إيريك مارتي هو أستاذ الأدب المعاصر في جامعة باريس السابعة، كاتب وناقد أدبي. من مؤلفاته: «رولان بارت، مهنة الكتابة» و«لاكان والأدب» و«سيرة حياة اندريه جيد» و«سيرة حياة الشاعر رونيه شار».ومن هو آلان باديو؟ هو باختصار أهم فيلسوف ومفكر فرنسي في الولايات المتحدة الأميركية. له العديد من المؤلفات من آخرها كتاب صدر له تحت عنوان: «مرامي كلمة يهودي». هذا الكتاب بالتحديد هو الموضوع الذي يناقشه إيريك مارتي وآخرون في هذا الكتاب.

ماذا قال باديو في كتابه ؟ باختصار قام بتعريف إسرائيل أنها «ذات نزعة عنصرية واستعمارية وتميل للإبادة». ولم يتردد في القول أن كلمة «يهودي» قد ارتبطت في مفهومها الحديث بالإرث التاريخي للنازية، وأنه من الأفضل لليهود أن لا ينضووا تحت تسمية «الدولة اليهودية» ذلك أنها «مناهضة للسامية» بسبب ارتباطها تاريخيا ب«النازية» التي لولاها، ربما ما كان لها أن تقوم.

وتتمثل إحدى الأطروحات التي يقدمها آلان باديو بالقول أن إسرائيل هي بمثابة دولة استعمارية أُقيمت في الشرق الأوسط» وبالتالي ينبغي لها، كأية دولة استعمارية، أن تزول من المنطقة، لاسيما وأن «باديو» يصف اليهود من سكان إسرائيل أنهم «غرباء».

أطروحات آلان باديو، كما يقدمها ايريك مارتي، تتمثل في القول أن «العودة المزعومة لمعاداة السامية ليست سوى ترجمة لنوع من الحساسية المتزايدة حيال هذه المسألة»، وأنه «يوجد اليوم ميل لدى المثقفين ـ الغربيين ـ نحو إعطاء نوع من التعظيم، بل والتسامي لكلمة يهودي»، أي بمعنى التأكيد على استثنائيتها.

وكذلك القول أن مثل هذا التعظيم لكلمة يهودي» يندرج في سياق إيديولوجية التأكيد على صفة «الضحية» المرتبطة مع المذابح التي قام بها هتلر ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم القول أن موقع «الضحية» يعفي اليهود من الانصياع إلى القانون الدولي، بل وأن يقوموا باضطهاد الآخرين دون أن يتعرضوا لأي عقاب. إذ كيف يمكن معاقبة من كانوا ضحايا للظلم؟

ومن الأفكار التي يؤكد عليها ايريك مارتي في كتاب آلان باديو تأكيد هذا الأخير على أن «إيديولوجية الضحية» التي أمكن بواسطتها رفع مكانة كلمة «يهودي» في أذهان الآخرين إنما هي ملازمة لمفهوم أن اليهود هم شعب الله المختار.

كذلك يؤكد باديو على أن غرف الغاز النازية لا ينبغي لها بأي حال أن تقدم ل«دولة إسرائيل الاستعمارية التي أُقيمت في الشرق الأوسط مكانة قانونية استثنائية» بالقياس إلى الدول الاستعمارية الأخرى. هذه الدول الاستعمارية كلها قد بادت وزالت، مثل الدول الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والدولة الاستعمارية في جنوب إفريقيا.

وبالتالي يجد إيريك مارتي، أن تأكيد باريو على عدم وجود أية مكانة استثنائية لإسرائيل على قاعدة أن اليهود كانوا ضحية غرف الغاز النازية، يعني أنها سوف «تزول» مثل بقية الدول الاستعمارية. بل إنه يرى زوالها سيكون أكثر سهولة مما كان الأمر بالنسبة للمستوطنين الفرنسيين ـ ذوي الأقدام السوداء ـ في الجزائر أو بالنسبة للبيض في جنوب إفريقيا فإسرائيل «أكثر حداثة في قيامها» من الدول الاستعمارية الأخرى.

ويرى باديو أن إسرائيل ك«دولة يهودية» تجني من هذه الهوية «ذات النزعة العنصرية» مكاسب لا حصر لها وامتيازات تسمح لها أن «تمرّغ القانون الدولي بالأرض» ليست «دولة» ولا «بلادا معاصرة حقا»، وذلك على أساس الدول المعاصرة هي دول ذات نزعة كونية. وبالتالي هي دولة «قديمة»، «عتيقة» تماما مثلما كانت فرنسا بقيادة المارشال بيتان في ظل الاحتلال النازي. بل ولا يؤكد باديو أنها قديمة وإنما ليست «ديمقراطية حديثة» أيضا.

في المحصلة يخرج آلان باديو من أطروحاته إلى القول أنه ينبغي أن تقوم «فلسطين علمانية وديمقراطية» تخضع لحكم «مانديلا إقليمي» ـ أي على طريقة نلسون مانديلا في جنوب إفريقيا ـ ويؤكّد في السياق نفسه أنه ليس معاديا للسامية بأي شكل من الأشكال.

ولكنه يرى أن أفضل طريقة للانتهاء من مثل هذا العداء للسامية هي أن تتوقف إسرائيل عن تسمية نفسها ب«الدولة اليهودية». ذلك أن مثل هذه التسمية هي «طائفية» بطبيعتها وبالتالي تتعارض مع مبدأ «الكونية». هذا فضلا عن كونها ـ أي التسمية ـ هي التي تصبغ نوعا من «التبرير» لما عانى منه اليهود من اضطهاد على يد النازيين، إذ جرى استهدافهم كيهود.

إيريك مارتي، وبعض استعراضه على مدى عشرات الصفحات أطروحات آلان باديو، يعارضه في كل ما جاء به، بل ويتهمه بعدم التدقيق والتمحيص والتحليل قبل أن يصدر آراءه. ثم يؤكد أن معاداة السامية هي بالأحرى نتيجة ل«الصورة» التي يتم تقديم اليهودي بها في الخطاب الثقافي والسياسي واليومي للعالم العربي أو العالم الإسلامي أو العالم الأوروبي».

ويصف مارتي عداء السامية لدى العرب والمسلميت بأنها «تقليدية وعقائدية» أما لدى العالم الأوروبي فيصفها أنها «مشرّبة بنوع من العنصرية البيولوجية» كانت النازية هي أوضح تجلياتها. ويشير مارتي حسب النهج نفسه من التفكير المحابي بوضوح لوجهات النظر الإسرائيلية إلى أن آلان باديو «يكتفي بتقديم معلومات عمومية».

وبالتالي ليست مدروسة بشكل جيد ودقيق، عندما يقول أن إسرائيل مدانة من حيث ما تقوم به من ممارسات حيال الفلسطينيين أو فيما يتعلق بخرقها للقانون الدولي. ويشير مارتي في هذا السياق إلى الشهادة الاستثنائية التي قدّمها الكاتب الفرنسي «جان جينيه» عن مجازر صبرا وشاتيلا، ويصف ما جاء في تلك الشهادة «العيانية» بأنه يقوم على «أساطير».

أمّا فيما يتعلق بعدم احترام إسرائيل للقانون الدولي وعدم انصياعها لمختلف القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة منذ قيامها حتى اليوم، فإن إيريك مارتي يرى بأن القرارات المعنية كلها «إلا حيال الواقع العسكري».

وهذا ما يفسّره بالقول: «في كل مرّة استطاعت فيها إسرائيل أن تقيم السلام مع شريك عربي قامت بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها». وبعد أن يشير مارتي إلى «سابقة» الانسحاب من جانب واحد التي قام بها ارييل شارون من غزّة، يؤكد أن الاستعمار الوحيد الذي عرفته المنطقة هو الاستعمار البريطاني.

وبهذا المعنى ينفي عن إسرائيل أية صفة استعمارية. لكن ماذا عن احتلال إسرائيل للأراضي العربية؟ يقول مارتي: «إن عمليات احتلال سيناء وغزة والجولان والضفة الغربية كانت دائما في الواقع وتبقى عملية احتلال متعلقة بالظروف بالنسبة للمنطقتين الأخيرتين، أي الجولان والضفة الغربية».

لكن القول الصريح بوجود احتلال «ظرفي» حيال مناطق معينة يعني وجود احتلال «غير ظرفي»، دائم، لمناطق أخرى. إن إيريك مارتي يعارض على طول الخط جميع أطروحات آلان باديو، ويعلن بصراحة عن «خيبة أمله» مما جاء فيها.

لكنه بالمقابل لا يستطيع أن ينكر عليه أنه «عنصر هام في الحياة الفكرية الفرنسية» وأن له مساهمات كبيرة مشهودة. وهو باختصار يقول عنه ما كان الكاتب اندريه جيد قد قاله ذات يوم عن كاتب آخر هو تيوفيل غوتييه، وجاء فيه: «إنه يحتل مكانة مركزية، لكن كم من المؤسف أن يحتلّها بشكل سيء».

ويناقش مارتي في هذا الكتاب أيضا نصا كان قد جرى نشره مع كتابات آلان باديو للسيدة سيسيل وانتر، ولخّص مضمونه بالقول أنها اعتبرت «اليهود» هم «الآريون الجدد». هذا ومن المعروف أن هتلر كان يفتخر بعرقه «الآري»، «الأفضل والأسمى» من جميع الأعراق الأخرى.

ويؤكد مارتي أن السيدة وانتر قد ذهبت في أطروحها أبعد مما ذهب إليه «أستاذها» باديو، لاسيما عندما تؤكد على أن النازية هي التي جعلت من كلمة يهودي «فكرة». وبالتالي كرّسها، وإنما أثار في الوقت نفسه مشاعر العداء حيالها.

هذا الكتاب يحتوي على عدد من الأطروحات الفكرية والفلسفية الصادرة عن أحد كبار المثقفين الفرنسيين من بين الأكثر شهرة في العالم ـ آلان باديو ـ والتي تنسف عمليا أية شرعية حقيقية لقيام إسرائيل. كما يحتوي أيضا على الأطروحات المناهضة لها.

*الكتاب: نزاع مع فلسفة آلان باديو

*الناشر:غاليمار ـ 2007

*الصفحات: 185 صفحة من القطع المتوسط

Une querelle avec Alain Badiou Philosophe

Gallimard - Paris 2007

P.185