدمها لعملية احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران عام 1979، أن إيران قد أطلقت من خلال تلك العملية اندفاعة لا تزال تجد صداها حتى اليوم لدى أعداد من المسلمين في شتى أنحاء العالم. وهذه «الاندفاعة» لا تزال باقية رغم أن الحدث نفسه قد طواه النسيان إلى هذا الحد أو ذاك.

ويمثل هذا الكتاب في أحد جوانبه نوعا من «أدب السجون»، ذلك أن المؤلف يكرّس العديد من صفحاته لرسم المشاعر التي عاشها أولئك الرهائن أثناء وحدتهم في «معتقلهم». وهو يتحدث بكثير من التعاطف معهم. ولكن ليست من موقعهم كأميركيين وإنما من موقعهم كرهائن عاشوا مثل غيرهم من الرهائن في ظروف متنوعة، تجربة «النضال الداخلي» في أجواء الحرمان من الحريّة.

ثم يحدد المؤلف القول إن تلك «المعاناة الداخلية» للرهائن قد عاشها الأميركيون عموما كنوع من الإهانة. ومن هنا جاء مصدر غضبهم الكبير. ذلك الغضب الذي تصاعد وتنامى كي يصل إلى أوج ذروته حيال تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

والذي شكّل أحد العوامل الأساسية في القبول العام الذي حظيت به مقولة «مكافحة الإرهاب» لدى الشعب الأميركي وتأييده للسياسة «العقابية» التي قررها الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش. ويعيد المؤلف تزايد موجة الغضب جزئيا لدى الأميركيين لما وصفه بعملية «التعذيب النفسي» التي مارسها الطلبة الإيرانيون من محتجزي الرهائن.

وحيث يؤكد أن هؤلاء كانوا يتعرضون لكل أشكال المعاملة السيئة بما في ذلك تعريضهم لعمليات إعدام «موهومة» لبعض الرهائن. كما أن مجريات الأحداث دفعت قسما كبيرا من الأميركيين إلى الاعتقاد أن الأمر سوف ينتهي إلى قتل الرهائن، لاسيما أمام حالة العجز التي ظهرت آنذاك على الإدارة الأميركية وأنها غير قادرة على فعل أي شيء لإنقاذهم. وكان لطول فترة الحجز فعلها السلبي أيضا بالنسبة للرأي العام الأميركي.

ويتضمن هذا الكتاب العديد من الصفحات المكرّسة لأحد الرهائن، مثل حالة «جون ليمبرت»، الدبلوماسي الأميركي الذي يتحدث اللغة الفارسية بطلاقة، والذي يصفه المؤلف أنه الأكثر ميلا لإيران بين جمع الرهائن. وكان قد جرى نقل «ليمبرت» إلى مدينة اصفهان التي تبعد مسافة 200 ميل عن طهران.

وذلك بعد فشل عملية تحرير الرهائن التي قررها الرئيس جيمي كارتر «متأخرا جدا»، كما يقول المؤلف. وعبأ فيها إمكانيات لوجستية ضخمة من بينها طائرات للتزويد بالمحروقات وطائرات مقاتلة وطائرات عمودية. وكان السبب الرئيسي وراء فشل تلك العملية هو هبوب عاصفة رملية كبيرة أدّت إلى ارتطام طائرة عمودية ـ هليكوبتر ـ وطائرة مقاتلة بالأرض.

ما يؤكده المؤلف أيضا في تحليلاته لعملية احتجاز الرهائن الأميركيين في إيران عام 1979 ولنتائجها البعيدة والقريبة هو أنها قد تركت «علامات فارقة» مميزة على كل من أميركا وإيران. وبالنسبة لأميركا كانت قد أحسّت بشكل عام بعجزها، هذا إلى جانب تأكيد المؤلف أن البيت الأبيض في ظل إدارة جيمي كارتر لم يتقاعس أبدا في القيام بكل أشكال الاتصالات والجهود في «الكواليس» من أجل إطلاق سراح الرهائن، ولكنها ذهبت كلها دون جدوى.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يرى في عملية الرهائن الأميركيين في العراق منذ شهر نوفمبر 1979 حتى شهر يناير 1981 «المجابهة الأولى» بين الولايات المتحدة وما يسميه بـ «الإسلام المناضل» فإنه يصف الرهائن أنهم كانوا «أول الضحايا في حرب دعيت بالحرب على الإرهاب». ومن هنا يمثل هذا العمل، في أحد وجوهه، نوعا من التأريخ للحركات الإسلامية السياسية المتشددة التي شكّلت الثورة الإيرانية لعام 1979 «منعطفا» في مسيرتها كلها.

ذلك على أساس أن محتجزي الرهائن من قبل الطلبة الإيرانيين يمثلون من حيث «ولائهم المطلق» للمؤسسة العقائدية القائمة «نموذجا» قام آخرون بتطبيقه على سلوكية أعضاء مجموعات إسلامية متطرفة أخرى، بما في ذلك القاعدة.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن هذا الكتاب الذي يزيد عدد صفحاته عن ال650 صفحة ليس عملا أكاديميا بحتا وإنما هو أيضا دراسة «إنسانية» حيّة لسلوكيات الأشخاص الذين عاشوا تلك «المأساة» من رهائن ومحتجزيهم أيضا.

وحيث يخال القارئ أحيانا أنه أمام رواية من الأدب الروسي للقرن التاسع عشر وليس أمام بحث في السياسة المعاصرة عن عملية شغلت العالم وأقضّت مضاجع الإدارة الأميركية ووكالة استخباراتها لمدة 444 يوما وحيث عومل الدبلوماسيون الأميركيون كـ «جواسيس» وجرى النظر إلى السفارة الأميركية في طهران على أنها «وكر للجواسيس».

في المحصلة النهائية، يرى مؤلف هذا الكتاب أن عملية احتجاز الرهائن الأميركيين عام 1979 افتتحت «عهدا جديدا» سادت فيه «السياسة الجماهيرية». وساعد على ذلك الدور المتعاظم لوسائل الإعلام وحالة الاستياء من حكم الشاه وبحث الشرائح الشعبية عن «منقذ».

وذلك الواقع الجديد الذي لم تفهمه الإدارة الأميركية ولم تنجح الاستخبارات الأميركية في جمع المعلومات الكافية عنه، هو الذي كان وراء عدم القدرة على تكرار درس 1953 عندما جرى إسقاط حكومة محمد مصدّق.

*الكتاب: نزلاء لدى آية الله المعركة الأولى في الحرب الأميركية مع الإسلام الراديكالي

*الناشر: غروف اتلانتيك - بيركلي 2007

*الصفحات :704 صفحات من القطع المتوسط

Guests of the Ayatollah : the first battle in America's war with militant islam

Grove Atlantic-Berckly 2007

p. 704